غبار المشاهد ... ونشوى الأحلام ... !!!
(1)
أكملوا يومهم يضربون ظهر أكفهم بذاك ال ( السورو ) العجيب وهم يتأملون في مسائهم الموعود .. ولل ( السورو ) في دنياهم مكاناً حفياً اذ يقتل وقتهم الذي تمدد بينهم مسترخياً في غير ضجر يلتفون حوله تحيطهم الضحكات وتغشاهم تقريعات بعض كبارهم بين الفينة والأخرى .. وهم في ذات الحال يعبرهم العابرين والعابرات فيتسلل اليهم بعض ما يتوهج من ذاك العبور حتى اذا بلغ اللعب عندهم أشده وأستوى أتاهم صوت (الميكرفون) غير بعيد متقطعاً في تجاربه المتلاحقة قبل أن تعود اليهم أغنامهم بثغائها المعهود عند مغيب الشمس .. والناس هناك يصنعون أفراحهم جملةً واحدة فلا تقسيط لديهم ولا تقتير .. !!
طق طق طق .. نق .. نق .. نق ...!!
شيييييييييييييييييييييييييييي .. جاااااااااااااااااااااااااااااااا .. !!
صوته يصم الآذان فيجتمع أطفالهم في لهوٍ جديد يتقافزون بخفةٍ لا تعرف الأناءة وفي محياهم فرحُ سافر هناك في أعماقهم وتمدد ، وجوههم باسمة بحذر حين تمدد شتاء ذاك العام وضرب أطنابه ضرباً لم تسلم منه شفاههم وجلودهم ولم ينفع معه ما علق بها من زيتٍ عتيق لكنها الأمنيات والآمال في دنياواتهم لا تعرف انحناءات الفصول .. !!
لا أحد يستطيع أن يجزم بأحلامهم اذ ربما تناثرت بين الحقول أو طارت بها العصافير الخضر هناك في البعيد لكنهم دون شكٍ يحلمون .. ويعملون .. ويعلمون أن هذا المساء استثنائيا طالما لامست آذنهم بوقرها المعهود صوت الميكرفون يتناهي اليهم يوعدهم بليلة من ليالي الفرح الجميل .. !!
بعض نسائهم أثبتن خصوبتهن بحماس فيه من المبالغة الكثير ، بعضهن تزوجن قبل أن تنتهي رغباتهن في ( الكمبلت والحجلا ) وأخريات تأممن قبل أن يتعرفن بمالا يداني الشك على أنوثتهن التي برزت فجأة وأخريات تطاولت آمالهن وأحلامهن فجلسن ينسجن في وجعٍ دفين وصمتٍ ناطق ما يعينهن على البقاء ممسكات بالأنين .. !!ِ
والناس في حشرٍ شديد كأنه يوم لا يعود وظلةُ من الغبار تحوم فوق الجميع وتكاد تخنقهم أجمعين والأرجل تضرب الأرض ضرباً فتئن وترن قلوبهم معها وضحكاتهم تملأ الآفاق متزاحمين في غير ضيق يرفعون أصابعهم وأيديهم في طربٍ عجيب .. !!
:ـ الليلة يا اللابس الشريط ال للقلوب لقاط لقيط .. !!!
فلا تجد من يجلس مستمعاً اللهم إلا امراة مثقلة بالحكمة وبشحمها فلا متردية لديهم ولا نطيحة ، أو رجل لم يستوتر بعد يستريح الغمام على مآقيه وهو ينظر في حنو لهم وحسرة على الزمن الذي انسرب من بين يديه ومن خلفه دون أن يتمكن من استبقائه ولو قليلا .. !!
(2)
تضج جوانحي بحبه وإنك لو اخترت الحديث واقترحته لما ظفرت بخير مما استوفيته منه عفو الخاطر بغير سؤال .. هكذا يجالس ( ود البدري ) جليسه فيستأثر باهتمامه ويشرع من يحادثه أبواب قلبه على مصراعيها اذ تأتيك حكمه وفوائده هكذا منسابةُ في غير كلفةٍ ولا ضجر فيحدثك عن ثقب الأوزون فتوقن أن السماء انشطرت وأن كواكبها انتثرت وأنت مصغٍ باهتمام لا يفوتك ظرفه وملاحته وهو على غير ما جرت عليه ألسن الناس في بلدي اذ ليس ( سميناً ) .. نحيفاً تشفق عليه ان تزاحم الناس فيحرص على أن يتخذ ركنه القصيا ويعف عند مغنمهم .. !!
والدمع فضّاح
وسر هواي البي تعلمبو دون ايضاح
تعبت الا صفاح
وطرفي جافى النوم من طيب عبيرو الفاح
لا يمنعه جلال وجهه ووقاره أن يردد ذاك المقطع فيعقد ألسن الدهشة في أماكنها فهو عاشق للحقيبة وان كان حديثك سامراً ربما لمحت عينه وقد لامساتها الدمعات متى ما كان حديثه عن أبو صلاح أو ود الرضي أو غيرهما من رواد الشعر الغنائي في مستهل تكوين الدولة السودانية الحديثة .. !!
قال لي ذات شوقٍ دفين ورياحٍ دعته للحديث بعد أن ردد :
يا مِنَّة ً لك لَوْلا ما أُخَففُها
بهِ مِنَ الشُّكْر لم تُحْمَلْ ولم تُطَقِ
لو أن ابا تمام لم يزد في شعره على هذين البيتين لكفياه شر الشعر وتعاطي القصيد وطفق تأملاً في شرح جمال الفكرة وحسن العبارة وتسامي المطالب عند من يخفف وطأة المنن بشوارد الشكر ماوجد اليها سبيلا .. فزادت جلستي بسطة في مذاقها .. ولم أك مصغياً لغير صدى حنينه حين قام مردد مع سيف الدين الدسوقي :
أمي التي وهبت حرفي تألقه
تجي رحمتها من منبعٍ خصب
وإن تغيب في درب الحياة أبي
قامت الى عبئها أيضاً بعبء أبي
وقد قامت أمه بعبء أبيه وهم لم يبلغوا الحلم بعد .. !!
(3)
كانت الدنيا هناك لا تتمدد كثيراً اذ تنحصر في بضع أميالٍ محسوبةٍ .. المركز فيها مثابةً للناس وبعض أمنهم لا أدري من أين جاء احساسهم باستباحة المال العام الكل يعتقد .. خاطئاً دون شك .. أن أموال الدولة بعض ماله فلا يجد حرجاً في التصرف فيها وهو وان كان تصرفاً خفياً يميل الى السرية منه الى المجاهرة لكنه مقيت .. وهناك من وراء الحجب تتم الصفقات فخفيرهم لا يكاد ينجو من أن تمتد يده الى ما استخفر فيه ومديرهم لا يعزف لحناً نشازاً وأثمهم ليس ما حاك في أنفسهم وكرهوا أن يطلع عليه غيرهم اذ تحت ذاك الاعتقاد يقول جليسي ( ود البدري ) :ـ
عزم ( المقبول ) أحد خفراء مركز قطع الاسبيرات وهو شيخ في الستين من عمره أو يزيد قليلا أن يلقى نصيبه من هذا المال المباح وعقد اتفاقاً وثيقاً مع ( الزين ) سائق البص السفري الوحيد في المنطقة فضيحتئذ يقضى بموجبه أن يسلم المقبول ل( الزين ) اثنين من اطارات السيارات عند مغيب الشمس ولما كانت اللهفة والخوف والسكون تلقى جميعها بظلالها على المكان وقف ( المقبول ) من وراء الجدار رافعاً الاطارين المنهوبين ودفع بهما الى السيارة التي وقفت الى جوار المخزن هكذا دون أن يتبين .. والصدفة وحدها أوجدت ( عبدالله ) ذاك الشرطي المهاب في عموم الناحية ولما أسقط في يد ( المقبول ) صاح بلا وعٍ :ـ
الغزالة الت ( .... ) أمك آآآ المقبول .. وأفحش الدعوة على أمه!! ..
لكنهم يعرفون طرائق قددا لعبور خصوماتهم الى حيث السكينة والتلاشى .. فتلاشت .. !!
وفي غير انتظارٍ يتنقل بك من طرفةٍ هنا ومعلومةٍ هناك غير أن قاسمه في كل ذلك بعد جمال روحه هو تعلقه بموروثنا من غناء الزمن الجميل لا يفتأ يذكر ذاك حتى يكون حرضاً أو خلف الهالكين .. !!
مهما تجلّى بدراَ = دُون خدّيك آفل
كيف تتأفل كل البدور قاطبةً وتشرق شمس خدي محبوبته في سرمديةٍ بليغةٍ متحدية .. زانتها بدايته ب ( مهما ) اذ ذاك يفيد فيما يفيد تكراراً في الفعل وصيرورةٍ مستديمةٍ له متواترة .. فكلما تجلى بدراً جديد كان آفلاً لا محالة قياساً الى ذينك الخديين البديعين .. هكذا يحدثني ( ود البدري ) في احدى الأمسيات .. ولا ينفك يأخذني في حديقة ود الرضي الغنّاء فأرهقني صعوداً .. !!
آخر تحديث (الأربعاء, 06 أكتوبر 2010 09:03)


