بكرى الامين
15-10-2005, 23:37
إن بعض الظن.. قصة للكاتبة / نسرين طرابلسي
عاهدنا الليل ألا يأتي النهار إلا ونحن نودع آخر أنفاس العتمة. وعلى العهد، اخترعنا قفشات ونكات وضحكات ألهبت الصقيع قهقهة دامعة.
ما أن دخلنا السهرة حتى طالعتنا.. وكانت جميلة.
وهذا هو التعبير الوحيد الذي أسعفني بكل تقليديته وسذاجته، إلا أنه كان صحيحاً، واقعياً، عفوياً، مذهولاً، أقر به الجميع.
وبدأت سهرتنا تحبو على ساعتها الأولى، التي كانت بالنسبة لها ساعة أخيرةً تتوكأ على الدقائق انتظاراً..
التهمنا دخان نارجيلتها، وشربنا زفراتها. شقراء حلوة ووحيدة.
ونحن خمسة، بكل شقاوة شبابنا المراهق الذي جمعنا يوماً، وعاد بعد أن ولّت أيامه ليلفنا من جديد، ولليلة واحدة فقط، فلم نصعد صغاراً.
جلوسها وحيدة كان مغرياً ومريباً وغامضاً.
علائم الشبع والثراء لم تخفَ علينا. محترمة، هكذا وصفناها، علامات استفهام وقحة ارتسمت في أحداقنا. أحداقنا التي تنتظر المرافق المحظوظ ليعود من الحمّام أو من غرفة الهاتف أو من أي مكان، المهم أن يأتي ويرحمنا من وحدتها.
تردد النادل عليها أكثر من مرة. تبادلا حديثاً قصيراً.
- لابد أنها إحداهن.
- لا يارجل .. إنها مختلفة راقية وجخ .
- هذه هي الموضة يا متخلف، كلما كانت بنت ناس كان الزبون أدسم.
- لا أظن هذا، إنها برفقة أحدهم. ربما كانت المطربة التي ستؤدي الوصلة القادمة.
- وربما كانت أخت المغنية الحالية.
(وحشتني عدد نجوم السما .. وحشتني .. عدد كلام الهوى).
إنها تسمع كما نسمع، ولا يبدو عليها الحرج أو الاضطراب رغم الساعة التي قضتها وكل العيون منقضة عليها جارحة مباشرة، على أنغام وحشتني.
بدا وكأننا جميعاً نفضل التحليل الأول .. لأن الثرثرة والتعليقات استمرت في ذات الاتجاه:
- يظهر أن الانتظار سيطول.
- فنادق الخمس نجوم كهذا تتعاقد معهن لتعطي الفندق سمعةً حسنة. الممتلئون كالذباب عليه، يخبرون بعضهم بعضا بنوعية الأصناف ورِجلٌ تجر رِجلاً.
- عشنا وشفنا السمعة بالمقلوب!!
- وهل تعتقد أن كل رواد السهر معدمين كحضرتنا، نصرف القرش اليوم ونتحسر عليه غداً.
- أنا عن نفسي والله لوما (أبو العينين) مغترب وعازمنا لسهرة الليلة على حسابه، لا بسهر (ولا بتبهنك) .
- أنا غير مقتنع مطلقاً بما تقولون ولك هيئتها بنت عز.
- ما رأيك أنت صافن أفندي؟؟
- يمكن مفكر حالة كاتب بحق وحقيق وعم يحاول يكتب عنها قصة.
- ولم لا ؟
- وماذا كتبت ؟
- اسمع يا سيدي، إنها أرملة ثرية جداً، أنفقت كل ما تركه لها المرحوم لكنها تعودت على مستوى معيشة معين، ونزلت اليوم بكامل زينتها تتصيد مرحوماً آخر، كآخر أمل لها في متابعة مشوار البذخ والثراء.
- اسم الله عليك من بين الكتاب، هذه هي القصة التي استغرقت ساعة ونصف تفكر بحبكتها؟؟
كانت تلف النربيش حول عنق النارجيلة النحاسي، وبدأت حركتها تتسم بالعصبية، حين انطلقت ضحكة مجنونة.
- كفاك ضحكاً وفمك ممتلئ.
ويتابع ذو الفم الممتلئ:
- أعتقد.. أعتقد أنها كانت مدعوة مع صديقتها، وفوجئت الأولى عند دفع الحساب بأنها لا تمتلك المبلغ كاملاً، ولما استعانت بهذه لم تكن هي الأخرى بأحسن منها، فاستأذنت الصديقة لإحضار المبلغ على أن تنتظر هذه هنا وشربت المسكينة المقلب.. أليست حكايتي أطرف من حكاية الكاتب العظيم؟
- كفاك ضحكاً، أسخفُ من كلامك لم أسمع في حياتي.
صمتنا نتابع تحركاتها، ونعطي فرصةً لأنفسنا كي نمضغ أصناف الطعام الرائعة التي امتدت أمامنا، وكل منا يحلم بأنه سلطان زمانه، وبأن الحلوة لا شك ستتجه نحوه هو، عاجلاً أم آجلاً، إذا ما غمز لها في الوقت المناسب.
- إنّها مغدورة.
- ماذا تقول؟
- نعم، إنها امرأة متزوجة وطيبة اكتشفت خيانة زوجها لها. لم تتحمل الصدمة، وهي رفيقة الدرب وحبيبة القلب المخدوعة. ثارت في جوانحها شرور نساء الأرض جميعاً فانطلقت في الليل البارد تبحث عن خيانة، أي خيانة، تردّ بها الطعنة المؤلمة في الكرامة. لكنها محترمة، محترمة بشكل لا يطاق. لن يجرؤ أحد على الاقتراب منها، ومثال ذلك نحن الخمسة والساعتان اللتان قضتهما وحيدة.
بدت نزقة وخائفة، وكثرت ترددات النادل عليها. تشبث كل منا بروايته، وبذل أقصى ما في وسعه ليقنع الآخرين بمنطقيتها.
كانت كاميرا الفيديو في يد صديقنا المغترب تتصيد انفعالاتنا وشراهتنا في الأكل، وضحكاتنا وذكرياتنا التي تفرقع كالألعاب النارية في أذهاننا، فيضئ الشباب في أعيننا، ويعكس صورةَ الجميلة في أمانينا. نبث العدسة القصص التي اختلقناها عن البطلة الوحيدة كأنما نقول الصدق.
اشرأبت بجيدها الطويل تنظر إلى القادم. رجل طويل ملتف بمعطف مطري مبلل.
- ماما.
لحقت أعيننا بالصوت الحاد، فإذا به في مستوى يد الرجل. طفلة صغيرة تتملص بسنواتها الثلاث من يد الرجل وتقذف بنفسها في حجر الجميلة .. الأم.
شنفنا آذاننا فوصلنا صوتها مهتزاً حزيناً:
- سامحك الله، أين كنت حتى الآن؟؟ ساعتان؟؟ كيف لك أن تفسد عيد زواجنا بهذا الشكل ؟!!!
- اعذريني يا حبيبتي تأخرت، فقد استمرت لولو في البكاء وتشبثت بمعطفي، ورجتني جدتها أن آخذها معي لأنها لم تتوقف عن الصراخ والنحيب مذ غادرنا المنزل. الطرقات زلقة، لم استطع الإسراع في العودة. والمطر في الخارج مجنون والطرقات هربت من العجلات كالزئبق..و..
- يا إلهي .. هيا نعود ..
- لا تهتمي يا غالية .. عيد زواج سعيد..
أخرج من جيب معطفه المبتل علبة مخملية نيلية اللون..
طأطأ كل منا في طبق نميمته بعيداً عن العدسة المخيفة، التي كانت تؤنبنا، تشتمنا، تعيّب علينا وعلى سوء نيتنا.
عاهدنا الليل ألا يأتي النهار إلا ونحن نودع آخر أنفاس العتمة. وعلى العهد، اخترعنا قفشات ونكات وضحكات ألهبت الصقيع قهقهة دامعة.
ما أن دخلنا السهرة حتى طالعتنا.. وكانت جميلة.
وهذا هو التعبير الوحيد الذي أسعفني بكل تقليديته وسذاجته، إلا أنه كان صحيحاً، واقعياً، عفوياً، مذهولاً، أقر به الجميع.
وبدأت سهرتنا تحبو على ساعتها الأولى، التي كانت بالنسبة لها ساعة أخيرةً تتوكأ على الدقائق انتظاراً..
التهمنا دخان نارجيلتها، وشربنا زفراتها. شقراء حلوة ووحيدة.
ونحن خمسة، بكل شقاوة شبابنا المراهق الذي جمعنا يوماً، وعاد بعد أن ولّت أيامه ليلفنا من جديد، ولليلة واحدة فقط، فلم نصعد صغاراً.
جلوسها وحيدة كان مغرياً ومريباً وغامضاً.
علائم الشبع والثراء لم تخفَ علينا. محترمة، هكذا وصفناها، علامات استفهام وقحة ارتسمت في أحداقنا. أحداقنا التي تنتظر المرافق المحظوظ ليعود من الحمّام أو من غرفة الهاتف أو من أي مكان، المهم أن يأتي ويرحمنا من وحدتها.
تردد النادل عليها أكثر من مرة. تبادلا حديثاً قصيراً.
- لابد أنها إحداهن.
- لا يارجل .. إنها مختلفة راقية وجخ .
- هذه هي الموضة يا متخلف، كلما كانت بنت ناس كان الزبون أدسم.
- لا أظن هذا، إنها برفقة أحدهم. ربما كانت المطربة التي ستؤدي الوصلة القادمة.
- وربما كانت أخت المغنية الحالية.
(وحشتني عدد نجوم السما .. وحشتني .. عدد كلام الهوى).
إنها تسمع كما نسمع، ولا يبدو عليها الحرج أو الاضطراب رغم الساعة التي قضتها وكل العيون منقضة عليها جارحة مباشرة، على أنغام وحشتني.
بدا وكأننا جميعاً نفضل التحليل الأول .. لأن الثرثرة والتعليقات استمرت في ذات الاتجاه:
- يظهر أن الانتظار سيطول.
- فنادق الخمس نجوم كهذا تتعاقد معهن لتعطي الفندق سمعةً حسنة. الممتلئون كالذباب عليه، يخبرون بعضهم بعضا بنوعية الأصناف ورِجلٌ تجر رِجلاً.
- عشنا وشفنا السمعة بالمقلوب!!
- وهل تعتقد أن كل رواد السهر معدمين كحضرتنا، نصرف القرش اليوم ونتحسر عليه غداً.
- أنا عن نفسي والله لوما (أبو العينين) مغترب وعازمنا لسهرة الليلة على حسابه، لا بسهر (ولا بتبهنك) .
- أنا غير مقتنع مطلقاً بما تقولون ولك هيئتها بنت عز.
- ما رأيك أنت صافن أفندي؟؟
- يمكن مفكر حالة كاتب بحق وحقيق وعم يحاول يكتب عنها قصة.
- ولم لا ؟
- وماذا كتبت ؟
- اسمع يا سيدي، إنها أرملة ثرية جداً، أنفقت كل ما تركه لها المرحوم لكنها تعودت على مستوى معيشة معين، ونزلت اليوم بكامل زينتها تتصيد مرحوماً آخر، كآخر أمل لها في متابعة مشوار البذخ والثراء.
- اسم الله عليك من بين الكتاب، هذه هي القصة التي استغرقت ساعة ونصف تفكر بحبكتها؟؟
كانت تلف النربيش حول عنق النارجيلة النحاسي، وبدأت حركتها تتسم بالعصبية، حين انطلقت ضحكة مجنونة.
- كفاك ضحكاً وفمك ممتلئ.
ويتابع ذو الفم الممتلئ:
- أعتقد.. أعتقد أنها كانت مدعوة مع صديقتها، وفوجئت الأولى عند دفع الحساب بأنها لا تمتلك المبلغ كاملاً، ولما استعانت بهذه لم تكن هي الأخرى بأحسن منها، فاستأذنت الصديقة لإحضار المبلغ على أن تنتظر هذه هنا وشربت المسكينة المقلب.. أليست حكايتي أطرف من حكاية الكاتب العظيم؟
- كفاك ضحكاً، أسخفُ من كلامك لم أسمع في حياتي.
صمتنا نتابع تحركاتها، ونعطي فرصةً لأنفسنا كي نمضغ أصناف الطعام الرائعة التي امتدت أمامنا، وكل منا يحلم بأنه سلطان زمانه، وبأن الحلوة لا شك ستتجه نحوه هو، عاجلاً أم آجلاً، إذا ما غمز لها في الوقت المناسب.
- إنّها مغدورة.
- ماذا تقول؟
- نعم، إنها امرأة متزوجة وطيبة اكتشفت خيانة زوجها لها. لم تتحمل الصدمة، وهي رفيقة الدرب وحبيبة القلب المخدوعة. ثارت في جوانحها شرور نساء الأرض جميعاً فانطلقت في الليل البارد تبحث عن خيانة، أي خيانة، تردّ بها الطعنة المؤلمة في الكرامة. لكنها محترمة، محترمة بشكل لا يطاق. لن يجرؤ أحد على الاقتراب منها، ومثال ذلك نحن الخمسة والساعتان اللتان قضتهما وحيدة.
بدت نزقة وخائفة، وكثرت ترددات النادل عليها. تشبث كل منا بروايته، وبذل أقصى ما في وسعه ليقنع الآخرين بمنطقيتها.
كانت كاميرا الفيديو في يد صديقنا المغترب تتصيد انفعالاتنا وشراهتنا في الأكل، وضحكاتنا وذكرياتنا التي تفرقع كالألعاب النارية في أذهاننا، فيضئ الشباب في أعيننا، ويعكس صورةَ الجميلة في أمانينا. نبث العدسة القصص التي اختلقناها عن البطلة الوحيدة كأنما نقول الصدق.
اشرأبت بجيدها الطويل تنظر إلى القادم. رجل طويل ملتف بمعطف مطري مبلل.
- ماما.
لحقت أعيننا بالصوت الحاد، فإذا به في مستوى يد الرجل. طفلة صغيرة تتملص بسنواتها الثلاث من يد الرجل وتقذف بنفسها في حجر الجميلة .. الأم.
شنفنا آذاننا فوصلنا صوتها مهتزاً حزيناً:
- سامحك الله، أين كنت حتى الآن؟؟ ساعتان؟؟ كيف لك أن تفسد عيد زواجنا بهذا الشكل ؟!!!
- اعذريني يا حبيبتي تأخرت، فقد استمرت لولو في البكاء وتشبثت بمعطفي، ورجتني جدتها أن آخذها معي لأنها لم تتوقف عن الصراخ والنحيب مذ غادرنا المنزل. الطرقات زلقة، لم استطع الإسراع في العودة. والمطر في الخارج مجنون والطرقات هربت من العجلات كالزئبق..و..
- يا إلهي .. هيا نعود ..
- لا تهتمي يا غالية .. عيد زواج سعيد..
أخرج من جيب معطفه المبتل علبة مخملية نيلية اللون..
طأطأ كل منا في طبق نميمته بعيداً عن العدسة المخيفة، التي كانت تؤنبنا، تشتمنا، تعيّب علينا وعلى سوء نيتنا.