مشاهدة النسخة كاملة : مسلسل في حلقات ....
الننو دا 08-02-2011, 16:09 لأنها رائعة البيان ..
لأنها تجمع العواطف التي تمس القلوب وتستهوى جميع الناس ..
فيها مشاكل الأبوة والبنوة ..
فيها أحقاد الأخوة الكبار علي الأخوة الصغار ..
فيها أحزان القلوب وما ينتج عنها من الأمراض ..
فيها النبوة والمعجزة ..
فيها إبتلاء الآباء في أولادهم الصغار ..
فيها الحب والعشق والغيرة ..
فيها الحب والعاطفة ..
فيها فتنة النساء وكيدهن ..
فيها نماذج النسوة من طبقة علية القوم ..
فيها أنماط من الضعف البشرى والذل الجنسي ..
فيها العز بعد الذلة ..
فيها كل العواطف البشرية ..
فيها الجاه والسلطان ..
فيها السجن والتشريد ..
فيها العفو والمسامحة ..
فيها الابتلاءات والصبر عليها ..
فيها الشكر والتسبيح ..
غدا مع الحلقة الاولي
إخراج الننو ......
الننو دا 11-02-2011, 10:49 الحقلة الاولي ( 1 )
يعقوب نبى الله .. هو ابن النبي اسحاق .. وأسحاق هو ابن النبي ابراهيم .. كان مقامه في كنعان وكنعان إحدي نواحي الاردن .. كان له إثنا عشر ولدا ..
عشرة منهم متفاوتون في السن ويشكلون جبهة حاقدة علي أبيهم لأنه كان يعطف عطفاً كبيراً علي ولديه الصغيرين ..
يوسف .. وبنيامين..
وهذا شئ طبيعي لكل أب أن يكون عطفه علي أولاده الصغار أكثر من عطفه علي أولاده الكبار ..
وكان يعقوب ينظر إلي يوسف نظرة خاصة ...
أكان ذلك ألهاماً من الله ؟! ...
أم بفراسته الإيمانية يرى أنه سيكون له شأن خاص ؟
وذات يوم ...
جاء يوسف إلي ابيه يعقوب فرحاً متهللاً ...
وقال له :
يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ..
شعر يعقوب بنور النبوة أن يوسف سيكون له شأن كبير ...
إن هذه الرؤية ليست عادية ... ولكنها إيذاناً بأن يوسف سيرث النبوة ...
ويعقوب يعلم أن كافة الانبياء قبله قد أوذوا ومرت عليهم الأهوال ...
وأن طريق النبوة ليس مفروشاً بالورود ... ولكنه طريق وعر صعب ...
ومن استبشاره ... أن اولاده الكبار لم يبدُ عليهم أي أثر من علامامت النبوة ...
وكان حزيناً لأن سلالته هي سلالة أنبياء صالحين ...
ويخشي أن تذهب شجرة النبوة من سلالته ...
فلما قص يوسف عليه تلك الرؤيا ...
فرح واستبشر .....
والي اللقاء في الحلقة القادمة ....
الننو دا 12-02-2011, 17:09 الحلقة الثانية ( 2 )
إننا ملزمون بالاعتقاد بأن بعض الرؤى تحمل نبوءات عن المستقل القريب أو البعيد ..
ملزمون بهذا أولاً من ناحية ما ورد في سورة يوسف من وقوع مصداق رؤيا يوسف ..
ورؤيا صاحبيه في السجن .. ورؤيا الملك في مصر ..
وثانياً : من ناحية ما نراه في حياتنا الشخصية من تحقق رؤى تنبؤية في حالات متكررة ..
بشكل يصعب نفي وجوده .. لأنه موجود بالفعل ...
والسبب الأول يكفي .. ولكننا ذكرنا السبب الثاني لأنه حقيقة واقعة لا يمكن إنكارها ..
فما هي طبيعة الرؤيا ؟ ...
تقول مدرسة التحليل النفسي :
إنها صور من الرغبات المكبوتة تتنفس بها الأحلام في غياب الوعى .
فما طبيعة هذه الأحلام التنبؤية ؟
وقبل كل شئ نقرر أن معرفة طبيعتها أو عدم معرفتها لا علاقة لها بإثبات وجودها وصدق بعضها ..
إنما نحن نحاول فقط أن ندرك بعض خصائص هذا المخلوق البشرى العجيب ... وبعض سنن الله في هذا الوجود .
ونحن نتصور طبيعة هذه الرؤى علي هذا النحو ..
إن حواجز الزمان والمكان هي التي تحول بين هذا المخلوق البشرى وبين رؤية ما نسميه الماض أو المستقبل أو الحاضر المحجوب ... وأن ما نسميه ماضياً أو مستقبلاً إنما يحجبه عنا عامل الزمان ... كما يحجب الحاضر البعيد عنا عامل المكان ... وأن حاسة ما في الانسان لا نعرف كنهها تستيقظ أو تقوى في بعض الاحيان ... فتتغلب علي حاجز الزمان وترى ما وراءه في صورة مبهمة .. ليست علماً ولكنها إستشفاف .. كالذى يقع في اليقظة لبعض الناس ..
وفي الرؤى لبعضهم .. فيتغلب علي حاجز المكان أو حاجز الزمان أو عليهما معاً في بعض الاحيان ... وإن كنا في نفس الوقت لا نعلم شيئاً عن حقيقة الزمان ... كما أن حقيقة المكان ذاتها ــــ وهي ما يسمي بالمادة ليست معلومة لنا علي وجه التحقيق ...
{ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ( سورة الاسراء الآية 85)
وعلي آية حال : لقد رأى يوسف رؤياه تلك ... وسترى فيما بعد ما يكون تأويل الرؤيا ...
وإلي اللقاء في الحلقة الثالثة ...
عثمان إدريس 12-02-2011, 17:30 الحلقة الثانية ( 2 )
إننا ملزمون بالاعتقاد بأن بعض الرؤى تحمل نبوءات عن المستقل القريب أو البعيد ..
ملزمون بهذا أولاً من ناحية ما ورد في سورة يوسف من وقوع مصداق رؤيا يوسف ..
ورؤيا صاحبيه في السجن .. ورؤيا الملك في مصر ..
وثانياً : من ناحية ما نراه في حياتنا الشخصية من تحقق رؤى تنبؤية في حالات متكررة ..
بشكل يصعب نفي وجوده .. لأنه موجود بالفعل ...
والسبب الأول يكفي .. ولكننا ذكرنا السبب الثاني لأنه حقيقة واقعة لا يمكن إنكارها ..
فما هي طبيعة الرؤيا ؟ ...
تقول مدرسة التحليل النفسي :
إنها صور من الرغبات المكبوتة تتنفس بها الأحلام في غياب الوعى .
فما طبيعة هذه الأحلام التنبؤية ؟
وقبل كل شئ نقرر أن معرفة طبيعتها أو عدم معرفتها لا علاقة لها بإثبات وجودها وصدق بعضها ..
إنما نحن نحاول فقط أن ندرك بعض خصائص هذا المخلوق البشرى العجيب ... وبعض سنن الله في هذا الوجود .
ونحن نتصور طبيعة هذه الرؤى علي هذا النحو ..
إن حواجز الزمان والمكان هي التي تحول بين هذا المخلوق البشرى وبين رؤية ما نسميه الماض أو المستقبل أو الحاضر المحجوب ... وأن ما نسميه ماضياً أو مستقبلاً إنما يحجبه عنا عامل الزمان ... كما يحجب الحاضر البعيد عنا عامل المكان ... وأن حاسة ما في الانسان لا نعرف كنهها تستيقظ أو تقوى في بعض الاحيان ... فتتغلب علي حاجز الزمان وترى ما وراءه في صورة مبهمة .. ليست علماً ولكنها إستشفاف .. كالذى يقع في اليقظة لبعض الناس ..
وفي الرؤى لبعضهم .. فيتغلب علي حاجز المكان أو حاجز الزمان أو عليهما معاً في بعض الاحيان ... وإن كنا في نفس الوقت لا نعلم شيئاً عن حقيقة الزمان ... كما أن حقيقة المكان ذاتها ــــ وهي ما يسمي بالمادة ليست معلومة لنا علي وجه التحقيق ...
{ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا }
وعلي آية حال : لقد رأى يوسف رؤياه تلك ... وسترى فيما بعد ما يكون تأويل الرؤيا ...
وإلي اللقاء في الحلقة الثالثة ...
نسبة لتشفير و ازالة ترددات قناة الننو دا من قائمة القمر الصناعي حب النيل سات
فقد صعب علي الكثير متابعة الحلقة الثانية من هذا المسلسل لذا وحسب طلب الجمهور تم
إعادة هذه الحلقة تلبية لرغبات المشاهدين ..!! :D
واحد متابع :c030:
الننو دا 13-02-2011, 13:54 نسبة لتشفير و ازالة ترددات قناة الننو دا من قائمة القمر الصناعي حب النيل سات
فقد صعب علي الكثير متابعة الحلقة الثانية من هذا المسلسل لذا وحسب طلب الجمهور تم
إعادة هذه الحلقة تلبية لرغبات المشاهدين ..!! :D
واحد متابع :c030:
خرمجة المنتدي العام وعرفناااها:D
روووق وشاهد سااااي وما تلعب بالريموووت
رووووق يا الماااااك رااااائق :D:D
نعتذر للسادة المشاهدين
عن دعاية عثمان الرشيد :D
ونواصل ما إنقطع من المسلسل
فكووونوا معنا :c030:
الننو دا 13-02-2011, 14:09 الحقلة الثالثة ( 3 )
أنفرد يعقوب بابنه يوسف بعيداً عن إخوته ... والشفقة تبدو علي يوسف وقال له :
قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ( سورة يوسف الآية 5 )
حذار ... ثم حذار ... أن تخبر أياً من إخوتك بهذه الرؤيا ...
لقد فسر يعقوب رؤيا يوسف بأن يعقوب وأولاده وزوجته سيسجدون ليوسف ...
وأن الله سيمكن ليوسف في الارض ...
وليس معني السجود هنا هو سجود العبادة ولكنه سجود التعظيم ...
وكان السجود في تلك الايام من مظاهر تعظيم العامة للملوك والحكام ...
وبعدما جاء عيسي علي السلام أبطل ذلك ..
لقد أدرك يعقوب حقد أبنائه علي أخيهم ... لا لشئ إلا لأنه طفل ... موهوب ...
جميل البشرة ... نقي السريرة ...
لقد كان الحسد يملأ قلوبهم ...
فما أن يعرفوا تلك الرؤيا إلا ويضمروا شراً ليوسف ...
يوسف الذي تربي في حجر النبوة كابراً عن كابر ...
ذو القلب الصافي طاهر النفس والروح ...
منذ نعومة أظفاره وذلك هو سر حب أبيه له ..
إن الانبياء يستلهمون... ويلهمون ...
وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ . ( سورة يوسف الآية 68 )
إن يعقوب كان حريصاً علي رسالته ... حتي عند قومه ... ما كان شاغله إلا الاطمئنان علي إيمان اولاده وبذلك يفارقهم وهو مطمئن عليهم
أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . سورة البقرة الآية 133
وتكشف لنا تلك القصة ... عن بطل المسلسل ...
إنه الشيطان ...
إنه بطل تلك المسلسل ...
ومن خلفه ... مساعدوه من الانس ...
وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدث به ، وإذا رأى ما يكره فلتحول إلي جبنه الآخر وليتفل عن يساره ثلاثاً ، وليستعذ بالله من شرها . ولا يحدث بها أحداً فإنها لن تضره) .
والكتمان امر هام في قضاء الحوائج
وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم :( واستعينوا علي قضاء الحوائج بكتمانها . فإن كل ذى نعمة محسود ) .
والي اللقاء في الحلقة القادمة
الننو دا 13-02-2011, 14:45 الحلقة الرابعة ( 4 )
يا يوسف ...
إن الله سيجتبيك ... وسيصطفيك ... وسيختارك للنبوة ... والسيادة ...
وسيعلمك الله يا يوسف تأويل الأحاديث ... وتعبير المنامات ...
وسيتم الله عليك يا يوسف نعمته الظاهرة والباطنة ...
وسيمكنك الله يا يوسف في الارض وستعلو فيها علواً كبيراً ...
وسترث النبوة التي اختارك الله لها من بين إخوتك ...
إن يعقوب حينما يتكلم ... فهو أحد حلقات السلسلة المقدسة الاربع ...
إبراهيم ... اسحاق ... يعقوب ... يوسف ...
من نور إلي نور ...
ومن نور إلي نور ...
ومن نور إلي نور ...
كل منهم ورث النبوة عن الآخر ...
وعندما رأى يعقوب النبوة تتحقق في يوسف ... أحبه حباً أشد مما سبق ...
يا يوسف ...
إن ربك عليم حكيم ...
يا يوسف ...
إن الشيطان للانسان عدو مبين ...
من أخرج آدم من الجنة ؟
إنها وسوسة الشيطان له ...
وستظل عداوة الشيطان للانسان إلي ان يرث الله الأرض ومن عليها ...
إن قصة يوسف وإخوته فيها آيات لكل من سأل عنهم ، ودلائل علي قدرة
الله سبحانه وتعالي ومشيئته ...
إن اولاد يعقوب علي السلام أثنا عشر سبيطاً
ويقال بأن اليهود سألوا رسول الله صلي الله عليه وسلم عن قصة يوسف عليه السلام ...
فذكر لهم قصة يوسف جميعها ... فوجدوها موافقة لما في التوراة ... فتعجبوا منها ..
واولاد يعقوب الاحد عشر
1- رؤوبين
2- شمعون
3- لاوى
4- يهوذا
5- زبولون
6- أشير
7- دان
8- نفتالى
9- يساكر
10- جادو
11- بنيامين
الننو دا 13-02-2011, 15:16 الحلقة الخامسة ( 5 )
أتي النبي صلي الله عليه وسلم رجل من يهود يقال له بستانة اليهودي
وقال : يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له .. ما اسماؤها :؟
قال : فسكت النبي صلي الله عليه وسلم فلم يجبه بشئ ونزل عليه جبريل علي السلام
فأخبره بأسمائها .. فقال نعم ..
قال عليه السلام : ( جريان - والطارق - والزيال - وذو الكنفات - وقابس - ووثاب - وعمودان - والفيلق - والمصيح - والفروح - وذو الفرغ - والضياء - والنور . )
فقال اليهودى أي والله ... إنها لاسماؤها ...
حينما إجتمع إخوة يوسف ... وسيطر الشيطان علي تفكيرهم ...
قالوا :
ليوسف وأخوه بينامين احب الي ابينا منا ... ونحن عصبة ... إن ابانا لفي ضلال مبين ...
إننا نحن عشرة اخوة ... لماذا يفضل ابونا يوسف واخاه بنيامين ... علينا ..
هل لأن أمهم راحيل بنت لابان خال أبينا يعقوب ...
إنهما ولدان صغيران ... ونحن رجال أشداء ...
إن ابانا قد بعد عن الصواب .
لماذا يحب ابونا يوسف هذا الحب الكبير ...؟
ما ذنبنا نحن ... بأن يوسف جميل الطلعة لأمه راحيل ...
لابد أن نتصرف ونوقف هذا الظلم الواقع علينا بتفضيل أبينا ليوسف علينا ...
ألسنا القائمين علي مصالحه ... الدائبين علي خدمته ...
لقد استطاع الشيطان أن يلغي العاطفة النبيلة بين الاخوة لتصبح غلاً وحقداً ...
لقد خطط الشيطان وعرف كيف يحقق هدفه ..
ويصعد الشيطان الموقف ... فيصفون أباهم بالضلال ...
ما أتعس الانسان حين يعيش بعيداً عن الله ...
تختل الموازين في يده ..
ويختل توازنه وتفكيره وتقويمه للامور حتي يحكموا علي ابيهم ... بالضلال ..
ومن هنا ...
بدأ الشيطان يصعد الموقف ....
وإلي اللقاء في الحلقة السادسة ...
الننو دا 14-02-2011, 14:06 الحلقة السادسة ( 6 )
وحينما دبر الشيطان مؤامرته ... وتأكد أن تلك المؤامرة ملأت رؤوس اخوة يوسف بدأ يحرضهم ....
قال أحدهم : اقتلوا يوسف ...
وقال الآخر : اطرحوه ارضاً ...
حتي يخلو لكم وجه ابيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين ...
إنها المؤامرة الدنيئة للخلاص من يوسف ...
إما قتله ...
أو تركه في أرض مجهولة لا يعرفها أبوه ...
ولا يمكن ليوسف أن يرجع إلي ابيه منها ...
وبذلك تخلص محبة ابيكم لكم ...
أي إن إضمار الشر قبل التوبة ....!!!!!
حتي اولاد نبي الله يعقوب ... يجرمون ...
حتي أولاد الانبياء يفعلون المنكر ...
وهل الشيطان يترك أحداً ... إلا من عصمه الله ...
إن اخوة يوسف قد قطعوا الرحم ...
وعقوا والدهم ...
ولم يرأفوا بالصغير يوسف ولا بأبيهم الهرم الفاني ...
حتي إن اخوة يوسف ... لا يعرفون مركز أبيهم من النبوة ...
لو كانوا يعرفونها ...
لما قالوا ... إن أبانا لفي ضلال مبين ...
قلوب سوداء مظلمة عشعش فيها الشيطان
ولذلك كان يعقوب يحب يوسف حباً شديداً
لأنه رأي فيه نور النبوة ...
ولم ير أي اثر لنور النبوة علي وجه احد من اولاده الآخرين .
* قال احد اخوة يوسف وهو يهوذا : وكان أرشدهم رأياً وارجحهم حلماً :
نحن ابناء يعقوب النبي ... وأحفاد إبراهيم الخليل ... ولنا عقل ودين ...
والقتل لا يقره العقل ... ويأباه الدين ... ويوسف غلام برئ ولم يجن إثماً ...
ولم يرتكب جرماً ... ولم يقدم سوءاً ...
ولكنكم إذا كنتم مجمعين له إبعاداً ...
فهذا الجب الذي ببيت المقدس ... ملتقي الغادي والرايح ... ألقوه فيه يلتقطه بعض المسافرين
الذين يضربون في الارض ... فيذهبوا به حيث شاؤوا ... وحينئذ نكون قد نلنا ما نرجوه
من إبعادنا ليوسف ... وخلصنا من إثم القتل وعاره ...
فاستجابوا لهذا الرأى ... وبيتوا أمرهم علي هذا العزم ...
*
وحينما عزم إخوة يوسف علي تنفيذ مؤامرتهم ...
ذهبوا إلي أبيهم يعقوب وقالوا له :
يا أبانا ... ما لك لا تأمنا علي يوسف وإنا له لناصحون ...
إنه اخونا الصغير ... ونحن نحب له الخير ...
إن احساسهم بان اباهم لا يأتمنهم علي يوسف .
احساس خفي بين إخوة يوسف وأبيهم .
هم يحسون في داخلهم أن أباهم لا ياتمنهم علي يوسف .
ويعقوب يحس بإحساس النبوة بأن اولاده يريدون مكروهاً بيوسف ...
ولكنهم لا يتصارحون ...
إنه صراع خفي بين يعقوب واولاده ...
إن الانسان حينما يكون علي الباطل ... يكون ضعيفاً ولا يعتمد إلا علي الكذب والخداع .
إن إخوة يوسف حينما ذهبوا إلي ابيهم لتنفيذ المؤامرة يطلق عليهم المثل :
( يكاد المريب يقول خذوني )
لقد طلب اخوة يوسف من أبيهم أن يرسله معهم غداً ... يرتع ... ويلعب ...
وأكدوا له بأنهم عليه لحافظون ...
وقالوا له :
يا أبانا ... إننا نحب أخانا الصغير يوسف ...
وسنكون منشرحين حينما يكون معنا
يأكل ... ويشرب ... وينشط ... ويلعب ...
ويزداد نشاطاً وبهجة وحيوية وسروراً ...
إن الذين في سنه ... لا جلوس لهم ولا ركود ...
بل حركة ... ونشاط ...
يا أبانا لا تخف عليه ... من آي مكروه ...
إنه في عيوننا ... وإننا نفديه بأرواحنا ...
*
وكان رد يعقوب علي أولاده حينما طلبوا منه أن يرسل أخاهم يوسف معهم ...
قال يعقوب :
أنه ليحزنني أن تذهبوا به ... وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ...
إنني لا أصبر علي فراق يوسف ...
إنني لا أطيق ذهابه بعيداً عني ...
وكأن يعقوب قد أحس بالمؤامرة ...
وأوضح لاولاده ...
بأنه يخاف أن يأكله الذئب ...
ولماذا الذئب ؟؟
ولماذا لم يذكر اي حيوان آخر من الحيوانات المفترسة التي تعيش في الصحراء ..
هل لانه كان يحس بالمؤامرة ؟
هل لانه أوحي إليه بذلك ؟
إن اولاد يعقوب قد أخذوا كلمة الذئب من فم ابيهم وجعلوها عذرهم فيما سيفعلونه .
ويقال ان يعقوب كان قد رأي في المنام بأن ذئباً شد علي يوسف ... فكان يخاف
عليه من ذلك ... فمن ثم قال :
أخاف ان يأكله الذئب
*
هم أرادوا طمأنة ابيهم علي يوسف ...
ولكن يعقوب ...
ما زال لا يثق فيهم في المحافظة علي يوسف ...
وأخيراً ... وبدون اقتناع ... وافق يعقوب ... نزولاً علي رغبة ابنائه ...
وبعد الحاحهم عليه ... وتحت ضغطهم علي اصطحاب يوسف معهم ...
بعد ان وعدوه بالمحافظة عليه ...
وهكذا استسلم الوالد الحريص ...
لتحقق قدر الله ... وتتم القصة كما تقتضي مشيئته ...
والي اللقاء في الحلقة السابعة
الننو دا 15-02-2011, 09:52 الحلقة السابعة ( 7 )
ومن الصباح الباكر ... اصطحب إخوة يوسف أخاهم يوسف معهم ...
ظاهرهم أمام والدهم أنهم سيقومون بإسعاده معهم ...
وباطنهم ... لتنفيذ مؤامرتهم ... وهي إلقاؤه في الجب ... وأثناء الطريق ... تم حبك المؤامرة ...
وحينما وصلوا إلي الجب المتفق عليه ... ألقوه في أعماقه ...
إلا أن الله أوحي إلي يوسف ...
فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
الاية 15 من سورة يوسف
هل كان ذلك وحياً من الله ... ؟
ام عن طريق جبريل عليه السلام ...؟
ام مباشرة من الله إليه .. ؟
أم عن طريق ملك من الملائكة ...؟
علم ذلك عند الله ... ولكنها علامات النبوة .
فكما أوحى الله إلي يوسف وهو صغير ... أوحى بعد ذلك إلي عيسي بن مريم وهو في المهد صبيا .
هذا الطفل البرئ ... وفي هذه الظلمات داخل البئر يأتيه الوحي ... ويطمئنه ...
لا تخف ... ولا تحزن بما فعله إخوتك إنك بعد حين ... ستسرد عليهم ما فعلوه بك .
وقيل إنهم بعد أن طرحوه في البئر ...
جلسوا يأكلون ... ويلهون ... حتي المساء ...
يا لقساوة الانسان ...
يا لقلب الانسان المتحجر ...
إنهم جاهلون ...
لقد جردوا يوسف من قميصه ...
وأخذ يتوسل إليهم ...
ولكن قلوبهم من حجر
وربطوه بحبل ... فكان إذا لجأ إلي أي واحد منهم ... لطمه وشتمه ...
وكان إذا تشبث بحافة البئر ... ضربوا علي يديه
ولكن رعاية الله ... كانت تحرسه وتحميه ...
وصدق الشاعر :
عوى الذئب فأستانست بالذئب إذ عوى *** وصوت انسان .... فكدت أطير ..
يا لقسوة الانسان علي اخيه الانسان ..
ويا قسوة الاخوة الكبار علي اخيهم الصغير ...
وصدق الشاعر :
وظلم ذو القربي أشد مضاضة *** علي النفس من وقع الحسام المهند ...
حنانيك يا بئر ...
كوني بيوسف اشد رحمة من إخوته ...
واكثر حناناً من بنى جلدته ...
واشد شفقة من بنى جنسه ...
يالقسوة النفوس ... وغلظة القلوب ...
القوا أخاهم في غيابة الجب ...
* ولم يخشوا عليه من ظلام البئر المخيف ...
* لم يحسبوا لارتطامه بالصخر حساباً ...
*لم يخافوا عليه من حيات البئر ولدغاتها ...
كيف استقبل البئر الضيف الكريم ...
إن عناية السماء التي جعلت النار لجده ابراهيم برداً وسلاماً قد تدخلت ...
فجعلت من الجب ملتقي وحي من السماء ...
كيف كان شعور يوسف وهو يتذوق لذة الاتصال بوحي السماء ...
كم أعطاه ربه من الأمن والأمان ...
كم من جريمة ترتكب يبدو فيها الجاني في الكفة الاقوى ثم تنكشف الجريمة
ماذا يكون شعور الجاني حينئذ ؟
ماذا يكون شعوره وقد تغير الموقف ... فأصبح الاسد نعامة . والليث هرة ...
واصبح القوى في موقف الضعيف يتردى ويتهاوى
يود الجاني حينئذ لو تسوى به الارض ولا يواجه فعله الفاضح
إن الحقيقة التي يتعمد الانسان نسيانها وجحودها ستضطره الايام الي مواجهتها والاقرار بها
في وقت لا ينفع فيه الندم ...
إن الله يمهل الجاني وقت ارتكاب جريمته ...
لن يتركه حتي يفضحه علي رؤوس الاشهاد ...
إن ضعف الجاني يتجلي في أنه يرتكب جريمته بعيداً عن الرقباء والناس
فكيف يواجه به الناس عند افتضاح جريمته ؟
إن الحقيقة التي تقررها السماء أن الانسان مسئول عن عمله ...
إن الوحي يطمئن يوسف أنه لابد من لقاء إخوته يوما ما
وعندئذ يخبرهم بما فعلوا ..
فكيف يلقونه حينها ...
ليتهم يشعرون ... أو يحسون ...
الننو دا 15-02-2011, 17:17 الحلقة الثامنة ( 8 )
وبعد أن نفذ إخوة يوسف جريمتهم النكراء ...
بعد دخول الظلمة ليلاً ...
جاءوا أباهم عشاء يبكون ...
ويسمع يعقوب صوت العويل ... والقمر الشاحب كاسف البال حزين ...
وهنا ...
ألقي يعقوب السمع إلي بنيه ... واستطاع أن يميز بين نشيج حناجرهم الكاذب ...
وبين نبرات الصوت الحزين ... فعرف أن الأمر قد دبر بليل ... وأنها مكيدة مدبرة ...
ومصيبة مقررة ...
لقد ظنوا أن مجيئهم بالخبر ليلاً سيخفى علي أبيهم حقيقة دموع التماسيح ...
وحتي لا يفضح ضوء النهار ملامح وجوههم فينكشف تمثيلهم وخداعهم ...
ولكن ...
أنيٌ ذلك مع نبي ... هو من الله قريب
سال يعقوب أولاده :
أين يوسف ... ؟
قالوا : يا أبانا لقد ذهبنا نستبق ونجرى ... وتركنا يوسف عند ملابسنا وامتعتنا ... فأكله الذئب ...
وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ...
كأنهم يقولون عن أنفسهم إنا لكاذبون ...
وهم فعلاً كاذبون ...
فالدموع لا تعني الصدق دائماً ... وبكاء المرء لا يدل علي صدقه ... لأنه من المحتمل ان يكون
تصنعاً كما حدث مع إخوة يوسف ...
ولقد رؤي ان امراة تحاكمت الي شريح القاضي فبكت ...
فقال الشعبى :
يا أبا امية ... اما تراها تبكي ؟
فقال شريح القاضي :
لقد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظالمون كاذبون ، لا ينبغي للانسان أن يقضى إلا بالحق .
وجاء إخوة يوسف ... يكذبون ويلفقون ... ويتصنعون البكاء ... ومعهم قميص يوسف عليه دم كذب .
إن هذا الدم الذي علي قميص يوسف ليس بدم يوسف ... ولكنهم ذبحوا شاة ... أو ماعزاً ...
او اي حيوان آخر ... ولطخوا قميص يوسف بذلك الدم ...
فماذا قال لهم ابوهم ...
قال لهم : ( ٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) الاية 18 سورة يوسف
إن إخوة يوسف استغلوا كلمة أبيهم ...
_إني أخاف عليه من الذئب _
إن يعقوب فهم لعبة اولاده ... وتأكد أنهم كاذبون .
وليس له إلا الصبر علي ظلم أولاده وقسوتهم ...
إن أنوار النبوة في يعقوب قد ظهرت جلية علي تلك المؤامرة من أولاده وجعلته لا يظهر
الحزن ولكنه أفهم أولاده أنهم متآمرون ... وقال لهم :
( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ) الاية رقم 18 من سورة يوسف
وأعلن لهم بأنه سيصبر صبراً جميلاً ... ولن يشكو لأحد إلا الله سبحانه وتعالي
وسيستعين بالله علي تلك الفاجعة ...
إن اخوة يوسف لم يحبكوا الكذبة ... فأن يعقوب أمسك بالقميص يقلبه ذات اليمين
وذات اليسار ... لعله يجد به قطعاً أو شقاً ...
فيا للعجب ...
إن القميص سليم ... غير ممزق ...
فكيف أكله الذئب وقميصه سليم لم يخدش ... شئ لا يصدقه العقل ...
واستنتج يعقوب أن الدم الذي علي قميص يوسف ليس بدم يوسف ...
( فإن الذئب برئ من دم ابن يعقوب )
وقال في نفسه ...
لقد كذبتم يا أولادى ... فلو كان قد أكله الذئب لخرق القميص ...
وقال : ما أشفق الذئب بيوسف ... أكله ولم يشق قميصه ...
وهكذا إستطاع القميص أن يكشف الحقيقة .
وهكذا الانبياء ... إنهم لا يرون المصيبة من أحد ...
وإنما يرونها شيئاً مسهم بإذن الله ... وإنما الخلق أسباب ليس إلا ...
فالانبياء لا يشكون لاحد من الخلق ...
يثقون أنه لا يستطيع إنسان كائن من كان أن يرفع عنهم البلاء إلا بإذن الله .
ثم ماذا ؟
إنهم يستعينون بالله وحده في حمل آلامهم ... وتجرع مرارتها ... ليقينهم أن الله وحده هو القادر
علي إمدادهم بتلك المعونة ...
هؤلاء هم الأنبياء ... فبينما هم أشد بلاءً ... تراهم أشد الناس علواً في تحمل البلاء ...
وارفعهم قدراً في الالتجاء إلي الله والاعتصام بقوته .
لماذا حلت تلك المصيبة بيعقوب ؟؟
إنها قهروت إلهى ... قهره قهراً إلي ربه ... فطوى له بساط القرب من ربه ...
أعطاه ولداً ... أجمل ولد ...
ولألأ فيه إشعاع النبوة ... فرأى فيه نورها فلما أيقن يعقوب أن الله قد آتاه وأعطاه
وفرح بنعمة الله عليه . واشتد فرحه بهذه النعمة ... وصارت له قرة عين ...
لا يطيق فراقها ... سلبها فجأة منه ... علي أيدى سائر أولاده لتأخذ المصيبة عليه عقله .
فلا يجد أمامه إلا أن يفر فراراً إلي ربه ...
ثم جعل الجناة هم أبناءه ... ليشعر نحوهم بالمرارة والحسرة ... فلا يجد في نفسه رغبة في
الشكوى إليهم ...
لأنهم هم الجناة ... ولا يجد فيهم عوضاً عما فقد ... بل يراهم سبباًَ دائما لنكده وهمه ...
وبذلك تم عزله تماماً عن نفسه التي كانت تحب يوسف ...
وعن أولاده
أن يوسف قد ذهب ... وأما سائر أولاده فقد تحولوا إلي أعداء ... أما بنيامين فمازال صغيراً .
لم يبق أمامه إلا الباب الاوحد .
أنه القهروت الإلهي ... يسلطه سبحانه وتعالي علي احبائه ليلجئهم إليه إلجاء ...
إنها عملية صعق السوى صعقاً ... ودك الأغيار دكاً ...
فلا يبقي إلا وجه الله أمام المبتلي
وبدأ قلب يعقوب يموج بأمواج الحزن والأسى ...
وكلما أحس ثقل المصيبة ... رفع يديه إلي الله تعالي ...
أعنيٌ يارب ... أعني علي تحمل هذا البلاء
وهكذا يصنع الله تعالي انبياءه ... يصطفيهم ... ثم يبتليهم ... ليجتبيهم لنفسه ...
والي اللقاء في الحلقة التاسعة ...
و
الننو دا 15-02-2011, 18:01 الحلقة التاسعة ( 9 )
يوسف الآن في الجب ... يحتويه ظلامه ... ويشتمله سكونه ...
محنة يمتحن بها هذا الفتي الكريم ... والله يمتحن المخلصين من عباده
بأنواع من المصائب ... ويختبرهم بضروب الالآم ... ليكونوا أقدر إحتمالاً
علي ما يلقي عليهم من مهمات الأمور وعظائمها ...
ولم تكن نعمة أنكي في الداء ... وأبلغ في الألم ... وابعث علي الجزع
من هذه المحنة التي ابتلي بها يوسف ... وربما كانت هي أخف وقعاً ...
وأهون شأناً ... لو أنها وقعت علي رجل خبر أساليب الحياة ...
إذاً لعرف كيف يحتال لنفسه ... أو يتدبر أمره ...
ولكن يوسف لا يزال صغيراً ... غريراً ...
وربما كانت أخف احتمالاً لو أنه كان قد أقترف خطيئة أو ارتكب إثماً ...
إذن كان حقيقاً بهذه المحنة ... جديراً بهذا العذاب
ولكنه كان مبرأ من العيب ... بعيداً عن التهمة ... قصياً عن مواطن الريب ...
وهو بعد في زكاة الطفولة ... وغرارة الفتوة ...
ولو أن رمية يوسف كانت من غير إخوته ... ومحنته جاءته من غير أهله ...
لاحتملها قلبه واتسعت لها جوانب صدره ولم يتشعب فيها همه وأسفه ...
ولكنه سهم إخوته ... ورمية بني ابيه ...
يوسف في الجب ...
ينظر أمامه فلا يجد إلا ماءً راكداً ...
يرى فيه خياله الكاسف ... وظله الحزين ...
ويتلفت فوقه فلا يلمح إلا ظلاماً متكاثفاً لا يميز فيه شيئاً ...
ما عسي كان وساوسه ...
وما خطرات نفسه ...
لعله تذكر أباه ... فأعادت إليه الذكرى إبتسامته التي كانت تطالعه في الصباح وحديثه الذي كان يتساقط
إلي أذنيه في المساء
بل لعله قد راعه الظلام ...
وأوحشه ضيق المكان ...
فحنٌ إلي طلعة الشمس ...
وتألق البدر ...
واشتباك النجم ...
وزرقة السماء ...
ورونق الضحا ...
وبهجة الربيع ...
وانسجام الظلال ...
ثم هو قد جاع ... أو سيجوع ...
فمن أين يسد حاجته ...؟
وأني له الطعام الذى يحفظ جسمه ؟
ويطيل في الحياة أنفاسه .
مواقف لا تحتملها ساحة قلبه
وهموم لا تتسع لها رقعة نفسه
لكن رحمة الله قد اقتربت منه ... فهو قد امتحنه بهذه البلوى ... وهو الذي سيربط قلبه ...
وسيجمع ما تفرق من نفسه ...
ها قد أوحي إليه :
أن تجمل بالصبر
واعتصم بالعزاء
فإني جاعل لك من ضيقك مخرجاً ...
ومن همك فرجاً ...
وإني مظهرك علي إخوتك ... ولكن بعد حين ...
عند ذلك ...
ذهبت همومه ...
ورجعت إليه نفسه ...
وطفق يرقب أمر الله ...
وها هو يسمع من بعيد صدى حركة مبهمة ... وأصوات مختلطة ... لقد أرهف سمعه ...
وود لو أن كل جارحة من جوارحه تحولت آذاناً وها هي ذي الاصوات ...
أخذت تقترب رويداً ... رويداً ...
وتتضح شيئاً ... فشيئاً ... فشيئا ً...
أصوات اسفرت عن وقع أقدام ...
وخفق نعال ... ونباح كلاب ...
هي قافلة ... وأمل يبتسم ... وزهر الرجاء بدأ يتفتح ... وساعة الخلاص آن أوانها ...
ألقت القافلة رحالها بجانب البئر ...
وهتف رئيس القافلة بصوت سمعه يوسف ...
ووقع علي قلبه وقوع الماء من ذى الغلة الصادى ألق دلوك يا هذا في الجب ...
وأخرج لنا الماء نسد به حاجتنا ... ونسقي دوابنا ... بعد أن اجهدنا السير ...
وأصابنا بعد الشقة ... وأخذ منا الكلال ...
فألقي الرجل دلوه ... ورأي يوسف الدلو فتعلق به ...
وما راع الرجل إلا غلام متعلق بالحبل ... وجهه كأنه فلقة قمر ...
فصاح بأعلي صوته ...
يا بشرى هذا غلام ...
فاجتمع القوم ... وأخذتهم الدهشة ...
ثم أجمعوا رايهم أنهم سوف يبيعونه ويربحون من وراء ذلك أموالاً
وكانت هذه القافلة من بلدة مدين ...
ثم باعوه لقافلة مرت بهم وكانت متجهة إلي مصر ... باعوه بعشرين درهما من الفضة ...
ثم أتوا بيوسف إلي مصر ...
وهناك عرضوه للبيع في سوق العبيد
وهو الحر الأبي ... إبن النبي الكريم
باعوه بدراهم معدودة ... وكانوا فيه من الزاهدين ....
والي اللقاء في الحلقة العاشرة
زهرة السوسن 16-02-2011, 10:50 يا الننو واصل
متابعين
سرد جميل
وفي قصص الانبياء الكثير من العظات والعبر
جعلنا الله واياكم ممن يستمعون القول فيتبعون احسنه
الننو دا 16-02-2011, 12:32 يا الننو واصل
متابعين
سرد جميل
وفي قصص الانبياء الكثير من العظات والعبر
جعلنا الله واياكم ممن يستمعون القول فيتبعون احسنه
تسلمي كتير علي المرور الطيب ..
وإنشاء الله وبإذن الله اواصل معكم قصة سيدنا يوسف
لانها من اروع القصص ....
فاصل ونواصل :trrr1:
الننو دا 16-02-2011, 14:40 الحلقة العاشرة ( 10 )
ولقد إشتري يوسف في مصر وزيرها الأكبر ( قطفير ) وكان ذلك في وجه التقريب
سنة 1600 قبل الميلاد ...
ومصر في تلك الفترة لم يكن يحكمها الفراعنة من الأسر المصرية ...
إنما كان يحكمها ( الرعاة ) الذين عاش إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب
قريباً منهم ... فعرفوا شيئا عن دين الله منهم .
نأخذ هذا من ذكر القرآن الكريم للملك بلقب ( الملك ) في حين يسمي الحاكم
الذي جاء علي عهد موسى عليه السلام من بعده بلقبه المعروف ( فرعون )
ومن هذا يتحدد زمن وجود يوسف عليه السلام في مصر فقد كان ما بين
عهد الأسرة الثالثة عشر والأسرة السابعة عشر وهي أسر ( الرعاة )
الذين سماهم المصريون ( الهكسوس ) كراهية لهم إذ يقال : أن معني الكلمة
في اللغة المصرية القديمة ( الخنازير ) أو ( رعاة الخنازير ) وهي فترة تستغرق
نحو قرن ....
وقال عزيز مصر لامرأته بعد أن اشترى يوسف ...
أكرمي مثواه عسي ان ينفعنا أو نتخذه ولداً ...
وأقام يوسف في بيت سيده ... والعناية الربانية تحفه ... والنجاح يحوطه ...
ونال حظوة لدى العزيز وزوجته ... وأقامه قيماً علي كل ما يملكه ...
وكانا عاقرين ... لا يولد لهما ... ففرحا به فرحاً شديداً ...
ويقال إن العزيز كان ليس له في النساء ... وأنه حين توفي كانت زليخا زوجته عذراء ...
ولذلك كان العزيز حريصاً علي تبني يوسف ... وأن يتخذه ولداً ... وكذلك كانت زليخا ...
وكذلك مكن الله ليوسف في الارض وجعل له مقاماً كريماً في منزل العزيز ...
ووجاهة في أهلها ... ومحبة له ...
وأنعم الله علي يوسف بتأويل الاحاديث ليكون عاقبة ذلك تعليمه تأويل الرؤيا التي يراها
الملك بعد ذلك وتفضى بيوسف إلي الرئاسة العظمى .
إن قطفير كان عنيناً ... وفي مثل هذه الحالة يكون الشوق إلي الطفل شديداً .
وهذا هو ما حدث عندما شاهد العزيز يوسف لأول مرة ...
فقد أحبه حباً شديداً ... وتعلق به قلبه ...
ومن ذا الذي لا يحب طفلاً ... علي صورة يوسف ...
فعوض الله يوسف حب أبيه ... بحب عزيز مصر ...
وهكذا قطعه من هناك ... ليصله هنا ... إنه هو البر الرحيم ...
ثم ماذا ... ؟
هذه إمرأة العزيز ... ما إن رأته ... حتي جُنٌت به حباً ...
وما لها لاتحب طفلاً لا يوجد علي وجه الارض مثل جماله ... ولا أرقي من صفاته ...
لقد أحبته بغريزة الأمومة المحرومة من الطفولة إلي الأبد ...
وأحبته بغريزة الأنثى التي تدرك باللاشعور امتياز الذكر الذى أمامها ...
واحبته لمجرد أنه طفل رائع الجمال ... حلو التقاطيع ... بارع القسمات ...
في نظراته قوة خارقة ... أعدها الله لتسود أهل مصر جميعاً .
فرأت فيه الطفل الذى كانت تتمني ...
وهكذا عوضه عن أمه التي فقدها ... أبدله الله أماً حنوناً ... وقلباً شغوفاً ...
قطعه هناك ... ووصله هنا ... إنه هو الودود الرحيم ...
ثم ماذا ... ؟
انظر إلي تعبير العزيز حيث يقول لزوجته ( أكرمى مثواه )
من الذى دفع العزيز أن يقول هذا الكلاااااام .... ؟! يااااااااااااااااااااااااااا الله .....
إنه الله ... هو الذى حرك قلب العزيز نحو يوسف ... وجعله يحس أن هذا الطفل
غير الاطفال جميعاً .
إنه شئ آخر ... شئ ممتاز ... يتمني كل إنسان أن يكون له ولداً ...
ونفس الشعور كان عند إمراته ...
تلقته بفرحة لا تعدلها فرحة ...
وهكذا مكن الله ليوسف في الارض .
حين جعله ذا تأثير خارق علي قلب قطفير عزيز مصر وعلي قلب زليخا زوجته ...
وكما هيمن يوسف علي عقليهما ... فقد هيمن علي ما تحت أيديهما من سلطان ...
تمكين باطن ... يؤدى إلي تمكين ظاهر ...
وكذلك مكنا ليوسف من قلبيهما ... فمكنا له بذلك الارض فانظر إلي عجائب صنعه تعالي !!!
ثم ماذا ... ؟
ما هي علاقة تأويله الاحاديث بهذا الذى حدث ليوسف ؟
قد يبدو ألا علاقة ...
ولكن هناك علاقة ... بعيدة ... عميقة ... وطيدة ...
إن التمهيد ليوسف في قصر العزيز ... وإشرافه علي شؤونه الخاصة قد أعطياه الفرصة
للتعرف علي شخصيات مصر ... ليشتهر أمره بينهم ويزدادوا له تعظيماً ...
وهذا ما سيكون له الآثار البعيدة بعد ذلك .
ذلك الناموس ...
( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ ) سورة يوسف الاية 21
ناقذ حكمه ... هي إرادته هي الغلابة القاهرة ... دائماً وأبداً لا يكون إلا ما يريد .
هذا هو الحق (ِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ َ) سورة يوسف الاية 21
وهذا هو الأمر المؤسف ...
يتوهم بعض الناس أن لهم شأناً ... ولا شأن لهم في الحقيقة
أو أن لهم إرادة فعالة ... لايمنعها شئ ...
والحقيقة العميقة جداً ... جداً ... جداً ...
إن الناس لهم إرادة ... منحهم الله إرادة حرة ... يفعلون ما يشاؤون ...
ولكن إرادة الله هي الغالبة ... علي كل إرادة إذا شاءت سمحت لها أن تمضي ... وإذا شاءت لم تسمح ...
( وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) سورة التكوير الاية 29
ولعل هذا هو سر قوله ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ) سورة يوسف الاية 21
لم يقل والله نافذ أمره ... وإنما ( غالب ) إشارة إلي أن هناك شيئاً قد غلب علي أمره ...
هناك الناس جميعاً لهم إرادة حرة ...
ولكن إذا تسلطت عليها إرادة الله غُلبت هناك ونفذت فيها كما تشاء .
وهذا الناموس ... يكشف الغطاء عن ذلك الأمر المشكل الذي حير كثيراً من الناس .
إنها نظرية السلطة العيا ... تبطل السلطة الدنيا ...
أنت أيها الانسان لك إرادة ....!!! نعم
ولكن هناك إرادة عظمي لها أن تلغي إرادتك في أي وقت ...
منحك هو إرادة حرة ... والذى منح له أن يسلب في أي وقت ما منح ...
( وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ) سورة الانسان الآية 30
يعتقد بعض الناس أنهم نجحوا في الحياة ... بأفكارهم الخاصة ولكنهم كذبوا ...
فهي إرادة الله ...
ويعتقد بعض الزعماء ... أنهم سبب نجاح دولهم ... ولكنهم كذبوا ...
فهي بتوفيق الله لهم ...
ويعتقد بعض رجال الاعمال ... أن ثروتهم من ثمار أفكارهم
كما قال قارون ( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ) سورة القصص الاية 78
ولكنهم كذبوا فهي بتدبير الله لهم .
وكل شئ في الدنيا بقدر الله ...
وليس علي الانسان ... إلا أن يسعي ..
ورب نجاح في الدنيا ... ولكنه فشل في الآخرة ...
ورب فشل في الدنيا ... ولكنه نجاح في الآخرة ...
والعبرة ... بالخاتمة ...
والعبرة بميزان الحسنات يوم القيامة .
* والشئ الرائع الذي يسترعى الانتباه أن عبارة ( تأويل الاحاديث )
تكررت في قصة يوسف ثلاث مرات ...
المرة الاولي :
علي لسان يعقوب
( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ) سورة يوسف الاية 6
المرة الثانية :
علي لسان الحق تبارك وتعالي :
( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ) سورة يوسف الاية 21
المرة الثالثة :
مناجاة يوسف لربه :
( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ) سورة يوسف الاية 101
* ...
قال إبن مسعود رضي الله عنه .
أفرس الناس ثلاثة ...
* العزيز في يوسف حيث قال لامراته :
( أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ) سورة يوسف الاية 21
* وابنة شعيب عليه السلام حيث قالت لأبيها في موسي عليه السلام
( يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ) سورة القصص الاية 26
* وأبوبكر في عمر رضي الله عنهما
حيث أستخلفه .....
وحينما بلغ يوسف أشده ... وأشتد جسمه وعظمت قوته ...
واكتمل عقله ... وبلغ رجولته ... وحسن تصريفه للامور .
آتاه الله الحكم والعلم ...
وأعطاه الله العلو بالحق ...
وأعطاه الله العلوم العظيمة ...
وأعطاه الله علوم النبوة ...
وأعطاه الله علوم الملك ...
وأعطاه الله علم سياسة الشعوب ...
وأعطاه الله حسن تصريف مقدرات البلاد ...
وكذلك يكافيء الله الذين احسنوا في حياتهم الدنيا
وكذلك يجازي الله المحسنين .
إن قلب المؤمن ( كالمولد الكهربي ) فإذا شُحن بالذكر ... والدعاء ... والصلاة ... والصوم ...
والقيام ... وقراءة القرآن ... وزيارة المرضى ... وصلة الرحم ... والاحسان للجار ... و .. و.. و.. الخ .
يستمر في العمل بدون انقطاع ... ويرسل الله علي ذلك المولد الكهربي الذي هو قلب المؤمن ...
إشعاعات نورانية ... ويتوقف إذا تهاون المؤمن في واجباته ... ولا يرجع للعمل ...
إلا إذا تم شحنه مرة ثانية ...
وهكذا ... كان يوسف ...
قلبه مشحوناً دائما ...
ولذلك ...
آتاه الله حكماً وعلماً ...
وهكذا يجازي الله دائما ... المحسنين ...
والي اللقاء في الحلقة الحادية عشر ...
الننو دا 18-02-2011, 14:25 الحلقة ( 11 )
يترعرع يوسف في قصر العزيز ... وينضج عوده ... ويكتمل شبابه ...
وترتسم النبوة علي محياه ... وتنطق عيناه بطهر الانبياء ... وبراءة الاتقياء ...
وعلي مسرح الاحداث ... نشاهد الصراع بين الحق والباطل ...
بين مسلك الايمان المتمثل في يوسف ...
وبين مسلك الشيطان الذى يستغل الجنس ويؤجج الشهوة ويحتال علي الفريسة ...
ولم تكن التجربة التي مر بها يوسف في مواجهة المراودة في هذا المشهد بل في
حياة يوسف فترة المراهقة كلها ... في جو هذا القصر حيث الشباب والفراغ ...
وهي مفسدة للمرء أى مفسدة ...
فهذه البيئة التي لاتسمح بهذا وذاك بيئة خاصة ...
هي بيئة الطبقة المترفة دائماً ... وتربي يوسف في سن الفتنة فهذه هي المحنة
الطويلة التي مر بها يوسف ... وصمد لها صمود الجبال الرواسي ونجا منها ...
ونجا من تأثيراتها ... ومغرياتها وميوعتها ... ووسائلها الخبيثة ...
فقمة المعاناة ... وذروة المجاهدة ... تتمثل في شاب يعيش فترة المراهقة مع
إمراة في ربيع العمر ... وتحت سقف واحد ... هي سيدته ... وآمرته ... ويجب عليه أن يطيع ...
الحفلات الماجنة التي كانت تقام في قصر العزيز .
الراقصات ...
الخمور ...
الزهور والورود ...
اللقاءات الجانبية ...
وحينما تنطفئ الانوار ... ولا يظل إلا النور الخافت ... أو لايبقي إلا أنوار الشموع ...
هكذا قصور العظماء ... إلا ما رحم ربي ... ممن تمسك بالعروة الوثقي
إنك تجد العزيز خانعاً أمام زوجته في قصره ليلاً ...
ولكنه نهاراً متسلط علي شعبه ...
إنك تجد العزيز تحت أقدام الراقصات والغواني ليلاً ...
ولكنه نهاراً لا يتكلم في خطبه إلا عن الشرف والعفة والامانة .
وهكذا كان قصر العزيز في تلك الأيام ... التي عاشها يوسف .
لقد حاولت زليخا إغراء يوسف بوسائل حواء ...
تارة بإثارته جنسياً ...
وتارة بإثارته بحلو الحديث ...
وتارة بإهدائه مالذ وطاب ...
وتارة بخضوعها في القول له ...
وتارة باستدعائه منتصف الليل ...
وهي في أوج زينتها ...
وتارة ... وتارة ... وتارة ... وتارة ...
وكانت في البداية تستحي أن تفاتحه صراحة في تلك الرغبة الجامحة ولكنها
كانت تلمح له ... عسي أن يبدأ هو ...
ولكن يوسف كان منشغلا بذكر ربه ...
ولذلك ... ربط الله علي قلبه ...
وحينما فشلت كافة أساليب زليخا مع يوسف ...
وكانت تعيش تحت نار الغريزة الجنسية ...
فزوج لا يقربها
وشاب وسيم مفتول العضلات يشع النور من وجهه أمامها كل وقت ...
وفي كل ساعة ...
تحول الجنس عند زليخا إلي ثورة جامحة ...
حطمت أمامها كل القيم والعادات والتقاليد .
وتحرك الوحش الهائج في عروق زليخا فأفقدها توازنها فراحت مع سبق
الاصرار والترصد تغلق أبواب القصر .
ومع تأجج الغريزة وتوابعها ...
سمع يوسف نداء الجسد الغليظ ...!!
( هيت لك )
تعال إليٌ يا حبيبي ...
أدن مني يا قرة عيني ...
اقترب إليٌ يا مناي ...
يا محبوبي ... إني قد جننت بك حباً ...
وكانت في أوج زينتها ...
وكانت في أزهي ملابسها الداخلية ...
وكانت معطرة بأثمن عطورها ...
أنوار غرفة نومها خافتة ...
والستائر الهائجة ألوانها ... مسدلة ...
وقد جهزت ... سرير نومها ...
لو كان حجراً ... لأهتزت جوانبه ...
ولكنها العصمة من الله ...
والثبات علي الحق ...
فما كادت إمراة العزيز تفصح عن نفسها بهذه الصرخة حتي
لبي يوسف نداءها بقوله :
( معاذ الله )
أعتصم بالله مما تدعينني إليه ... واستجير به منه ...
وهكذا استطاع الشيطان أن يحرك إمراة العزيز بعد أن أشتعل جسدها بالشهوة ...
فراحت تراوده علي الفاحشة ضاربة بعفتها وشرف زوجها عرض الحائط ...
وفقدت توازنها ... ونسيت كبرياءها ... وتخلت عن حياء المرأة ...
ونطقت بلسان الشيطان ...
وصعٌد الشيطان ... موقف زليخا ...
ووصل الامر إلي حد استخدام الايدي
وانقضت عليه تمزق قميصه من الخلف ...
علم يوسف أن مخرجه الوحيد من هذا الموقف العصيب هو التمسك بالله ...
* ...
فلم يكن التأبي أن يقول لها .... لا ...
بل كان التأبي باللجوء إلي الله
( معاذ الله )
إنها الاستغاثة السريعة حينها ... والاستعانة بالله هكذا في أحلك الأوقات وأشدها ...
وأصعب المواقف وأخطرها ... وهكذا نتعلم من الانبياء كيف نواجه أمثال هذه المواقف .
هكذا كانت إجابة يوسف لطلب الفاحشة
( معاذ الله )
موقف تعليمي فيه العظة والعبرة ...
أن يكون الله في خاطر المؤمن وقلبه ...
وعلي لسانه وفي عقله ...
يلجأ إليه ويستعيذ به ...
وبه وحده يستعين ...
وهل هناك ملجأ من الله إلا إليه ؟
والي اللقاء في الحلقة الثانية عشر ...
الننو دا 22-02-2011, 13:58 الحلقة ( 12 )
إن يوسف لا يقابل النعمة بالكفر والجحود ...
وهو لا يتجاوز حده ... ولا ينال حق غيره ...
فهو يعرف بأن عاقبة الظلم وخيمة ...
( إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) سورة يوسف الاية 23
وهكذا نتعلم من الانبياء كيف نواجه المواقف ...
واجه يعقوب نبأ الفجيعة باللجوء إلي الله ... والاستعانة به
( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) سورة يوسف الاية 18
وواجه يوسف فتنة الاغراء باللجوء إلي الله والاستعانة به
( معاذ الله )
ومن إستعاذ بالله إعاذه ... ومن دعاه مضطراً ... أجابه
( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ ) سورة النمل الاية 62
ونلمس ذلك في قوله تعالي :
( وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ) سورة يوسف الاية 25
إن الله قد أعاذه وأعانه علي الموقف .
فإذا كان الموقف يحكي تدني السلوك الشيطاني فإنه يحكي عن يوسف التزكي والسمو والترقي ...
وراح يوسف يعلو علي غريزته ... وكانت عزيمته أقوى من غريزته ... وكانت إرادته اقوي من شهوته ...
وإتجه إلي الله ... يطلب النصرة والقوة ... فكانت الاجابة أن تولي الحق صرف السوء والفحشاء .
( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) سورة يوس الاية 24
وهل هناك جزاء اكبر من أن يجعله الله من عباده المخلصين ... لقد عرف يوسف كيف يجني الثمرة ...
( إِنَّهُ مَنَّ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) سورة يوسف الاية 90
**
لما أرادت إمراة العزيز مراودة يوسف عليه السلام عن نفسه جعلت تذكر له محاسن نفسه وتشوقه إلي نفسها
فقالت :
يا يوسف ما احسن شعرك
قال هو :
هو أول ما ينتثر من جسدى ...
فقالت :
ما أحسن عينيك
قال :
هي اول ما تسيل علي وجهي في قبرى ...
فقالت :
ما أحسن وجهك
قال :
هو للتراب يأكله ...
*
وتتوارد الخواطر في نفس يوسف في تلك اللحظات الرهيبة ...
* كيف أخون سيدي الذي اشتراني وآواني وأحسن مثواى ...
* كيف أعصي ربي وقد أحسن بي إذ أخرجني من الجب ويسر لي بقضائه وقدره هذا المأوى ...؟
* أفلا أكون عبداً شكوراً
* أعوذ بك يارب وألجأ إليك لتجيرني ...
إن يوسف كان رابط الجأش ... مطمئناً إلي نصر الله له ... لأنه من المخلصين الأخيار ...
وتتوارد الخواطر في نفس يعقوب .
* أأظلم سيدي كما تظلمينه انتي يا زليخا ...؟
* أأخون أمانة ربي ... كما تخونين أنتي ...؟
* لا..... لا..... لا ....
* كيف أرفض النعمة التي وعدني بها ربي ؟
ويتذكر أباه يعقوب ...
وكأنه يقول له ...
إثبت يا يوسف علي الحق المبين ...
ويتذكر قول يعقوب له :
( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) سورة يوسف الاية 6
وتتوارد خواطر يوسف :
* أين كنت ..؟ وكيف أصبحت ؟ إلا برحمة أحكم الحاكمين ؟!!!
* الفلاح والظلم علي طرفي نقيض ...
لا ... لا .... مستحيل ...
ولكن زليخا ... المهدورة الكرامة ... المكلومة القلب ... الجريحة النفس ...
المهزومة داخلياً وخارجياً ... في موقف لا تحسد عليه ...
لقد إستحوذ عليها الشيطان فأنساها كل شئ كريم إلا أن تنال مأربها ...
وتقضي وطرها ... وتنهل صبوتها ...
فازدادت بموقفه ثورة وهياجاً ....
والي اللقاء في الحلقة الثالثة عشر ...
الننو دا 25-02-2011, 12:20 الحلقة الثالثة عشر ( 13 )
وأنقلبت من إمراة شأنها الوداعة ... واللين ... والتأبي ... إلي ( لبؤة ) شرسة
تنشب أظفارها ومخالبها بعنف ... وتغرس أنيابها بشراسة في صيدها المتمرد ...
فكانت في حالة عدم وزن ... واختفاء التوازن الحسي والمعنوى ...
فهجمت عليه إغتصاباً ...
إنه هجوم شرس عنيف مجروح ...
وكأنى بها قد همت به ...
بإلقاء جسدها عليه ...
بحشره في زاويا الغرفة .
إلي آخر ما يوحي به موقف الهم منها بكل ملابساته .
وأخيراً همت به بضربه ...
نتيجة إبائه وإهانته لها ...
وهي السيدة الآمرة المطاعة ...
وهم هو برد الاعتداء ...
ولكنه آثر الهرب ... فلحقت به ...
وقيل إنها كانت تبلغ من العمر في ذلك الوقت أربعين سنة وعمر يوسف
آنذاك خمسة وعشرون سنة .
وعندما وقعت تلك الكارثة ... كانت زليخة مكتملة الأنوثة ... ناضجة ... جريئة ...
... متمكنة ... متوقدة العاطفة ... مشبوبة ... متهافتة علي يوسف ...
ولقد كان نمو يوسف حتي فترة مراهقته وما بعدها من فتوة ... تمت وترعرعت
تحت سمعها وبصرها ... وهي ترقبه ... مع جو القصر وجو البيئة ...
وهي تتمني ولكنه لا يعيرها التفاتاً .
حتي قررت ان ( الهم ) هو النهاية الحتمية لتحقيق الامنية ... التي لم تجد معها
هذه الفترة الطويلة من الاغراء ...
لقد حفظ الله يوسف في ذلك الموقف .
وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم في حديثه ( سبعة يظلهم الله في ظله يو لا ظل إلا ظله )
* إمام عادل .
* وشاب نشأ في عبادة الله .
* ورجلان تحابا في الله ، اجتمعا عليه ، وتفرقا عليه .
* ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتي لا تعلم شماله ما تنفق يمينه .
* ورجل قلبه معلق بالمساجد.
* ورجل ذكر الله تعالي خالياً ففاضت عيناه .
* ورجل دعته إمراة ذات منصب وجمال فقال : إني اخاف الله رب العالمين .
وفي نهاية ذلك المشهد :
آثر يوسف الهرب لإنقاذ ذلك الموقف المتدهور ... معتصماً بجناب ربه ...
معتمداً عليه في تخليصه من هذا المأزق ...
فعدت خلفه لتمسك به ... وهي ما تزال في هياجها الحيواني ...
*
واستبقا الباب ...
كل منهما يريد أن يسبق الآخر ...
هو يريد أن يفتح الباب ...
وهي تلحقه لتمنعه من فتح الباب ...
فلم تستطع ... لقوة اندفاعه أن تحول دون ذلك ...
... هي تريد أن تجذبه لترجعه إلي غوايتها ... غواية الشيطان ...
... وهو يريد أن يفر إلي الله ...
... لقد جاءته بكل فتنتها ... فصدها بكل إمتناعه ...
... وجاءته بكل ظلماتها ... فصدها بكل أنواره ...
إنه مشهد مذهل ....
شد ... وجذب ... وهجوم ... ونفور ... وثورة ... وثورة ... وحمي ... ومقاومة ...
وفي النهاية ...
فرار للخروج من المأزق
إنفعال أنثوى ...
ونزوغ شيطاني فاجر
وتدبير محكم دنئ
وانفعال بشرى منحط ...
ثم نزوع نبوى سام مضاد
فانطلاق إلي باب القصر
فراراً إلي الله
ثم انطلاق خلفه لرده ...
وشده من قميصه من الخلف ...
فتمزق ...
ثم كانت المفاجأة ...
فوجئت زليخا بما لا تحمد عقباه ... من قبل أن تقضي من فريستا الوطر
وجدت نفسها فجأة
أمام زوجها ... قطفير ...
وعلي طبيعة كل الخبثاء ...
وأرباب حرفة لعبة الصالونات ...
وسراديب الفجور والرزيلة ...
واستغلال المسؤولين وبخاصة ازواج المنحرفات في كل عصر وزمان عند
غيبة التوحيد من القلوب ... وخراب الذمم والضمائر ... حبكت التهمة ...
ولفقت الجريمة ...
فابتدرت زوجها قائلة ... مرتدية فروة الحمل الوديع ...
ومسوح الرهبان ...
وأثواب العفة والوقار ...
( ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً )
والمثل القديم قدم البشر علي هذه الارض ( ضربني وبكي ... وسبقني واشتكي ... )
وحكمت علي يوسف :
إلا أن يسجن أو عذاب اليم ...
إنها تريد لفتاها البقاء ... إنها عاشقة ... إنها ولهانة ...
لماذا لم تقل ..
إلا أن يقتل ... ؟
لأنها تريد أن تحتفظ به ... فربما رجع عن قراره ومال ...
... مال إليها بعد أن يعذب ... أو يسجن ... او ... او ... او ....
والوسائل كثيرة ... ولكل عصر وسائله ...
لقد صدمت المفاجأة العزيز ... بعد أن رأي رعونة الموقف ... ولقد أحدثت الآثار المادية
والمعنوية لديه ردة فعل عنيفة .
... وبثبات المسؤول المحنك ... ومكانة المطعون في قومه ... إنها الفضيحة الكبرى قد حلت بالعزيز ...
يا لهول الفاجعة ...
وبعد أن تمالك أعصابه ...
وامسك زمام نفسه ...
والتقط انفاسه ...
نظر إلي زليخا ...
فوجدها
علي هيئة نكراء
ومنظر كريه شكلاً ... وهيئة ... ولباساً ... ولهثاً ...
وأما يوسف فلقد بدت عليه آثار المقاومة والفرار .
... ونطق يوسف فوراً ...
دارئاً التهمة عن نفسه ككل برئ صادق
وبكل قوة ... وعزة ... ووضوح ...
فلا خوف ... ولا وجل ... ولا أستخذاء ...
وبكل أدب ... وعفة ... بايجاز ... واقتضاب ... بكل ...
... ثقة ... واعتزاز ...
واعتصام بالحق سبحانه وتعالي ثلاث كلمات فقط ...
قالها ...
( قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ) ..... سورة يوسف الاية 26
إن المتهم البرئ ينفي عن نفسه طلب الفاحشة بل إن أدبه النبوى بأبي أن يفصح عن الفاحشة
.... باللفظ المكشوف ... فراح يعبر عن نداء الجسد ... بالمراودة ... ويأبي يوسف إلا أن يسمو
ويرقي حتي في تعبيره عن طلبها الفاحشة فجعلها مراودة ... وهي توحي بما يريد التعبير عنه
في حياء الاتقياء ... وأدب الانبياء عليهم أفضل الصلوات والتسليم ...
وإلي اللقاء في الحلقة الرابعة عشر .....
الننو دا 25-02-2011, 12:23 الحلقة الثالثة عشر ( 13 )
وأنقلبت من إمراة شأنها الوداعة ... واللين ... والتأبي ... إلي ( لبؤة ) شرسة
تنشب أظفارها ومخالبها بعنف ... وتغرس أنيابها بشراسة في صيدها المتمرد ...
فكانت في حالة عدم وزن ... واختفاء التوازن الحسي والمعنوى ...
فهجمت عليه إغتصاباً ...
إنه هجوم شرس عنيف مجروح ...
وكأنى بها قد همت به ...
بإلقاء جسدها عليه ...
بحشره في زاويا الغرفة .
إلي آخر ما يوحي به موقف الهم منها بكل ملابساته .
وأخيراً همت به بضربه ...
نتيجة إبائه وإهانته لها ...
وهي السيدة الآمرة المطاعة ...
وهم هو برد الاعتداء ...
ولكنه آثر الهرب ... فلحقت به ...
وقيل إنها كانت تبلغ من العمر في ذلك الوقت أربعين سنة وعمر يوسف
آنذاك خمسة وعشرون سنة .
وعندما وقعت تلك الكارثة ... كانت زليخة مكتملة الأنوثة ... ناضجة ... جريئة ...
... متمكنة ... متوقدة العاطفة ... مشبوبة ... متهافتة علي يوسف ...
ولقد كان نمو يوسف حتي فترة مراهقته وما بعدها من فتوة ... تمت وترعرعت
تحت سمعها وبصرها ... وهي ترقبه ... مع جو القصر وجو البيئة ...
وهي تتمني ولكنه لا يعيرها التفاتاً .
حتي قررت ان ( الهم ) هو النهاية الحتمية لتحقيق الامنية ... التي لم تجد معها
هذه الفترة الطويلة من الاغراء ...
لقد حفظ الله يوسف في ذلك الموقف .
وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم في حديثه ( سبعة يظلهم الله في ظله يو لا ظل إلا ظله )
* إمام عادل .
* وشاب نشأ في عبادة الله .
* ورجلان تحابا في الله ، اجتمعا عليه ، وتفرقا عليه .
* ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتي لا تعلم شماله ما تنفق يمينه .
* ورجل قلبه معلق بالمساجد.
* ورجل ذكر الله تعالي خالياً ففاضت عيناه .
* ورجل دعته إمراة ذات منصب وجمال فقال : إني اخاف الله رب العالمين .
وفي نهاية ذلك المشهد :
آثر يوسف الهرب لإنقاذ ذلك الموقف المتدهور ... معتصماً بجناب ربه ...
معتمداً عليه في تخليصه من هذا المأزق ...
فعدت خلفه لتمسك به ... وهي ما تزال في هياجها الحيواني ...
*
واستبقا الباب ...
كل منهما يريد أن يسبق الآخر ...
هو يريد أن يفتح الباب ...
وهي تلحقه لتمنعه من فتح الباب ...
فلم تستطع ... لقوة اندفاعه أن تحول دون ذلك ...
... هي تريد أن تجذبه لترجعه إلي غوايتها ... غواية الشيطان ...
... وهو يريد أن يفر إلي الله ...
... لقد جاءته بكل فتنتها ... فصدها بكل إمتناعه ...
... وجاءته بكل ظلماتها ... فصدها بكل أنواره ...
إنه مشهد مذهل ....
شد ... وجذب ... وهجوم ... ونفور ... وثورة ... وثورة ... وحمي ... ومقاومة ...
وفي النهاية ...
فرار للخروج من المأزق
إنفعال أنثوى ...
ونزوغ شيطاني فاجر
وتدبير محكم دنئ
وانفعال بشرى منحط ...
ثم نزوع نبوى سام مضاد
فانطلاق إلي باب القصر
فراراً إلي الله
ثم انطلاق خلفه لرده ...
وشده من قميصه من الخلف ...
فتمزق ...
ثم كانت المفاجأة ...
فوجئت زليخا بما لا تحمد عقباه ... من قبل أن تقضي من فريستا الوطر
وجدت نفسها فجأة
أمام زوجها ... قطفير ...
وعلي طبيعة كل الخبثاء ...
وأرباب حرفة لعبة الصالونات ...
وسراديب الفجور والرزيلة ...
واستغلال المسؤولين وبخاصة ازواج المنحرفات في كل عصر وزمان عند
غيبة التوحيد من القلوب ... وخراب الذمم والضمائر ... حبكت التهمة ...
ولفقت الجريمة ...
فابتدرت زوجها قائلة ... مرتدية فروة الحمل الوديع ...
ومسوح الرهبان ...
وأثواب العفة والوقار ...
( ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً )
والمثل القديم قدم البشر علي هذه الارض ( ضربني وبكي ... وسبقني واشتكي ... )
وحكمت علي يوسف :
إلا أن يسجن أو عذاب اليم ...
إنها تريد لفتاها البقاء ... إنها عاشقة ... إنها ولهانة ...
لماذا لم تقل ..
إلا أن يقتل ... ؟
لأنها تريد أن تحتفظ به ... فربما رجع عن قراره ومال ...
... مال إليها بعد أن يعذب ... أو يسجن ... او ... او ... او ....
والوسائل كثيرة ... ولكل عصر وسائله ...
لقد صدمت المفاجأة العزيز ... بعد أن رأي رعونة الموقف ... ولقد أحدثت الآثار المادية
والمعنوية لديه ردة فعل عنيفة .
... وبثبات المسؤول المحنك ... ومكانة المطعون في قومه ... إنها الفضيحة الكبرى قد حلت بالعزيز ...
يا لهول الفاجعة ...
وبعد أن تمالك أعصابه ...
وامسك زمام نفسه ...
والتقط انفاسه ...
نظر إلي زليخا ...
فوجدها
علي هيئة نكراء
ومنظر كريه شكلاً ... وهيئة ... ولباساً ... ولهثاً ...
وأما يوسف فلقد بدت عليه آثار المقاومة والفرار .
... ونطق يوسف فوراً ...
دارئاً التهمة عن نفسه ككل برئ صادق
وبكل قوة ... وعزة ... ووضوح ...
فلا خوف ... ولا وجل ... ولا أستخذاء ...
وبكل أدب ... وعفة ... بايجاز ... واقتضاب ... بكل ...
... ثقة ... واعتزاز ...
واعتصام بالحق سبحانه وتعالي ثلاث كلمات فقط ...
قالها ...
( قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ) ..... سورة يوسف الاية 26
إن المتهم البرئ ينفي عن نفسه طلب الفاحشة بل إن أدبه النبوى بأبي أن يفصح عن الفاحشة
.... باللفظ المكشوف ... فراح يعبر عن نداء الجسد ... بالمراودة ... ويأبي يوسف إلا أن يسمو
ويرقي حتي في تعبيره عن طلبها الفاحشة فجعلها مراودة ... وهي توحي بما يريد التعبير عنه
في حياء الاتقياء ... وأدب الانبياء عليهم أفضل الصلوات والتسليم ...
وإلي اللقاء في الحلقة الرابعة عشر .....
زهرة السوسن 25-02-2011, 15:53 الننو السلام عليكم
مثل هذه القصص الاختلاف فيها كثير
فها هو سيدنا يوسف عليه السلام يدخل السجن وهو برئ
وهناك حادثة الإفك للسيدة عائشة وقد نزل القران لتبرئتها
وهناك السيدة مريم
هل سبق وتساءلنا ما الحكمة من انجابها لسيدنا عيسى من دون أب
لأن ذاك زمان كثر فيه القذف واتهام البريئات
وهناك الكثيرات تدفن تحت التراب لمجرد الشك
في الاسلام والقران تحديدا اتت الايات توضح كيف لنا ان نتبين قبل ان نتهم
زي وضع سيدنا يوسف دا يثبت كيف انه برئ ؟
يعني لولا الحكيم الذي اتته فكرة من اين قد القميص لاثبتت التهمة على سيدنا يوسف
اذن على المظلوم اللجوء الى الله فهو حسبه
وعلى الاخرين عدم التسرع في الحكم
هذا موضوع طويل والنقاش فيه يطول
وكثيرا ما تدفع النساء الثمن للاسف
الننو دا 26-02-2011, 11:17 الننو السلام عليكم
مثل هذه القصص الاختلاف فيها كثير
فها هو سيدنا يوسف عليه السلام يدخل السجن وهو برئ
وهناك حادثة الإفك للسيدة عائشة وقد نزل القران لتبرئتها
وهناك السيدة مريم
هل سبق وتساءلنا ما الحكمة من انجابها لسيدنا عيسى من دون أب
لأن ذاك زمان كثر فيه القذف واتهام البريئات
وهناك الكثيرات تدفن تحت التراب لمجرد الشك
في الاسلام والقران تحديدا اتت الايات توضح كيف لنا ان نتبين قبل ان نتهم
زي وضع سيدنا يوسف دا يثبت كيف انه برئ ؟
يعني لولا الحكيم الذي اتته فكرة من اين قد القميص لاثبتت التهمة على سيدنا يوسف
اذن على المظلوم اللجوء الى الله فهو حسبه
وعلى الاخرين عدم التسرع في الحكم
هذا موضوع طويل والنقاش فيه يطول
وكثيرا ما تدفع النساء الثمن للاسف
الاخت الكريمة زهرة السوسن اشكرك علي هذه المداخلة الكريمة ....
الاختلاف في قصص الانبياء جاء بناء علي الاسرائيليات
وقد اندست الاسرائيليات في كتب التفسير عن طريق اهل الكتاب
وأغلبهم من اليهود . وبعضها دخل عن طريق بعض الذين أسلموا
وتوسعوا في حكاية القصص والاخبار بلا تمحيص ولا تدقيق من
امثال كعب الاحبار ووهب بن منبه وغيرهما .
وقد روى بعض علماء الصحابة عن أهل الكتاب بحسن نية .
ولكن الامر أتسع فدخل في الروايات المنقولة كثير من الكذب
والافتراء والتحريف ....
اما بالنسبة لقصة سيدنا يوسف عليه السلام فنجد ان سيدنا يوسف
منذ بداية القصة وإلي نهايتها إنشاء الله كان يلجأ لله في السراء والضراء
وهذا ما سوف تكشفه لنا الحلقات القادمة فكوني متابعة ....
وسنجد كثير من الاشياء التي كانت مخفية عننا ووضحها القرآن الكريم
..... نحن نقص عليك احسن القصص .....
اشكرك مرة اخرى ونواصل ما إنقطع ....
اما بالنسبة لكثير ما تدفع النساء الحساب للاسف .... ههههههههه
المسألة ليست دفع ولا حسابات وإنما واقع كان في الماضي البعيد
واثبته القرآن الكريم بتفسير الصحابة وعلماء الاسلام ...
وكلنا يعلم قصة زليخا مع يوسف وكيف كانت .....
اشكرك مرة اخرى ونواصل ما إنقطع ....
الننو دا 26-02-2011, 12:31 الحلقة الرابعة عشر ( 14 )
إن يوسف الآن يواجه موقف الاتهام ...
( قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا ) سورة يوسف الاية 25
وليس مع يوسف من يبرئه ... فلم يكن مع امرأة العزيز ويوسف أحد من البشر ...
وينسي البشر أن عين الله لا تنام :
( لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ) سورة البقرة الاية 255
ينسي الانسان أن العالم من حوله مملوء بالأسرار والغيبيات اليس معنا ملائكة ؟؟؟
( لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) سورة الرعد الاية 11
أليس معنا شياطين ؟
( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ) سورة الاعراف الاية 27
حتي الجماد والحيوان والنبات من حولنا لها منطق ولغات لا نفهمها
( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) سورة الاسراء الاية 44
إن زليخا كانت تعتقد أنه ليس عليها شهود ... وكل ما بالقصر شاهد عليها ...
وحينما يأذن الله سينطق كل شئ بالحقيقة ...
( وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )
سورة فصلت الاية 21
وصدق قول الشاعر :
إذا ما خلوت يوماً فلا تقل
خلوت ... ولكن قل ... علي رقيب
ويأبي القميص إلا ان يكون شاهداً
لقد صرخ القميص ونطق بالحقيقة
من كان الشاهد
إنها معجزة من الله سبحانه وتعالي ...
ولد صغير ... لا ينطق ... كان صبياً في المهد
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن رسول الله صلي الله عليه وسلم :
تكلم اربعة وهم صغار :
* إبن ماشطة بنت فرعون
* وشاهد يوسف
* وصاحب جوريج
* وعيسي بن مريم
هذا الطفل المعجزة أدلي بشهادته ثم عاد إلي طفولته لا ينطق ... كما كان من قبل ...
ماذا قال الشاهد ...؟
قال : ( قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ )
سورة يوسف الاية 26
لقد قدم الشاهد الدليل ...
وكان علي القاضى أن يميز ويحكم ...
... يحكم بكل صدق ... وطهارة ... وعفة ... ويقين ...
يقول المتهم :
( قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ) سورة يوسف الاية 26
كلمات قليلة فقط ودون أن يقدم أي دليل ...
ويكفيه الدليل الرباني والبرهان الآلهي ...
لم يمهله الشاهد ليكفيه مؤونة الدليل ...
دليل مادي دامغ لا يحتمل التأويل ولا المراوغة ولا الدفاعات الملتوية ...
والعزيز لم يشك لحظة في شهادة الشاهد ...
فهذا الشاهد معجزة من معجزات الانبياء
ولقد اقتنع العزيز بشهادة الشاهد
( إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) سورة يوسف الاية 26
( وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ ) سورة يوسف الاية 27
فلما رأى العزيز قميص يوسف قد من دبر ...
قال لزليخا علي الفور
( فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) سورة يوسف الاية 28
قطفير هذا المحنك السياسي البارع ... ذو الخبرة باساليب النساء الناضج
فكراً وخبرة ...
وإلا لما وصل إلي منصب العزيز ...
فيا أيها العزيز ... يا حاكم أكبر دولة في ذلك الوقت
يا مهيمن علي منطقة الشرق الاوسط
أصدر حكمك يا رجل
إن القضية ثابتة الأركان ...
والشهادة ... واضحة ... ناصعة ...
ولكن ...
هيهات ... هيهات ... أن يحكم بالمنطق والعدل
ولكنه حكم باسلوب الحاكم الجائر الظالم في كل مكان وزمان ...
لو كانت الجانية من عامة الشعب ...
لكان الحكم ... الموت لها ... دفاعاً عن الشرف ... والأخلاق ... ولكن
ما دامت الجانية من علية القوم
فلابد من الكتمان ... والتستر عليها ...
فماذا كان حكمه ...
يا يوسف ... أعرض عن هذا ...
ويا زليخا ... استغفرى لذنبك ...
هكذا كان حكم قطفير ...
وقيل في الامثال ..... ( سكت دهراً ... ونطق كفراً )
يا للكرامة ... يا للعزة ...
عرض مثلوم ... وشرف ملطخ في الوحل ... وكرامة مهدرة ...
ايسير العزيز سيرة العدل ...؟
أيتصرف بمنطق الحق ...؟
أمن المقعول أن يرد اعتبار يوسف ؟ ويخذل زوجته ...
ايسلك العزيز سبيل العادلين ...؟
كلا ... وألف كلا ...
لقد أخذته العزة بالاثم
يالخراب الذمم !!!
ويا لوقاحة الضمائر الميتة ...
يا أيها العزيز
قد نتجاوز عن موقفك بالنسبة لزوجتك
فهذا شيمة العلية الظالمين ...
وقد تكون يا أيها العزيز من دعاة التستر علي الفضيحة ...
حتي لا تلوكها الالسن
وقد تكون يا أيها العزيز من دعاة الركوع وطأطأة الرأس ...
حتي تمر العاصفة ...
ولكن ...
أيمكن أن يكون هناك تجاوز عن إهدار الحق ... وذبح الفضيلة إزاء البرئ
كل ذلك لأن يوسف مخدومك .
يا أيها العزيز
إذا كنت تريد إحتواء الفضيحة ... بكل مخازيها وأوزارها وتقطع أنفاس الحقيقة ...
وتكتم صوت الحق ... فهذا مستحيل فإن كنت تعيش عيشة القصور ...
أسوارها العالية ... وردهاتها الفسيحة ودهاليزها الواسعة ...
ومساربها المظلمة ... وأنوارها الحمراء وحراسها الاشداء ...
فقد تحجب هذه المتاريس ... وتحول دون نتن رائحة الجيف المنتشرة في ردهاتها ...
وخلف ستائرها عن الخارج ... لكنها غالبا ما تتسرب مع الخدم والحشم ...
وشركاء الجرائم ... والمتسلقين ... والمنتفعين ... والمتحفزين ... لاقتناص المناصب ...
وخصوصاً بعد ما تتبدل الأحوال - وهي دائماً تتبدل - وتلك سنة الله في خلقه ...
إن كل ما فعلته يا أيها العزيز لطمس معالم الحقيقة لم ولن يلبث طويلاً ...
إذ تتسرب نتن الواقعة ... ثم تنتشر هنا وهناك ... فلا تظن أنك قد أسدلت الستار ...
فسوف ترتفع عما قليل علي مشهد مثير لحق مستنير ... يتلي فيه قرآن مجيد ...
عبر الدهور إلي قيام الساعة .
لتكون قصتك وقصة زليخا زوجتك عبرة وذكرى لمن علي شاكلتك وهديا ونوراً
لمن علي شاكلة يوسف عليه السلام ...
ولمن يتبع هدي الانبياء والمرسلين ..
( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) سورة يوسف الاية 111
ولقد إختلفوا في أسباب تهاون العزيز مع امرأته إلي حد أنه
أكتفي منها بالاعتذار إلي يوسف...
فمن قائل ... كان رجلاً حليماً ...
ومن قائل ... عذرها لأنها رأت مالا صبر لها عنه .
ومن قائل ... إنه كان قليل الغيرة .
ومن قائل ... هي لطف من الله سبحانه وتعالي بيوسف عليه السلام .
ومن قائل ... إن لاختلاف أحوال العمران في الخصب والجدب وأقاليمه في
الحرارة والبرودة وتوابعها ... أثراً في أخلاق البشر وأبدانهم .
والعزيز ... رجل ككل الرجال ... ليس بقليل الغيرة ... ولا بشديد البرودة ...
وإنما هو يعلم تمام العلم أن يوسف لن يرتكب الفحشاء مهما كانت المغريات ...
لأنه خالطه ... طيلة طفولته ... وصباه ... وشبابه ... فتأكد أنه عفيف متعفف ...
ذو إرادة خارقة ... في السيطرة علي نفسه وكبح جماحها ...
وهذا هو أقوى الادلة في موقف الرجل
إنه موقن بأن يوسف لن يفعل سوءاً بزوجته أبداً ...
هذا من ناحية ... ومن ناحية أخرى
أن العزيز خاف الفضيحة والتشهير السياسي ... فهو يشغل أكبر منصب
سياسي بعد الملك ... وهو صاحب السلطات الواسعة ...
فلو أن الامر ذاع ... أن امرأة العزيز علي علاقة بمملوكها ...
لكان ذلك ضربة قاضية لمستقبله السياسي
ولتلقفه خصومه السياسيون وشهروا به تشهيراً ...
... ولذلك رأي الرجل الداهية ... أن يعالج الامر علاجاً عميقاً ...
فطلب من يوسف أن يعرض عن الموضوع ويعتبره منتهياً ...
ويكتمه ولا يتحدث به لأحد .
وذلك بعد أن برأ يوسف واتهمها هي ...
وطلب إليها أن تعتذر إلي يوسف لأنها ارتكبت جريمة كبرى ...
وبذلك يفوت علي خصومه السياسيين أن ينالوه من هذا الطريق ويقولوا ...
* إكتشاف فضيحة
* إمرأة العزيز تراود فتاها .
* المملوك الساحر علي علاقة بسيدته .
* زوجة العزيز تقع في غرام يوسف ... فاتن النساء
إلي غير ذلك من أراجيف التشهير السياسي الذي يكون في مثل هذه الحالات .
أضف إلي ذلك أن الرجل قد أذل زوجته بهذا ...
فهو قد سجل عليها الجريمة ... واحتفظ بهذا السلاح لديه ليشهره في وجهها
في اي وقت ...
فضلاً عن أن الرجل كان مترفاً ...
ولم يكن علي دين يقبح لديه الفحشاء
وإنما كان ... إبن ذوات ...!!!
قد ألف مثل هذه الألاعيب الغرامية في مجتمعه ولا يراها كبيرة ...
ولذلك عالج الموضوع بما يتناسب مع تفكير هؤلاء الناس .
ولكن هل كل ذلك ادي إلي كتمان الفضيحة ... وإسدال ستار النسيان علي الموضوع ...
كلا ...
فلقد تسرب الخبر ... في المدينة ...
والعجيب في الأمر لم يفصل بين زليخا ويوسف ... ولم يبعد يوسف عن زليخا ... وكأن شيئا لم يكن ...
وهكذا مضت الامور في طريقها ...
والي اللقاء في الحلقة الخامسة عشر
الننو دا 27-02-2011, 16:42 الحلقة الخامسة عشر ( 15 ) (
حول موضوع همت به وهم بها )
إن اليهود والنصارى لا يستحون أن يذكروا في كتبهم ...
التي يزعمون أنها مقدسة ... بأن بعض أنبيائهم قد شربوا الخمر ...
أو أنهم ضاجعوا بناتهم ... أو أساليب أخرى يستحي منها أي إنسان
عنده أدني مروءة ...
... ولقد أخذ بعض المفسرين من الاسرائيليات بحسن نية بعض هذه المغالطات
ووضعوها في تفسيرهم لسورة يوسف ...
فبعضهم قال : هم بها ... أي تمناها زوجة ...
وبعضهم قال : هم بها ... لولا أن رأى صورة أبيه يعقوب عاضاً علي إصبعه بفمه ...
وبعضهم قال : لولا أن رأى صورة أبيه يعقوب يضربه علي صدره ...
وبعضهم قال : إنه هم بها لولا أن رأى كتاباً في حائط البيت مدون عليه
( وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ) سورة الاسراء الاية 32
وبعضهم قال : ولقد هم بها لولا أنه رآي آية من كتاب الله في الجدار تنهاه عن ذلك .
ويقول محمد علي الصابوني في صفوة التفاسير ما يلي :
( شطحات بعض المفسرين في تفسير الهم )
لقد شط القلم ... وزلقت القدم ... ببعض المفسرين حين زعموا أن يوسف عليه السلام
قد هم بمقارفة الفاحشة ... وشحنت بعض كتب التفسير بكثير من الروايات الاسرائيلية
الواهية ... بل المنكرة الباطلة ... في تفسير الهم والبرهان ...
حتي زعم بعضهم أن يوسف حل رباط السروال ... وجلس منها مجلس الرجل من إمرأته ...
ثم رأى صورة ابيه ( يعقوب ) عاضاً علي اصبعه ... فقام عنها وتركها خجلاً من أبيه ...
إلي غير ذلك من اقوال واهية ... لا زمام لها ولا خطام ... ولست أدري كيف دخلت تلك
الروايات المنكرة إلي بعض كتب التفسير ... وتقبلها بعضهم بقبول حسن ... وكلها كما
يقول العلامة ابو السعود _ خرافات واباطيل تمجها الآذان وتردها العقول والاذهان
ثم كيف غاب عن أولئك المفسرين أن يوسف الصديق
نبي كريم ... ابن نبي كريم ... وأن العصمة من صفات الانبياء ..
يا قوم ...
اعقلوا ... وفكروا ...
ونزهوا هذه الكتب من أمثال تلك الافتراءات والاباطيل ...
فإن الزنا جريمة من ابشع الجرائم ... فكيف يرتكبها نبي من الانبياء المكرمين .؟
وهاكم الادلة أسوقها من كتاب الله فقط علي عصمة يوسف
الاول : أمتناعه الشديد ووقوفه أمامها بكل صلابة وعزم .
( قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ) سورة يوسف الاية 23
الثاني : فراره منها بعد أن غلقت الابواب وشدد عليه الحصار
( وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ ) سورة يوسف الاية 25
الثالث : إيثاره السجن علي الفاحشة
( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) سورة يوسف الاية 33
الرابع : ثناء الله تعالي عليه في مواطن عديدة
( إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) سورة يوسف الاية 24
الخامس : شهادة الطفل الذي انطقه الله وهو في المهد بالحجة الدامغة .
( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا ) سورة يوسف الاية 26
السادس : اعتراف زليخا ببراءته وعفته
( وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ) سورة يوسف الاية 32
السابع : استغاثته بربه لينجيه من كيد النساء
( فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) سورة يوسف الاية 34
الثامن : ظهور الادلة الواضحة والبراهين الساطعة ... علي براءته وإدخاله السجن لدفع مقالة الناس
( ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ) سورة يوسف الاية 35
التاسع : عدم قبوله الخروج من السجن حتي تبرأ ساحته من التهمة
( قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ) الاية 50
العاشر : الاعتراف الصريح من امرأة العزيز والنسوة ببراءته
( قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) الاية 51
وكفي بذلك برهانا علي عفته ونزاهته
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
والي اللقاء في الحلقة السادسة عشر
الننو دا 01-03-2011, 11:11 الحلقة السادسة عشر ( 16 )
قد يقول قائل ...
اليس يوسف بانسان ...؟
أليس له غريزة جنسية ...؟
ألم تثار غريزته ... حينما أثارته زليخا وقالت له
هيت لك ...؟
فنرد علي ذلك القول :
أن الانبياء
والرسل
والعلماء
والمجاهدين
وأصحاب الدعوات
يعيشون في تلك الفانية ...
وأمامهم ... هدف ...
وهو الدعوة إلي الله ... وتمني الشهادة في سبيلها ...
لا يهمهم في تلك الدنيا إلا رضاء الله عليهم ...
لا يتأثرون ... بالمصائب ...
ولا يشكون إلا لله ...
متوكلين عليه ... لا يريدون المثوبة ... إلا منه ...
أصحاب الدعوات ...
ينامون ... ويستيقظون ...
ولا هم لهم إلا العمل علي نشر دعوة الله
ونيل الشهادة في سبيلها ...
وقصص الصحابة والتابعين في ذلك كثيرة جداً ...
موضحة في كتب التاريخ الاسلامى ...
ورب قائل يقول :
هؤلاء الصحابة ... رباهم رسول الله صلي الله عليه وسلم .
ولكن عصر يوسف كان عصراً جاهلياً ...
صحيح أن عصر يوسف كان عصراً جاهلياً ...
ولكن يوسف لم يكن جاهلياً ...
بل كان ربانياً حنيفاً مسلماً ...
وما إختلاف عصر يوسف الجاهلي ...
عن عصرنا الحاضر ...؟
وهو أشد جاهلية عن عصر يوسف ...
هناك قصص كثيرة جداً في ذلك العصر
كيف حفظ الله عباده المخلصين ...
أيحفظ الله عباده في القرن العشرين
ويترك يوسف ...
لا ... والف لا ...
إنه من عباد الله المخلصين ....
والي اللقاء في الحلقة السابعة عشر
الننو دا 01-03-2011, 15:07 الحلقة السابعة عشر ( 17 )
مهما كان التستر علي الفضائح ... فلا بد للفضائح أن تنتشر ...
فكما يقول المثل الشعبي .... ( الحوائط لها آذان )
فقصر العزيز مملوء بالخدم والحشم ... ولا بد للرائحة النتنة من
انتشارها ...
فلقد إنتشر الخبر في العاصمة ... بين نساء الطبقة الراقية ...
من أن امرأة العزيز راودت فتاها عن نفسه ... إلا أنه أبي ... واستعصم ...
... وأخذت الالسنة تلوك في عرضها ...
امرأة العزيز تطلب من خادمها أن يواقعها ...
وتتوسل إليه لقضاء شهوتها ...
لقد بلغ حبه شغاف قلبها ...
إن المجتمع الاروستقراطي ... والاسر المرفهة من علية القوم ...
لا شاغل لهم إلا ما يدور حول الجسد ...
ومتعة الطعام ...
والشراب ...
والخمر ...
والرقص ...
والغناء ...
والليالي الحمراء ...
ومجالسهم يكثر فيها القيل والقال ...
وغير ذلك مما يملاء فراغ حياتهم الخاوية ...
أما عامة الشعب ... فهم الذين يتحملون مسؤولية الانتاج
والخدمات يزرعون الوقت كدحاً ... ويملؤونه عرقاً وجهداً ...
لقد إستنكر المجتمع علي زليخا أن تنزل من مكانتها ... وكبريائها ...
والواقع أن محل الاستنكار عند هؤلاء النسوة لم يكن مبنياً علي المبدأ ...
وهن يسلمن به ... وإنما الاعتراض علي كونه فتاها ... آي خادمها ...
وفي ذلك نزول عن كبرياء العظمة والسلطان وتقاليد السيادة .
لقد تغافلت يا أيها العزيز ... واعتقدت أن فضيحة زوجتك زليخا قد
اسدل عليها الستار ...
إلا أن الخبر قد انتشر بين نساء الصالونات ...
فمن قائل :
هذه إمراة مستهترة ...
هذه إمرأة فاجرة ...
إلا أن بعضهن كن عطوفات علي زليخا ...
إنها مظلومة ... ماذا تعمل ...؟
إنه الحب ....
ماذا تصنع زليخا وقد جنت بحب يوسف ...؟
هذا جزء من كل ... وليس كل ما قيل ... وإنما هو أهم ما قيل ...
وحينما تقع الواقعة ... خاصة في المسائل الجنسية ...
تكثر أقاويل الناس ... ويطلقون ألسنتهم فيها إطلاقا .
وتلك عادة الناس جميعا ...
والانسان اسرع ما يكون إلي التصديق في الامور الجنسية ...
يكاد يصدق كل ما يسمعه ...
بل يضفي إليه من خياله ما يشاء ...
عندما ينقله لغيره ... وهكذا
الي اللقاء في الحلقة الثامنة عشر
الننو دا 07-03-2011, 08:57 الحلقة الثامنة عشر ( 18 )
من أين جاء يوسف بجماله الآخاذ ... ؟
لقد كانت سارة زوج إبراهيم أجمل نساء زمانها ...
فانتقل جمال سارة الباهر إلي حفيدها يوسف ... هذا من جهة ...
ومن جهة أخرى كانت راحيل زوجة يعقوب الثانية أجمل نساء أهلها
كانت مثالاً فذاً في الجمال ... وراحيل هذه أم يوسف ...
فورث يوسف عن أمه جمالها ... كما ورث عن جدته سارة جمالها ...
فاجتمع إلي يوسف جمال إلي جمال ... وورث يوسف تلك الصفات الممتازة
فولد يوسف طفلاً جميلاً ... ولكن الله جعل فيه المكنونات ... عجباً .
مكنون في قلبه ...
أنوار أبراهيم خليل الله ...
أنوار اسحاق نبي الله ...
وأنوار يعقوب نبي الله ...
وماجت تلك الانوار بإذن ربها موجا حتي استقرت في قلب يوسف
فيوسف بلغ الغاية من كرم الاصول ...
كريم في الباطن ... أمواج النور مكنونة في قلبه ...
كريم في الظاهر ... صفات الجمال ظاهرة في صورته ...
فجاءت شخصيته آية من آيات الله تعالي في خلقه ....
والي اللقاء في الحلقة التاسعة عشر
الننو دا 07-03-2011, 14:01 الحلقة التاسعة عشر ( 19 )
إن زليخا المرأة المتمرسة ... الخبيرة بأحوال نسوة مجتمعها ...
أرادت أن تدفع عن نفسها مكر نسوة المدينة وتدرأ عن مكانتها كيدهن ...
ولكن كيف ... ؟
... وداوها بالتي كانت هي الداء !!! ...
إنها تعرف كيف تقابل المكر بالمكر ... والكيد بالكيد ... من نفس الكأس ... سقتهن ...
وترفع الستار ... علي مشهد مثير ... أخاذ ... يظهر رويدا ... رويدا بأضواء متغيرة ...
علي المسرح ... في بيت زليخا ... امراة العزيز ... الأضواء خافتة ... والظلال منتشرة
علي جمع حاشد من نسوة الطبقة الراقية ... فالسهرات ... واللقاءات ... كثيرة ...
بمناسبة وبغير مناسبة ...
وما أكثر المناسبات في كافة العصور ... وتتغير أسماء المناسبات فقط ...
عيد الام ... وعيد الاسرة ... وعيد الطفولة ... وعيد الوفاء ... وعيد الحب ...
وعيد الشجرة ... وعيد النصر ... وعيد الهزيمة ... وعيد الزعيم ... وعيد السيدة ...
وعيد القديسة ... وعيد الاتحاد ... وعيد الانفصال ...
والمصونة زليخا لا يهمها إلا إلتقاء النسوة ... أما المناسبة فيمكن ان تخترع
أي سبب لها ...
المهم عندها أن تجمع النسوة في قصرها ... قصر العزيز ...
ومن هؤلاء النسوة ...
لقد كانوا أربعين إمراة ... من ذوات الحسب والنسب وعلي راسهن
* إمراة صاحب السجن
* امرأة الحاجب
* امرأة ساقي الملك
* امرأة الخباز
* امرأة صاحب الدواب
والخمسة هم زوجات رؤساء الإدارات الهامة في عهد العزيز وبقية النساء من علية القوم
لقد هيأت زليخا صالونها بما فيه من
المقاعد الوثيرة ...
والبخور ...
والرياحين والزهور ...
والجو النفسي الهادي المناسب ...
وبسطت ... كل شهي من الطعام والشراب ...
وهذه طبيعة المجتمعات الراقية .
وبطبيعة لقاءات هذه المجتمعات ...
سهر حتي الصباح ... في الحفلات الماجنة ...
ونوم حتي الغروب ...
وكأنهن خلقن فقط لذلك ...
وحضرت المدعوات ...
وفي أمثال هذه الحفلات ...
تكون النساء شبه عاريات ...
ملابس خليعة ...
ومناظر ... مقززة ...
من الذي يقوم بالخدمة ... رجال ...
من الذي يقوم بتقديم الطعام ... رجال ...
من الذي يقوم بتقديم الشراب ... رجال ...
هل يستحي هؤلاء النسوة ؟ وهم في هذا الوضع من الرجال
... لا ...
إنهن لا يستحين من الله ... فكيف يستحين من البشر .
وعلي راس هذه الحفلة الساهرة ...
كان إبليس واعوانه ...
ويا لسعادة ابليس واعوانه بمثل هذه الحفلات
فلما حضرت المدعوات ... وجلسن ... وأخذن أماكنهن ... وانخطرن
في الحديث ...
وما حديثهن إلا اللغو ... والغيبة ... والنميمة ...
وانخرطن في السمر ... والاكل ... والشرب ...
وكانت زليخا قد أمرت الخدم الذين اعدوا الموائد بوضع سكاكين امام
كل مدعوة ...
فبعض الطعام لا يقطع إلا بسكين خاصة الفاكهة ...
والي اللقاء في الحلقة العشرون ....
الننو دا 08-03-2011, 10:24 الحلقة العشرون ( 20 )
(ويؤخذ من هذا أن الحضارة المادية في مصر كانت قد بلغت شأواً بعيداً ...
وأن الترف في القصور كان عظيماً ... فإن إستعمال السكين في الاكل
قبل هذه الآلاف من السنين له قيمته في تصوير الترف والحضارة المادية )
وكأني زليخا كانت تدرك تماماً ماذا سيحدث من ردود الفعل لتدبيرها
وهذه هي حاسة المرأة ... إن كيدهن عظيم ...
وبكل حذق ... ومهارة ... وخبث ... ودهاء ...
... طلبت زليخا من يوسف الدخول ... إلي صالون الحفلة ... ليقدم خدمة ...
أصطنعتها زليخا ...
وكان توقيتاً محبوكاً لإتمام فصول تلك المسرحية للإيقاع بهؤلاء النسوة ...
رفعاً للملامة عنها ... وإخراساً لألسنتهن .
وكتماً لجماح ثرثرتهن ... فتم لها ما أرادت ... بل وفوق ما تمنت ...
( فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ) سورة يوسف الاية 31
لقد قطع يوسف عليهن نشوتهن المادية ... فأستولي علي احاسيسهن ومشاعرهن ...
إذ كان يوسف فوق ما يتصورن ...
من رجولة ...
وفتوة ...
وبهاء ...
وجمال ...
وجاذبية ...
ما رأين من جمال بشر مثله قبل ذلك ...
لقد ملك عليهن كل جوانب الزمان والمكان ...
وشل تفكيرهن ...
واستلب عقولهن ...
حتي قطعن أيديهن ...
إنها لحظات ذهول ...
وزيغ عيون ...
وحالة فقدان التوازن ...
فلا استغاثة ولا صراخ ...
ولكن النطق بكلمة لا مراء فيها ...
يا للروعة والجلال ...!!!
ما هذا الجمال الآسر الذي منحه رب العزة والجلال ... ليوسف عليه السلام ....
والي اللقاء في الحلقة الواحد والعشرون
الننو دا 09-03-2011, 10:40 الحلقة الواحد والعشرون ( 21 )
( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) سورة الحديد الاية 21
لقد بدأت النسوة يتهامسن مع بعضهن .
لا .... لا ....
هذا ملاك ...
هذا منزه ...
لا يتطرق إليه الشك .
إنه نوع خاص من الشباب له صفات الملائكة .
... لقد كان يوسف طيف نور وضاء ...
سرى مسه القوى السريع الخاطف مسرى النور في الظلم
... سرى هذا النور في ذواتهن وأعماقهن فامتلكهن ... ففقدن من ثم
كل احساس بمادية الحياة .
... فإنهن بأيديهن قطعن أيديهن دونما شعور أو إحساس
... إنه لمشهد مؤثر متلاحق ...
تراقبه زليخا عن كثب ...
وتسجله زليخا خلجة ... خلجة ...
متحفزة ... متوترة ... منتشية ... منتصرة ...
وفي عتاب شامت ... تعاتب زليخا ... النسوة ...
{ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ) سورة يوسف الاية 32
أنتن فعلتن بأنفسكن ما فعلتن أثر نظرة واحدة ...
فما بالكن ...
وهو معي وتحت يدى ويظلنا سقف واحد ...
ألست معذورة ...؟
ثم صرخت بعد ذلك من غير خجل ... ولا مواربة ... ولا إلتواء ...
... الان اعترف لكم ...
( وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ) سورة يوسف الاية 32
وهذا إعتراف صريح من زليخا ببراءة يوسف وطهارته ...
... يا لجلال الحق وروعته ... ونصرة المظلوم ...
يا لنعمة الاعتصام بحبل الله .
( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ ) سورة النمل الاية 62
لقد أنطق الله زليخا بالحق ...
... لتقر ... وتعترف ... والاعتراف سيد الادلة ...
وتؤيد شهادة الشاهد الرباني ساعة اتهامه ...
والحكم عليه زوراً ... وبهتاناً ...
هل تتوب زليخا بعد ذلك ...؟
وهل تخجل ... ؟
وهل تستحي ...؟
أم هل ينطبق عليها قول المثل
( إن لم تستحي فافعل ما شئت )
وبتحد ...
وغرور ...
وصفاقة ...
تنظر إلي يوسف ... الذى أذلها ... بكبريائه ... وتقول :
( وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ ) سورة يوسف الاية 32
إشارة صريحة ... أنه إذا لم يفعل ما تأمره ... سوف تسجنه ...
يوسف قمة شامخة ...
وزليخا أمام النسوة ... ذليلة ... وضيعة ...
إنها مازالت طامعة فيه ... ولم تيأس ... ولم تستسلم ...
وعلي الملأ ... وأمام النسوة ...
من الذي يحكم ... النساء ... ام الرجال ... ؟
وما هو حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ...
كل منهن كانت تريد أن تستحوذ علي يوسف .
مأخوذات بسحره ...
وفتنته ...
وبهائه ...
ورجولته ...
عله يجد في إحداهن مالم يجده عند إمرأة العزيز ...
أو لعل طول عشرته مع امرأة العزيز أزهده فيها
غير عابثات بمشاعر مضيفتهن
ولا عاملات لها حسابا ...
ولا خجلات من تصريح أو تلميح .
وهكذا كان حال الأسر الراقية في عهد زليخا زوجة العزيز
خلاعة ومجون ...
فما المانع والآزواج غائبون ...
حتي لو كان الأزواج متواجدون ...
لهن في إمرأة العزيز أسوة ...
فمم يخفن ...؟
وعلام يخشين ...؟
إذا كان رب البيت بالدف ضارباً ...
فشيمة أهل البيت كلهم الرقص .
وفي نهاية السهرة ...
بعدما يئست زليخا من يوسف ...
تصدر أوامرها ...
لأصدرن أمري بسجنه إلي الابد
حيث الإذلال ... والمهانة ... والعذاب ...
وهذه طبيعة النساء ... في كل زمان ومكان ... إلا من رحم الله .
والي اللقاء في الحلقة الثانية والعشرون
الننو دا 10-03-2011, 08:08 الحلقة الثانية والعشرون ( 22 )
لما رأي النسوة ما رأين من جمال يوسف وروعته ...
ثم رأين من حرقة امرأة العزيز ... وصبوتها ... وجاهها ... وعزها ... وسلطانها ...
ثم سمعن من تهديدها ووعيدها ... فتألبن معها عليه ... وتقربن إليه ...
قالت إحداهن :
أيها الفتي الكريم ... ما هذا التأبى والتمنع ؟ ولم هذا الإنصراف ؟
أليس لك قلب يلين لهذه التي اسلمت لك نفسها ؟
ودفعت إليك بقلبها ؟
أليس لك عين تنظر إلي حسنها ... وجمالها ... ؟
ألست شاباً مكتمل الشباب ... عض الاهاب ... لك في المرأة نصيب ...
من المتعة بها مقدار ...؟
وقالت الاخرى :
ودعك من جمالها ... ألست تنظر إلي مالها ... وسلطانها وعزها وجاهها ؟
الم تعلم أن كل ما في القصر مبذول لك لو أطعتها ميسر لك لو أجبتها ...؟
وقالت الثالثة :
إن لم يكن لك مأرب في جمالها ... أو مطمع في مالها
الست تخشي ما توعدتك به من سجن لا تعلم مداه ...
أو عذاب لاتدرك غايته أو منتهاه ... !!!
الخير لك أن تخفف من عنادك فتفوز بالحسنيين ... الجمال ... والمال ...
وتأمن شرين ... السجن ... والعذاب ...
قلن ذلك ... وحسبن أنهن بالغات بكلامهن قراره ...
أو محركات مكامن الهوى من فؤاده ...
ولكن خلجات نفس يوسف كانت تقول له ...
رب ...
إن السجن علي ظلامه ...
ووحشته أروع علي نفسي ...
وأميل إلي قلبي من مجاهدة هؤلاء النسوة ...
في السجن أصبر علي بلائك ...
وأزيد أيماناً بقضائك ...
وأعلم ما خفي علي من شؤون خلقك ...
وقد يفتح لي باب الدعوة إلي معرفتك وتوحيدك ...
وتهيأ لي الفرصة لعبادتك وتحميدك ...
وفيه أعد نفسي لإقامة الحق ...
ونصب ميزان العدل فيما عسي أن تخولني من الأمر
كما وعدت أن يُمكٌن لي في الارض
ووعدك الحق ... وقولك الصدق ...
أما أن أقيم بين هؤلاء النسوة ...
يفتنني بالقول ... ويزخرفن لي باطل الحياة ...
فإنني أخشي من هواى أن يميل
ومن الشيطان أن يوسوس ... فيتغلب ...
فأصبو إليهن .
رب السجن أحب إليٌ مما يدعونني إليه ...
إلي اللقاء في الحلقة الثالثة والعشرون
الننو دا 11-03-2011, 10:57 الحلقة الثالثة والعشرون ( 23 )
( المناجاة )
* اللهم يا هادي المضلين .. ويا راحم المذنبين .. ويا مقبل عثرات العاثرين ... ارحم عبدك ذا الخطر العظيم ...
* اللهم أحرسني بعينك التي لا تنام ... واكنفني بكنفك الذي لا يرام ... واحفظني بعزك الذي لا يضام ...
* يا من ذلت له رقاب الجبابرة ... وخضعت له أعناق الفراعنة ... أعوذ بجلالك وكرمك ... من خزيك وكشف سترك ... ونسيان شكرك ... والانصراف عن حمدك ...
* اللهم إني اسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض ... أن تجعلني في حرزك ... وحفظك ... وجوارك وتحت كنفك ...
* اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني علي الناس .
* اللهم خذ بيدى في المضايق ... واكشف لي وجوه الحقائق واعصمني من الذلل .
* اللهم إني أبرأ إليك من حولي وقوتي .
* اللهم كن لنا ولا تكن علينا .
* اللهم إني اعوذ بك من شر السلطان ومن شر ما يجرى به أقلامهم .
* اللهم أنت ثقتي في كل كرب ... ورجائي في كل شدة .
* اللهم إني ضعيف فقوني ... وإني ذليل فأعزني ...
* اللهم إني اسألك الحفظ من كل جبار عنيد ... ومن كل شيطان مريد .
* اللهم إني أعوذ بك من شر إبليس وجنوده .
* اللهم أحفظني من بين يدى ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوق ومن تحتي .
* اللهم أنت عضدى ... وأنت نصيرى ... بك أجول ... وبك أصول
* اللهم امكر لي ولا تمكر بي ... وانصرني علي من بغي عليٌ .
* اللهم كن جاراً لي من شر خلقك .
* اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم .
* اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي علي دينك .
* اللهم فوضت أمرى إليك .
* اللهم لا تكلني إلي نفسي طرفة عين .
* اللهم لك أسلمت وعليك توكلت .
* اللهم لا تسلط عليٌ من لا يرحمني .
* اللهم أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تكلني إلي نفسي طرفة عين
يا أرحم الراحمين .
والي اللقاء في الحلقة الرابعة والعشرون
الننو دا 14-03-2011, 08:19 الحلقة الرابعة والعشرون ( 24 )
إن الذي صبر عليه يوسف ... لهو أمر ... لا يصبر عليه ...
إلا من صٌبره الله عليه فإن مواقعة الفعل ... بحسب قوة الداعي ...
وزوال المانع ... وكان الداعي هاهنا في غاية القوة ...
* إن الله قد ركب في طبع الرجل من ميله للمرأة ... كما يميل العطشان إلي الماء ...
والجائع إلي الطعام ... وإن كثيراً من الناس يصبر علي الطعام والشراب ولا يصبر علي النساء ...
وهذا لا يذم إذا صادف حلالاً بل يحمد ...
* إن يوسف عليه السلام كان شاباً وشهوة الشباب وحدته أقوى
* إنه كان عزباً لا زوجة له ... ولا سرية تكسر شدة الشهوة ...
* إنه كان في بلاد غربة ... يتأتي للغريب فيها من قضاء الوطر مالا يتأتي لغيره في وطنه ... وبين اهله ومعارفه ...
* إن المرأة كانت ذات منصب وجمال بحيث إن كلا الأمرين يغرى بمواقعتها ...
* إنها غير أبية ولا ممتنعة ... فإن كثيراً من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها ...
لما يجد في نفسه من ذلك الخضوع ... وكثير من الناس يزيده إلاباء والامتناع زيادة حب .
* إنها طلبت ... وأرادت ... وبذلت الجهد ... فكفته مؤونة الطلب وذل الرغبة إليها ...
بل كانت هي الراغبة ... المتذللة ... وهو المعزز ... المرغوب فيه ...
* إنه في دارها ... وتحت سلطانه وقهرها ... يحيث يخشي إن لم يطاوعها ... من أذاها له ...
فأجتمع داعي الرغبة والرهبة ...
* إنه لا يخشي أن تفتن عليه هي ... ولا أحد من جهتها ... فإنها هي الطالبة ... والراغبة ...
وقد غلقت الابواب ... وغيبت الرقباء ...
* إنه كان مملوكاً لها في الدار ... يحيث يدخل ويخرج ويحضر معها .
* إنها إستعانت عليه بإئمة المكر والاحتيال ... فأرتهن إياه وشكت حالها إليهن ...
لتستعين بهن عليه ... فاستعان هو بالله عليهن فقال :
( وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ) سورة يوسف ألاية 33
* إنها توعدته بالسجن والصغار ... وهذا نوع إكراه ... إذ هو تهديد ممن يغلب علي الظن
وقوع ما هدد به ... فيجتمع داعي الشهوة وداعي السلامة ... من ضيق السجن والصغار .
* إن الزوج لم يظهر من الغيرة والقوة ما يفرق بينهما ... بل كان في غاية ما خاطبهما به
أن قال ليوسف : ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) سورة يوسف الاية 29
ولزليخا : ( وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ) سورة يوسف الاية 29
وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع ... وهنا لم يظهر منه غيرة .
ومع هذه الدواعي كلها ...
آثر مرضاة الله وخوفه
وحمله حبه لله علي أن يختار السجن علي الزنى ... فقال :
( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ) سورة يوسف الاية 33
وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه ... وأن ربه تعالي ... إن لم يعصمه ...
ويصرف عنه كيدهن ... صبا إليهن بطبعه ... وكان من الجاهلين ...
وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه .
وإلي اللقاء في الحلقة الخامسة والعشرون
الننو دا 17-03-2011, 15:20 الحلقة الخامسة والعشرون ( 25 )
نفس الآثام ...
ونفس التقاليد ...
علية القوم ...
في عهد زليخا .... وفي العصر الحديث ...
سهرات ... سهرات ...
خمر ... خمر ...
نساء ونساء ....
بل كانت جاهلية زليخا وقومها
أشرف من جاهلية العصر الحديث
هل كان يوجد أيام .... العزيز
نظام تبادل الزوجات ...؟
هل كان يوجد أيام ... العزيز
أن يعقد رجلاً ... قرآنه علي شاب ... وتقام لذلك حفلة صاخبة ؟؟!
هل كان يوجد أيام .... العزيز
أن يكون الزنا علي قارعة الطريق ... وفي عرض خاص يشاهده المشاهدون ؟؟!
لا ... والف لا ...
لو توسعنا فيما فيه الناس ... الآن ... خصوصاً في الدول الاسكندنافية
لاحتاج الموضوع إلي مجلدات ...
* دنيا تموج بآثام مروعة
والارض تعبد دون الله شيطانا ...
* شتان ما بين تشريع السماء لكم
وتشريع أهل الارض شتانا ...
* يا مدعين عن الاسلام أنكمو
علي هواه دعوا الاسلام ينعانا ...
* روضوا علي منهج القرآن أنفسكم
يمدد لكم ربكم عزا وسلطانا ...
وصدق الحق تبارك وتعالي :
( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) سورة الاسراء الاية 16
إن كثيرا من الحيوانات تستحي أن تجامع إناثها إلا بعيداً عن عيون الآخرين .
أما أنسان القرون الحديثة ... والعياذ بالله
ترى فيهم ... حيوانات ... في صورة بشر
( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) سورة الاعراف الاية 179
ذكر البخارى في صحيحه عن أبى رجاء العطاردى أنه رأى في الجاهلية قرداً يزنى بقردة ...
فأجتمعت القرود عليه حتي رجمته وقد حدثني بعض الشيوخ الصادقين ... إنه رأى في جامع
نوعاً من الطير قد باض ... فأخذ بعض الناس بيضه ... وجاء ببيض جنس آخر من الطير ...
فلما أنفقس البيض خرجت الفراخ من غير الجنس فجعل الذكر يطلب جنسه ... حتي أجتمع
منهن عدد ... فما زالوا بالانثي حتي قتلوها ...
ومثل هذا معروف في عادة البهائم .
وأمام هذا الظلام من انسان القرون الحديثة الذي هو تكرار لما كان عليه عهد ... العزيز
أمام هذا الظلام ...
نجد نوراً ونماذج للمرأة المسلمة حين تعتصم بحبل الله المتين ... وتهزم الشيطان ...
في اوج ثورتها الجنسية وهياجها العاطفي لغياب زوجها ... فقد دفعه امير المؤمنين عمر
إبن الخطاب رضي الله عنه مع جيش المسلمين الفاتح للجهاد في سبيل الله ...
فسمعها أمير المؤمنين وهو يتعسس بالليل
تقول شعراً ثائراً ...
* إلا طال هذا الليل واسود جانبه
وأرٌقني إلا حبيب ألاعبه ...
* فوالله : لولا الله لارب غيره
لزلزل من هذا السرير جوانبه ...
* مخافة ربى والحياء يصدني
وإكرام بعلي أن تنال مراكبه ...
والي اللقاء في الحلقة السادسة والعشرون
الننو دا 20-03-2011, 09:33 الحلقة السادسة والعشرون ( 26 )
ما إن سمع يوسف تهديد زليخا له علانية أمام النساء جميعاً ...
بسجنه ... وخاف من الفتنة ... وهي فتنة النسوة اللائى تجمعن حوله ...
كل منهن تريد أن تستحوذ عليه ...
لجأ فوراً إلي الله ...
يناجيه ... ويناديه ...
يا الله ... يا رباه ... يا غوثاه ... يا حنان ... يا منان ... يا بديع السموات والارض ...
يا أرحم الراحمين ... يا خير الناصرين ... يا عزيز ... يا مقتدر ... سبحانك ... أنت الحي لا إله إلا انت.
اصرف عيني كيد هؤلاء النسوة ... وإلا أصب إليهن وأكن من الجاهلين ...
إلي من تكلني يا رب ...
إن لم يكن بك غضب عليٌ فلا أبالى ...
يارب ...
إن الاقامة في السجن والاصابة بعذابه وآلامه ... أحب إلي نفسي مما يدعونني إليه ...
ويوسف حينما يتكلم عن السجن ...
يعرف ... يعرف بطبيعة عمله في قصر العزيز ...
ما هو السجن ...
وخاصة ... السجون السياسية في عهد الهكسوس ...
لقد كان الهكسوس مكروهين من الشعب المصرى ...
والتعذيب في السجن هو وسيلة كل حاكم مغير ... دكتاتور ... ظالم ...
يرفض يوسف مغريات الدنيا كلها ... ويطلب السجن ...
ومعلوم أنه سيكون مسجوناً سياسياً ... لأنه لم يطع الاوامر ...
يعلم يوسف مسبقاً وسائل التعذيب ... في السجون الهكسوسية ...
ولن يدخل يوسف السجن علي أنه لم يطع أوامر زليخا ...
بل ستلفق له تهمة سياسية ... وبها ... لا يخرج م السجن أبد الابدين ...
وما أسهل تلفيق التهم السياسية في عهد الهكسوس ...
وفي كافة العهود الهكسوسية ...
وبالرغم من كل ذلك يفضل يوسف السجن وعذابه علي أن يقع في الفاحشة
التي يخشي علي نفسه منها فيقول :
( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) سورة يوسف الاية 33
الاقامة في السجن ... والاصابة بعذابه ... وآلامه ... أحب إلي نفسي مما يدعونني
إليه من تلك الفاحشة ... التي يدعونني إليها ... كلهن ...
وهذا يشير إلا أنهن جميعاً عرضن أنفسهن عليه بكل الطرق الممكنة من الاغراء ...
وأنه وجد نفسه فجأة محاط بهن ...
هذه تداعبه ...
وهذه تضاحكه ...
وهذه تريد أن تقبله ...
وهذه تدعوه إلي سهرة ممتعة ...
وهذه تدعوه إلي خلوة ...
وهذه تريد منه ... ولو كلمة ...
ومن ورائهن جميعاً ... إمراة العزيز ... الموتورة ... جريحة الكرامة المجنونة بحبه ...
تنظر ما سيفعل معهن ... وكيف سيتصرف . وترقب ... وتترقب .
شاب كله قوة وشباب ... ونضارة ... وجمال ...
وأجمل النساء ... وأرقاهن ... وأحلاهن ... يترامين كلهن عليه فيترك ذلك كله ...
ويستصرخ ربه ...
رب السجن أحب إليٌ مما يدعونني إليه ...
وإلا تصرف عني أساليبهن الجهنمية ...
وإغراءاتهن الفتاكة ...
أميل إليهن ... بمقتضي النفس البشرية ... وأكن من الجاهلين ...
يارب ...
أنا بشر ضعيف ... فلا تتركني وحدى ... فأميل إلي غريزتى ...
هل يقول كما يقول الناس ... استمتع بشبابك ...
أم يقول كما قال إخوته قبل ذلك ...
ثم أتوب واكون من الصالحين ...
إنه الجبل الشامخ الصامد ...
الذى استغاث بربه ...
يارب ...
أنت وحدك القادر علي إنقاذى ...
من هذا البلاء ...
يارب ...
اصرف عني كيدهن ...
إلي اللقاء في الحلقة السابعة والعشرون
الننو دا 21-03-2011, 09:12 الحلقة السابعة والعشرون ( 27 )
بعد ان رأى النسوة الآيات الناطقة ببراءة يوسف ... وبعد أن بلغ التبجح بامرأة العزيز
أن تقيم للنسوة حفل استقبال تعرض عليهن فتاها الذي شغفها حباً ...
ثم تعلن لهن أنها به مفتونة حقاً ... ويفتتن هن به ويغرينه فيلجأ إلي ربه ليقيه وينقذه ...
والمرأة تعلن في مجتمع النساء _ دون حياء _ أنه إما أن يفعل ما يؤمر به ...
وإما أن يلقي السجن والصغار ... فيختار السجن علي ما يؤمر به ...
بعد هذا كله ... بدا لهم أن يسجنوه إلي حين ...
ولعل المرأة كانت قد يئست من محاولاتها بعد التهديد ... ولعل الأمر كذلك قد زاد
إنتشاراً في طبقات الشعب الاخرى ...
وهنا لابد ان تحفظ سمة ( البيوتات ) وإذا عجز رجال البيوتات عن صيانة بيوتهم ونسائهم ...
فإنهم ليسوا بعاجزين عن سجن فتى برئ كل جريمته أنه لم يستجب ...
وأن إمراة من ( الوسط الراقى ) قد فتنت به ... وشهدت بحبه ...
ولاكت الالسن حديثها في الاوساط الشعبية .
لقد أستغاث يوسف ربه ... واستصرخه ...
حتي قال له ...
لبيك يوسف لبيك ...
فاستجاب له ولبى نداءه ... وأدخله في معيته ، ومن كان في معية الله فلا يتمني سواه
ولا يضيره ما سيقبل عليه من الوان العذاب .
فصرف عنه كيدهن ...
إنه لم يصرف عنه النساء ...
وإنما صرف عنه الصبابة بالنساء ...
وذلك أعلي مراحل التأييد ... أن تكون في الشئ ... ولست فيه ...
أن تكون في الدنيا ... ولست منها ...
أن تكون في الغني ... ولست منه ...
أن تكون في الاسباب ... ولا تراها ...
أن تكون في الحياة ... ولست حياً إلا به تعالي ...
أن تكون في كل شئ ... ولست منه في شئ ...
الله يتكلم عن نفسه ... ويؤكد ... ويؤكد ... أنه هو ...
أنه وحده هو السميع ...
المجيب لدعاء من أراده وحده بدعائه ...
ولم يدع مع الله أحداً
يجيب دعاء من فر إليه ... ولم ير سواه ... ولم يشرك به أدني شرك
وها هنا ...
كان فرار يوسف إليه عظيماً ...
وارتفاعه إليه سريعاً ...
واستصراخه شديداً ...
فسارع سبحانه وتعالي إليه ...
إنه هو العليم بحاله ...
************************************************** ********
لقد علمتنا يا يوسف ...
علمتنا كيف نتصرف عند مواجهة المواقف الحياتية الرهيبة ... وكيف السلوك ...
إنه الإلتجاء إلي الله ... والاستعانة به ... وإرضاء الله حتي ولو كان وراء ذلك سجن أو فقدان حياة ...
لقد صعد الباطل موقفه ... وأصر علي تحقيق أهدافه ...
وتشبث الحق بموقفه وراح يستمد النصرة من السماء ...
( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )
سورة البقرة الاية 186
كثيرا ما يتعرض الانسان لمشكلات في حياته ... وربما أستعصي عليه حلها ...
وقد يصعب عليها اجتيازها ... وربما فقد توازنه إزاءها ...
وربما عالج الخطأ بالخطيئة ... وربما جني من وراء ذلك الخسران المبين ...
وربما ضاق صدره بالمشكلة ... فأراد الهروب منها ... فلجأ إلي الخمر يحتسيها ...
أو إلي الانتحار ينهي به حياته ...
ليت الإنسان يعرف كيف يتصرف في الملمات ...
إن المصيبة أو الشدة تنزل علي الإنسان فتجثم علي صدره وتكتم انفاسه ...
وينصب الشيطان أمامه شباك اليأس ...
( وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) سورة يوسف الاية 87
فالإنسان مع الله في وقت الشدة ... يداعبه الأمل ... ويحدوه التفاؤل برحمة الله ...
ورسولنا صلي الله عليه وسلم علمنا ذلك فقال :
( إن في الصبر علي ما تكره خيراً كثيراً وإن النصر مع الصبر )
إن الامر ليس إلا أن تتجه إلي الله ...
لقد إتجه يوسف إلي السماء ...
يطرق أبوابها ...
وتفتحت السماء تجيب النداء ...
فهل هناك ملجأ من الله إلا إليه ...
وهل هناك من يجيب المضطر إذا دعاه إلا هو ؟
والي اللقاء في الحلقة الثامنة والعشرون
الننو دا 23-03-2011, 15:25 الحلقة الثامنة والعشرون ( 28 )
هذه هي بداية المحنة الرابعة ليوسف ... وكل ما بعدها ... فرخاء ...
فلقد ظهر للعزيز وأهله ومن استشارهم بعد الآدلة القاطعة علي براءة يوسف ...
سجنه إلي أجل غير معلوم ...
إن امرأة العزيز لما استعصى عليها يوسف وأيست منه ... احتالت بطريق آخر ...
فقالت لزوجها ...
إن هذا العبد العبراني قد فضحني بين الناس ...
يقول لهم ...
إني راودته عن نفسه ... وأنا لا أقدر علي إظهارى عذرى ...
فإما أن تأذن لي فأخرج واعتذر ... وإما أن تحبسه ...
فعند ذلك ... بدأ له سجنه ...
فأمر به ... فحُمل علي حمار ... وضرب بالطبل ... ونؤدي عليه في الاسواق ...
أن يوسف العبراني أراد سيدته ... فجزاؤه أن يسجن .
لقد أنسابت الاخبار خارج القصر ... وكان ضرورياً الوقوف أمام التيار ...
وألسنة الناس ... وإغلاق الأفواه ... لقد أصر الباطل علي إخفاء الحقيقة ...
ومنع الالسنة ... وبدلاً من إظهار الحقائق ... والتحقيق في الموضوع ...
ومجازاة الظالم راح الباطل يدبر الكيد للمظلوم ... فلابد أن يدخل السجن ...
وأن يلقي جزاء طهره وعفته ... ولا يحدث ذلك إلا في غيبة الوعي الديني
وعدم العمل بشريعة الله ... تلك الشريعة التي تلزم الناس فلا يتعدون حدود الله
ولا يظلم بعضهم بعضاً ... وإلا نال الظالم جزاءه وعقابه ...
أي ذنب ارتكبه يوسف أو جنته يداه ...
لقد سما بنفسه ... وعلا فوق غرائز الدنيا ... وآثر الحق وإرضاء ربه وحفظ سيده ...
في شرفه وعرضه ...
وهكذا ينتقل يوسف من ظلم إلي ظلم ... ومن شدة إلي أخرى ومن غيابة الجب الي
ذلك القيد في سوق الرقيق ... إلي فتنة تهد أعتي الرجال لولا لطف الله ...
إلي ان يزج به في السجن ...
شرف لك يا يوسف أن تختم سلسلة معاناتك ومراحل جهادك ... أن تودع السجن بغير جريرة .
لقد آثرت السجن ... واجتنبت المعصية بنفسك المجاهدة ...
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) سورة الحجرات الاية رقم 15
ماذا فقدت إذا وجدت الله ؟
وماذا وجدت إذا فقدت الله ؟
إذا فقدت الله ... فقد فقدت كل شئ ...
وإذا وجدت الله ... فقد وجدت كل شئ ...
والي اللقاء في الحلقة التاسعة والعشرون
الننو دا 23-03-2011, 17:23 الحلقة التاسعة والعشرون ( 29 )
أيدخل يوسف السجن ...
يوسف ... البرئ ... المتعفف ... الذى أبى الفحشاء ... الذي حفظ عرض العزيز ...
يدخل السجن ...
... يوسف ... الجميل الصورة ... الحسن الخلق ... الذي شهدت له النسوة يدخل السجن ...
كان من الاولي ان تدخل السجن مرأة العزيز .
إن السجون وعالم السجون ... عالم غير العالم الذي يعيش فيه الناس ...
لو أطلعوا عليه لولوا منه فرارا ... ولملئوا منه رعبا ... عالم تمحي فيه كل المعاني الكريمة ...
وتبقي كل المعاني الآليمة ...
وما ظنك بحياة يلقي فيها السجين كأنه بهيمة ...
في إذلال ... وتعذيب ... وتحقير ... وتسخير ...
أو ما ظنك بحياة ... ليس فيها من معاني الحياة من شئ ...
فلا طعام إلا كسرات من خبز اسود
أو قطرات من عسل اسود
أو ذرات من جبن متعفن ...
أو ما ظنك بالمئات يكدسون ليلاً ونهاراً كما تتزاحم أعداد السمك في علب السردين ...
هذه هو سجن الهكسوس في عهد يوسف ...
لقد دخل يوسف السجن بغير ذنب ... إلا أنه أبى أن يأتي امرأة العزيز ويحقق مشتهاها ...
... لقد انتزع يوسف من حياة القصور ...
النعيم ... والترف ... والدلال ... والجمال ... واللذة ... والابهة ... والسلطة ... وفجأة وجد نفسه في السجن .
في مكان مظلم ... ضيق ... ليس فيه من لوازم الحياة ... إلا أحقرها وأقلها مما تعافه الكلاب ...
حدث انقلاب هائل في احاسيسه كلها ... كانت صدمة شديدة جداً ...
تقهره علي ان يدرك مالم يك يستطع أن يدرك من قبل ...
يدرك أن احقر مستوى معيشة في الحياة العادية ... هو أرقي من اي مستوى في حياة السجون ...
ويدرك أن الحرية هي أثمن ما في الحياة ... واكبر نعمة علي الانسان ...
ويدرك أن في الحياة آلاماً وأهوالاً ... ما كان ليدركها لولا أن رأى حياة السجون وعاشها وعاناها ...
وإن هؤلاء الالوف معه في السجن ... هؤلاء الأخلاط من المجرمين العتاة ...
إلي الابرياء المظلومين ... يرغمون إرغاماً أن يتخالطوا ... ويتزاحموا ... ليلاً ونهاراً ...
حتي يود احدهم لو يتزحزح عن صاحبه ... ولو إلي الموت ... من طول ما سئم رؤيته ... ومل صحبته ...
وأن اضيق الضيق في الصدور ... أن يرغم الانسان علي ما لا يحب ...
او يعاشر من لا يتفق معه في الميول ...
لقد شعر يوسف بمرارة الاتهام الباطل ...
وهذه مشيئة الله سبحانه وتعالي ...
حتي إذا حكم يوسف بعد ذلك ...
تجنب أن يتهم أحداً بالباطل ...
وعمل علي إلغاء هذه السجون ...
أو رفع مستواها ...
أو تعديل لوائحها الجهنمية ...
وليشعر بأن الحرية هي أغلي من كل شئ ...
وحتي إذا عادت إليه حريته ... عمل علي إحترام حقوق الآخرين ...
وإحترام حريتهم ...
وليشعر يوسف بأن هؤلاء السجناء ... مساكين ... لايشعر بهم أحد في الدنيا .
يعيشون نسيا منسيا ...
حتي إذا خرج يوسف من السجن ... وتولي امر البلاد ... عمل علي العفو عنهم ...
وإعطائهم الفرصة للحياة الكريمة ... مرة اخرى ...
من اجل ذلك ... وما وراء ذلك ... أدخل الله يوسف السجن ليصهره بآلام الحرمان ...
والضيق ... والغربة ... والذل ... والسخرة ... فيخرج نقياً خالصاً ...
وجمع الله علي يوسف غربتين في هذا الامر ...
فقد كان من قبل هذا غريباً ...
ثم ها هو الآن ... تجتمع عليه غربة جديدة ... فيدخل السجن ...
لقد دخل معه السجن فتيان ...
في نفس المستوى الوظيفي الذي كان فيه يوسف ...
فيوسف كان مديراً لقصر العزيز ...
وهذان ... احدهما رئيس السقاة
والآخر رئيس الطهاة
نفس المستوى الوظيفي تقريباً ...
ولا يشغل السجين ... إلا
أخبار الاهل ... ماذا سيأكل ... تفسير الاحلام فالسجين رجل إنقطعت كل أسباب حياته ...
أو الغيت حياته حين الغيت حريته ... فهناك كبت شديد في باطنه يتحول إلي أحلام في منامه ...
ولذلك تجد في حياة السجون سيل دائم لا ينقطع من الأحلام التي يراها السجناء ...
فيكونون في اشد الشغف إلي تأويلها ، وفي اشد الشوق إلي إنسان يفسرها لهم ...
لأنها هي الخيط الوحيد الباقى لهم في الحياة ...
ولا يعرف قيمة الحلم ... وتعبير الحلم ... في حياة السجون إلا من عاني من تجربة السجن ...
والي اللقاء في الحلقة الثلاثون
الننو دا 24-03-2011, 08:50 الحلقة الثلاثون ( 30 )
ولقد ذاع صيت يوسف في السجن وأصبح مأوى المساجين ... ليس لأنه
يفسر أحلامهم ...
رغم مالتفسير الاحلام من اهمية عند السجين ... ولكن لأن أخلاق النبوة التي
كان يتحلي بها في السجن رفعت من مقامه في أعينهم ... جميعاً ... سجناء وسجانين ...
لقد كان دخوله السجن رحمة لهؤلاء المساجين ...
إن الداعية لله يستثمر عمره وحياته في الدعوة إليه ويتحين الفرص ويتحايل لينشر
دعوة الله في الارض ...
فهو يعيش بها ... ولها ...
لقد تحول السجن إلي محراب صلاة ... ومكان تروج فيه الدعوة إلي الله ...
فالدعوة إلي الله هي رسالة الانبياء في الارض ... والدعاة إلي الله من بعدهم
حتي ولو كان الداعية في سجن بين جدران محدودة ...
حتي لو كان حبيس الجدران ووراء الاسوار ... والقضبان ...
لقد كان السجن بالنسبة ليوسف منحة ... وليست محنة ...
كان منحة ...
ليخلو إلي نفسه ... يناجي ربه في هدوء وسكينة ... بعيدا عن صخب الحياة ...
وحياة القصور ... ويخالط مجتمعاً جديداً خلف أسوار من نوع جديد ...
وليتقرب من ربه اكثر ... فأكثر ... وليرتقي في مدارج العبادة بالدعاء ...
فالدعاء مخ العبادة ...
وليجرب أسلوباً جديداً في الدعوة إلي الله ...
في مجتمع آخر ... فيه المظاليم من أمثاله وفيه العتاة والمجرمون وفيه السجانون
والعمال ... والموظفون ... والجلادون ... والسيافون ... ومأمور السجن ... وأعوانه ...
ويوسف يرقب هؤلاء عن كثب ...
يشاهد ويتأمل أنماطاً مختلفة للسلوك البشرى داخل هذا القطاع من المجتمع الذي يعيشه ...
ليكتسب خبرة وحكمة وعلماً ...
ويسجل في ذاكرته مردود هذا التفاعل ... فقد تغير المحن قلوب البشر المتحجرة ...
عندما تمس ظلمة السجن والحرمان من المال والاهل والولد ...
فقد تتذكر ظلمة القبر ووحشته ... فتتوب وتستعتب ... أو قد تنقلب إلي وحش يستأسد ...
يدبر ... ويخطط وينشئ شبكة وعصابات يعاونونه في ذلك ... ذمم خربة ... وضمائر ممن
علي شاكلته من الموظفين ... والعمال ... والمحاسيب ... والمهربين ...
ويرى أنماطاً أخرى تعامل معاملة أفضل واحسن من معاملة الاحرار المظلومين ...
ويوسف وسط هذا الخضم الزاخر بالمتناقضات ...
ينتهز الفرص المواتية لينشر دين الله ...
فليس كل ما يعلم يقال ...
وليس كل ما يقال حضر أوانه ...
والمؤمن كيٌس فطن ...
ولو هدي الله به رجلاً واحداً يؤمن بالله فذلك خير له من الدنيا وما فيها .
وصدق نبي الرحمة صلي الله عليه وسلم :
( لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم )
والدعوة المثالية هي ...
بالقدوة الحسنة الصالحة والسلوك السوى.
وجد يوسف في السجن قوماً مظلومين ...
وإغفالا مساكين ...
إنها فرصة طيبة وسانحة جميلة ...
ليواسيهم في آلامهم ...
ويشاركهم في محنتهم ...
فيكون بذلك أروح لنفسه الرضية ... وأنسب لطبعه الكريم ...
وطالت فترة السجن بيوسف ... ومكث فيه ما شاء الله ...
يعود المرضى ...
ويواسي الضعغاء ...
وينصح الاشقياء ...
وينشر عليهم مع كل صبح ... فيضاً من علمه ...
وقبساً من فضله ...
حتي أحبه المسجونون ... واطمأنت نفوسهم إليه ...
والي اللقاء في الحلقة الواحد والثلاثون
الننو دا 24-03-2011, 08:50 الحلقة الثلاثون ( 30 )
ولقد ذاع صيت يوسف في السجن وأصبح مأوى المساجين ... ليس لأنه
يفسر أحلامهم ...
رغم مالتفسير الاحلام من اهمية عند السجين ... ولكن لأن أخلاق النبوة التي
كان يتحلي بها في السجن رفعت من مقامه في أعينهم ... جميعاً ... سجناء وسجانين ...
لقد كان دخوله السجن رحمة لهؤلاء المساجين ...
إن الداعية لله يستثمر عمره وحياته في الدعوة إليه ويتحين الفرص ويتحايل لينشر
دعوة الله في الارض ...
فهو يعيش بها ... ولها ...
لقد تحول السجن إلي محراب صلاة ... ومكان تروج فيه الدعوة إلي الله ...
فالدعوة إلي الله هي رسالة الانبياء في الارض ... والدعاة إلي الله من بعدهم
حتي ولو كان الداعية في سجن بين جدران محدودة ...
حتي لو كان حبيس الجدران ووراء الاسوار ... والقضبان ...
لقد كان السجن بالنسبة ليوسف منحة ... وليست محنة ...
كان منحة ...
ليخلو إلي نفسه ... يناجي ربه في هدوء وسكينة ... بعيدا عن صخب الحياة ...
وحياة القصور ... ويخالط مجتمعاً جديداً خلف أسوار من نوع جديد ...
وليتقرب من ربه اكثر ... فأكثر ... وليرتقي في مدارج العبادة بالدعاء ...
فالدعاء مخ العبادة ...
وليجرب أسلوباً جديداً في الدعوة إلي الله ...
في مجتمع آخر ... فيه المظاليم من أمثاله وفيه العتاة والمجرمون وفيه السجانون
والعمال ... والموظفون ... والجلادون ... والسيافون ... ومأمور السجن ... وأعوانه ...
ويوسف يرقب هؤلاء عن كثب ...
يشاهد ويتأمل أنماطاً مختلفة للسلوك البشرى داخل هذا القطاع من المجتمع الذي يعيشه ...
ليكتسب خبرة وحكمة وعلماً ...
ويسجل في ذاكرته مردود هذا التفاعل ... فقد تغير المحن قلوب البشر المتحجرة ...
عندما تمس ظلمة السجن والحرمان من المال والاهل والولد ...
فقد تتذكر ظلمة القبر ووحشته ... فتتوب وتستعتب ... أو قد تنقلب إلي وحش يستأسد ...
يدبر ... ويخطط وينشئ شبكة وعصابات يعاونونه في ذلك ... ذمم خربة ... وضمائر ممن
علي شاكلته من الموظفين ... والعمال ... والمحاسيب ... والمهربين ...
ويرى أنماطاً أخرى تعامل معاملة أفضل واحسن من معاملة الاحرار المظلومين ...
ويوسف وسط هذا الخضم الزاخر بالمتناقضات ...
ينتهز الفرص المواتية لينشر دين الله ...
فليس كل ما يعلم يقال ...
وليس كل ما يقال حضر أوانه ...
والمؤمن كيٌس فطن ...
ولو هدي الله به رجلاً واحداً يؤمن بالله فذلك خير له من الدنيا وما فيها .
وصدق نبي الرحمة صلي الله عليه وسلم :
( لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم )
والدعوة المثالية هي ...
بالقدوة الحسنة الصالحة والسلوك السوى.
وجد يوسف في السجن قوماً مظلومين ...
وإغفالا مساكين ...
إنها فرصة طيبة وسانحة جميلة ...
ليواسيهم في آلامهم ...
ويشاركهم في محنتهم ...
فيكون بذلك أروح لنفسه الرضية ... وأنسب لطبعه الكريم ...
وطالت فترة السجن بيوسف ... ومكث فيه ما شاء الله ...
يعود المرضى ...
ويواسي الضعغاء ...
وينصح الاشقياء ...
وينشر عليهم مع كل صبح ... فيضاً من علمه ...
وقبساً من فضله ...
حتي أحبه المسجونون ... واطمأنت نفوسهم إليه ...
والي اللقاء في الحلقة الواحد والثلاثون
الننو دا 25-03-2011, 11:48 الحلقة الواحد والثلاثون ( 31 )
بعدما إشتدت علي يوسف آلام السجن - وأحزانه - وكان مسلكه فيه احدي الحسنيين
الدعوة إلي الله تعالي والدعاء له وكان من ضمن أدعيته التي واظب عليها ...
اللهم اجعل لي من كل ما اهمني ... وكربني ...
من آمر دنياى وأمر آخرتي ... فرجا ومخرجا ...
وأرزقني من حيث لا أحتسب ...
وإغفر لي ذنبي ...
وثبت رجائى ...
وإقطعه عمن سواك ...
حتي لا أرجو أحداً غيرك ...
كان في السجن مع يوسف فتيان من رعايا الملك ... إنهما حصيلة الظلم الاجتماعي من الحاشية ...
وعلية القوم ... لابد أن القصر قد غضب عليهما أيضاً ... وأودعهما السجن ...
وحين يرضي الله عن عبده يوضع له القبول في الارض ...
وعن ابي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم :
( إذا احب الله العبد نادي جبريل : إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء
ثم يوضع له القبول في الارض )
وهكذا نرى السجينان يأنسان إلي يوسف ... ويثقان به ... ويرى كل منهما رؤيا يريد تفسيرها ...
إن الداعية إلي الله يستثمر عمره وحياته في الدعوة إلي الله ويتحين الفرص ويتحايل لينشر
دعوة الله في الارض ... فهو يعيش بها ... ولها ...
ولذلك نرى يوسف عليه السلام يلتقط منهما الخيط في الحديث ليدعوهما إلي الله أولاً ...
ثم يفسر لهما الرؤى ثانياً ...
لقد تحول السجن إلي محراب ... وصلاة ... ومكان تروج فيه الدعوة إلي الله ...
فالدعوة إلي الله ليست محدودة بمكان ولا مخصصة بزمان ...
قال احد السجينين : ( إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) سورة يوسف الاية 36
وينتهز يوسف الفرصة مع صاحبي السجن ليبث بين السجناء عقيدته الصحيحة ...
فكونه سجيناً لا يعفيه من تصحيح العقيدة الفاسدة ... والأوضاع الفاسدة القائمة علي
إعطاء حق الربوبية للبشر أياً كانوا ... وجعلهم بالخضوع لهم أرباباً يزاولون خصائص
الربوبية ... ويصبحون فراعين ...
ويبدأ يوسف مع صاحبي السجن في موضوعهما الذي يشغل بالهما ... فيطمئنهما
ابتداءً بأنه سيؤول لهم الرؤي ... لأن ربه علمه علماً لدنياً خاصاً ...
جزاء علي تجرده لعبادته وحده ... وتخلصه من عبادة الشركاء ... هو وآباؤه من قبله ...
وبذلك يكسب ثقتهما منذ اللحظة الاولي بقدرته علي تأويل رؤياهما ... كما يكسب
ثقتهما كذلك لدينه ...
قال:
( قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ( الاية 37 من سورة يوسف )
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ) الاية 38 من سورة يوسف
ويبدو في طريقة تناول يوسف للحديث لطف مدخله إلي النفوس وكياسته وتنقله
في الحديث في رفق لطيف ... وهي سمة هذه الشخصية البارزة في القصة بطولها ...
إن اسلوب يوسف عليه السلام فيه من التوكيد الموحى بالثقة بأن الرجل علي علم لدنى ...
يرى به مقبل الرزق وينبيء بما يرى ... وهذا فوق دلالته علي هبة الله لعبده الصالح يوسف ...
وهي كذلك بطبيعة الفترة ... وشيوع النبوءات فيها والرؤى وقوله :
( ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ) سورة يوسف الاية 37
تجيئ في اللحظة المناسبة من الناحية النفسية ليدخل بها إلي قلبيهما بدعوته إلي ربه ...
وليعلل بها هذا العلم اللدنى الذي سيؤول لهما رؤياهما ... عن طريقه ...
( إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) سورة يوسف الاية 37
مشيراً بهذا إلي القوم الذي ربي فيهم ... وهم بيت العزيز وحاشية الملك والملأ من القوم ...
والشعب الذي يتبعهم ... والفتيان علي دين القوم ... ولكنه لم يواجههما بشخصيتهما ...
وإنما يواجه القوم عامة كي لا يحرجهما ولا ينفرهما ... وهي كياسة ... وحكمة ... ولطافة حس ...
وحسن مدخل ...
وذكر الآخرة في قول يوسف ... يقرر ... أن الإيمان بالآخرة كان عنصراً من عناصر العقيدة
علي لسان الرسل جميعاً ... منذ فجر البشرية الاولي ولم يكن الأمر كما يزعم بعض علماء
مقارنة الاديان ... أن تصور الآخرة جاء إلي العقيدة بجملتها متأخراً ...
لقد جاء إلي العقائد الوثنية الجاهلية متأخراً فعلاً ... ولكنه كان دائماً عنصراً أصيلاً
في الرسالات السماوية الصحيحة ...
ثم يمضي يوسف بعد بيان معالم ملة الكفر ليبين معالم ملة الايمان التي يتبعها هو وآباؤه ...
( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ) سورة يوسف الاية 38
فهي ملة التوحيد الخالص الذي لا يشرك بالله شيئاً قط ...
والهداية إلي التوحيد فضل من الله علي المهتدين ...
وهو فضل في متناول الناس جميعاً لو اتجهوا إليه وأرادوه ...
ففي فطرتهم أصوله وهواتفه ... وفي الوجود من حولهم موجباته ودلائله ...
وفي رسالات الرسل بيانه وتقريره ... ولكن الناس هم الذين لا يعرفون هذا الفضل ويشكرونه ...
( ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ) سورة يوسف الاية 38
مدخل لطيف ... وخطوة خطوة في حذر ولين ... ثم يتوغل في قلبيهما أكثر فأكثر ...
ويفصح عن عقيدته ودعوته إفصاحاً كاملاً ... ويكشف عن فساد اعتقادهما واعتقاد قومهما ...
وفساد ذلك الواقع الذي يعيشون فيه ...
بعد هذا التمهيد الطويل :
( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) سورة يوسف الاية 39
( مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) سورة يوسف الاية 40
لقد رسم عليه السلام بهذه الكلمات القليلة الحاسمة المنيرة ...
كل معالم هذا الدين ... وكل مقومات هذ العقيدة ... كما هز بها كل قوائم الشرك
والطاغوت والجاهلية هزاً شديداً عنيفاً ...
إنه يتخذ منهما صاحبين ... ويتحبب إليهما بهذه الصفة المؤنسة ليدخل من هذا المدخل
إلي صلب الدعوة وجسم العقيدة ... وهو لا يدعوهما إليها دعوة مباشرة ...
إنما يعرضها قضية موضوعية ...
( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) سورة يوسف الاية 39
وهو سؤال يهجم علي الفطرة في أعماقها ويهزها هزاً شديداً .
إن الفطرة تعرف لها إلهاً واحداً ففيم إذن تعدد الارباب ...
إن الذي يستحق أن يكون رباً يعبد ويطاع أمره ... ويتبع شرعه هو
الله الواحد القهار ...
والي اللقاء في الحلقة 32
الننو دا 25-03-2011, 11:48 الحلقة الواحد والثلاثون ( 31 )
بعدما إشتدت علي يوسف آلام السجن - وأحزانه - وكان مسلكه فيه احدي الحسنيين
الدعوة إلي الله تعالي والدعاء له وكان من ضمن أدعيته التي واظب عليها ...
اللهم اجعل لي من كل ما اهمني ... وكربني ...
من آمر دنياى وأمر آخرتي ... فرجا ومخرجا ...
وأرزقني من حيث لا أحتسب ...
وإغفر لي ذنبي ...
وثبت رجائى ...
وإقطعه عمن سواك ...
حتي لا أرجو أحداً غيرك ...
كان في السجن مع يوسف فتيان من رعايا الملك ... إنهما حصيلة الظلم الاجتماعي من الحاشية ...
وعلية القوم ... لابد أن القصر قد غضب عليهما أيضاً ... وأودعهما السجن ...
وحين يرضي الله عن عبده يوضع له القبول في الارض ...
وعن ابي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم :
( إذا احب الله العبد نادي جبريل : إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء
ثم يوضع له القبول في الارض )
وهكذا نرى السجينان يأنسان إلي يوسف ... ويثقان به ... ويرى كل منهما رؤيا يريد تفسيرها ...
إن الداعية إلي الله يستثمر عمره وحياته في الدعوة إلي الله ويتحين الفرص ويتحايل لينشر
دعوة الله في الارض ... فهو يعيش بها ... ولها ...
ولذلك نرى يوسف عليه السلام يلتقط منهما الخيط في الحديث ليدعوهما إلي الله أولاً ...
ثم يفسر لهما الرؤى ثانياً ...
لقد تحول السجن إلي محراب ... وصلاة ... ومكان تروج فيه الدعوة إلي الله ...
فالدعوة إلي الله ليست محدودة بمكان ولا مخصصة بزمان ...
قال احد السجينين : ( إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) سورة يوسف الاية 36
وينتهز يوسف الفرصة مع صاحبي السجن ليبث بين السجناء عقيدته الصحيحة ...
فكونه سجيناً لا يعفيه من تصحيح العقيدة الفاسدة ... والأوضاع الفاسدة القائمة علي
إعطاء حق الربوبية للبشر أياً كانوا ... وجعلهم بالخضوع لهم أرباباً يزاولون خصائص
الربوبية ... ويصبحون فراعين ...
ويبدأ يوسف مع صاحبي السجن في موضوعهما الذي يشغل بالهما ... فيطمئنهما
ابتداءً بأنه سيؤول لهم الرؤي ... لأن ربه علمه علماً لدنياً خاصاً ...
جزاء علي تجرده لعبادته وحده ... وتخلصه من عبادة الشركاء ... هو وآباؤه من قبله ...
وبذلك يكسب ثقتهما منذ اللحظة الاولي بقدرته علي تأويل رؤياهما ... كما يكسب
ثقتهما كذلك لدينه ...
قال:
( قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ( الاية 37 من سورة يوسف )
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ) الاية 38 من سورة يوسف
ويبدو في طريقة تناول يوسف للحديث لطف مدخله إلي النفوس وكياسته وتنقله
في الحديث في رفق لطيف ... وهي سمة هذه الشخصية البارزة في القصة بطولها ...
إن اسلوب يوسف عليه السلام فيه من التوكيد الموحى بالثقة بأن الرجل علي علم لدنى ...
يرى به مقبل الرزق وينبيء بما يرى ... وهذا فوق دلالته علي هبة الله لعبده الصالح يوسف ...
وهي كذلك بطبيعة الفترة ... وشيوع النبوءات فيها والرؤى وقوله :
( ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ) سورة يوسف الاية 37
تجيئ في اللحظة المناسبة من الناحية النفسية ليدخل بها إلي قلبيهما بدعوته إلي ربه ...
وليعلل بها هذا العلم اللدنى الذي سيؤول لهما رؤياهما ... عن طريقه ...
( إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) سورة يوسف الاية 37
مشيراً بهذا إلي القوم الذي ربي فيهم ... وهم بيت العزيز وحاشية الملك والملأ من القوم ...
والشعب الذي يتبعهم ... والفتيان علي دين القوم ... ولكنه لم يواجههما بشخصيتهما ...
وإنما يواجه القوم عامة كي لا يحرجهما ولا ينفرهما ... وهي كياسة ... وحكمة ... ولطافة حس ...
وحسن مدخل ...
وذكر الآخرة في قول يوسف ... يقرر ... أن الإيمان بالآخرة كان عنصراً من عناصر العقيدة
علي لسان الرسل جميعاً ... منذ فجر البشرية الاولي ولم يكن الأمر كما يزعم بعض علماء
مقارنة الاديان ... أن تصور الآخرة جاء إلي العقيدة بجملتها متأخراً ...
لقد جاء إلي العقائد الوثنية الجاهلية متأخراً فعلاً ... ولكنه كان دائماً عنصراً أصيلاً
في الرسالات السماوية الصحيحة ...
ثم يمضي يوسف بعد بيان معالم ملة الكفر ليبين معالم ملة الايمان التي يتبعها هو وآباؤه ...
( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ) سورة يوسف الاية 38
فهي ملة التوحيد الخالص الذي لا يشرك بالله شيئاً قط ...
والهداية إلي التوحيد فضل من الله علي المهتدين ...
وهو فضل في متناول الناس جميعاً لو اتجهوا إليه وأرادوه ...
ففي فطرتهم أصوله وهواتفه ... وفي الوجود من حولهم موجباته ودلائله ...
وفي رسالات الرسل بيانه وتقريره ... ولكن الناس هم الذين لا يعرفون هذا الفضل ويشكرونه ...
( ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ) سورة يوسف الاية 38
مدخل لطيف ... وخطوة خطوة في حذر ولين ... ثم يتوغل في قلبيهما أكثر فأكثر ...
ويفصح عن عقيدته ودعوته إفصاحاً كاملاً ... ويكشف عن فساد اعتقادهما واعتقاد قومهما ...
وفساد ذلك الواقع الذي يعيشون فيه ...
بعد هذا التمهيد الطويل :
( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) سورة يوسف الاية 39
( مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) سورة يوسف الاية 40
لقد رسم عليه السلام بهذه الكلمات القليلة الحاسمة المنيرة ...
كل معالم هذا الدين ... وكل مقومات هذه العقيدة ... كما هز بها كل قوائم الشرك
والطاغوت والجاهلية هزاً شديداً عنيفاً ...
إنه يتخذ منهما صاحبين ... ويتحبب إليهما بهذه الصفة المؤنسة ليدخل من هذا المدخل
إلي صلب الدعوة وجسم العقيدة ... وهو لا يدعوهما إليها دعوة مباشرة ...
إنما يعرضها قضية موضوعية ...
( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) سورة يوسف الاية 39
وهو سؤال يهجم علي الفطرة في أعماقها ويهزها هزاً شديداً .
إن الفطرة تعرف لها إلهاً واحداً ففيم إذن تعدد الارباب ...
إن الذي يستحق أن يكون رباً يعبد ويطاع أمره ... ويتبع شرعه هو
الله الواحد القهار ...
والي اللقاء في الحلقة 32
الننو دا 03-11-2011, 09:17 نواصل ما انقطع من حلقات بإذن الله ...
الننو دا 26-04-2012, 10:41 الحلقة ( 33 )
والله في غني عن العالمين ... فهو سبحانه لا يريد منهم إلا التقوى والصلاح والعمل والعمارة وفق منهجه ، فيعد لهم هذا كله عبادة .. وحتي الشعائر التي يفرضها عليهم إنما يريد بها إصلاح قلوبهم ومشاعرهم لإصلاح حياتهم وواقعهم ...
وإلا فما أغناه سبحانه عن عباده أجمعين ...
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) الاية 15 سورة فاطر .
ففرق بين الدينونة لله الواحد القهار والدينونة للارباب المتفرقة .. ثم يخطو يوسف عليه السلام خطوة أخرى في تفنيد عقائد الجاهلية وأوهامها الواهية ...
( مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ .َ ) الآية 40 سورة يوسف
إن هذه الآرباب سواء كانت من البشر أم من غير البشر ...من الارواح والشياطين والملائكة والقوي الكونية المسخرة بأمر الله - ليست من الربوبية في شئ - .. فالربوبية لا تكون إلا لله ... الواحد القهار ... الذي يخلق ... ويقهر ... كل العباد ...
ولكن البشر في الجاهليات المتعددة الاشكال والاوضاع يسمون من عند أنفسهم أسماء ... ويخلعون عليها صفات ... ويعطونها خصائص ... من أول هذه الخصائص خاصية الحكم والسلطان ... والله لم يجعل لها سلطاناً ولم ينزل بها من سلطان ...
وهنا يضرب يوسف - عليه السلام - ضربته الاخيرة الحاسمة فيبين ..
لمن ينبغي أن يكون السلطان
لمن ينبغي أن يكون الحكم
لمن ينبغي أن تكون الطاعة
أو بمعني آخر ..
لمن ينبغي ان تكون ( العبادة )
( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) الاية 40 سورة يوسف .
إن الحكم لا يكون إلا لله ... فهو مقصور عليه سبحانه بحكم الوهيته .. إذ الحاكمية من خصائص الالوهية ...
من إدعي الحق فيها فقد نازع الله سبحانه أولي خصائص ألوهيته ... سواء ادعي هذا الحق فرد ... أو طبقة ... أو حزب ... أو هيئة ... أو أمة أو الناس جميعاً في صورة منظمة عالمية ...
ومن نازع الله سبحانه أولي خصائص ألوهيته وادعاها لنفسه فقد كفر بالله كفراً بواحاً ... يصبح به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة ...
وإدعاء هذا الحق لا يكون بصورة واحدة هي التي تخرج المدعي من دائرة الدين والقيم ... وتجعله منازعاً لله في أولي خصائص ألوهيته - سبحانه - فليس من الضرورى أن يقول ( مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) الاية 38 سورة القصص .. أو يقول ( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) الاية 24 سورة النازعات ... كما قالها فرعون جهرة ..
ولكنه يدعي هذا الحق وينازع الله فيه بمجرد أن ينحي شريعة الله عن الحاكمية ... ويستمد القوانين من مصدر آخر ... وبمجرد ان ان يقرر أن الجهة التي تملك الحاكمية ... أي التي تكون هي مصدر السلطان ... جهة أخرى غير الله سبحانه ... ولو كان هو مجموع الامة أو مجموع البشرية ...
والامة في النظام الاسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة الله ... ولكنها ليست هي مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعيته ... إنما مصدر الحاكمية هو الله ... وكثيرون حتي من الباحثين المسلمين يخلطون بين مزاولة السلطة وبين مصدر السلطة ...
فالناس بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكه الله وحده والناس إنما يزاولون تطبيق ما شرعه الله بسلطانه ... أما ما لم يشرعه الله فلا سلطان له ولا شرعية ... وما أنزل الله به من سلطان ويوسف عليه السلام يقر القول بأن الحكم لله وحده فيقول : ( أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ) الاية 40 سورة يوسف .
ويقرر يوسف عليه السلام أن إختصاص الله - سبحانه - بالحكم تحقيقاً لاختصاصه بالعبادة هو وحده الدين القيم :
( ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) الاية 40 سورة يوسف ..
وهو تعبير يفيد القصر ... فلا دين قيماً سوى هذا الدين ... الذى يتحقق فيه إختصاص الله بالحكم ... تحقيقاً لاختصاصه بالعبادة ... وكونهم لا يعلمون ... لا يجعلهم علي دين الله القيم ... فالذي لا يعلم شيئاً لا يملك الاعتقاد فيه ولا تحقيقه ... فإذا وجد ناس لا يعلمون حقيقة الدين ... لم يعد من الممكن عقلاً وواقعاً وصفهم بأنهم علي هذا الدين ... ولم يقم جهلهم عذراً لهم يسبغ عليهم صفة الاسلام ... ذلك أن الجهل مانع للصفة ابتداء ... فاعتقاد شئ فرع عن العلم به ... وهذا منطق العقل والواقع ...
بل منطق البداهة الواضح ...
لقد رسم يوسف - عليه السلام - بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة كل معالم هذا الدين ... وكل مقومات هذه العقيدة كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزاً شديداً .
إن الطاغوت لا يقوم في الارض إلا مدعياً أخص خصائص الألوهية وهي الربوبية ... أي حق تعبيد الناس لأمره وشرعه ... ودينونتهم لفكره وقانونه ... وهو إذ يزاول هذا في عالم الواقع يدعيه - ولو لم يقل بلسانه - فالعمل دليل أقوي من القول ..
وإن الطاغوت لا يقوم إلا في غيبة الدين القيم والعقيدة الخالصة عن قلوب الناس ... فما يمكن أن يقوم وقد أستقر في اعتقاد الناس فعلاً أن الحكم لله وحده ... لأن العبادة لا تكون إلا لله وحده ... والخضوع للحكم عبادة ... بل هي أصل مدلول العبادة ...
وإلي هنا يبلغ يوسف أقصي الغاية من الدرس الذي ألقاه مرتبطاً في مطلعه بالأمر الذي يشغل بال صاحبه .. في السجن ... ومن ثم فهو يؤول لها الرؤيا في نهاية الدرس ... ليزيدهما ثقة في قوله كله وتعلقاً به ...
( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ) الاية 41 سورة يوسف .
ولم يعين من هو صاحب البشرى ومن هو صاحب المصير السئ تلطفاً وتحرجاً من المواجهة بالشر والسوء ...
ولكنه أكد لهما الأمر واثقاً من العلم الذي وهبه الله له ...
وأن ما سيحدث لكما أمر واقع قد إنتهي فهو كائن كما قضاه الله ...
والي اللقاء في الحلقة ( 34 )
الننو دا 26-04-2012, 10:42 الحلقة ( 33 )
والله في غني عن العالمين ... فهو سبحانه لا يريد منهم إلا التقوى والصلاح والعمل والعمارة وفق منهجه ، فيعد لهم هذا كله عبادة .. وحتي الشعائر التي يفرضها عليهم إنما يريد بها إصلاح قلوبهم ومشاعرهم لإصلاح حياتهم وواقعهم ...
وإلا فما أغناه سبحانه عن عباده أجمعين ...
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) الاية 15 سورة فاطر .
ففرق بين الدينونة لله الواحد القهار والدينونة للارباب المتفرقة .. ثم يخطو يوسف عليه السلام خطوة أخرى في تفنيد عقائد الجاهلية وأوهامها الواهية ...
( مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ .َ ) الآية 40 سورة يوسف
إن هذه الآرباب سواء كانت من البشر أم من غير البشر ...من الارواح والشياطين والملائكة والقوي الكونية المسخرة بأمر الله - ليست من الربوبية في شئ - .. فالربوبية لا تكون إلا لله ... الواحد القهار ... الذي يخلق ... ويقهر ... كل العباد ...
ولكن البشر في الجاهليات المتعددة الاشكال والاوضاع يسمون من عند أنفسهم أسماء ... ويخلعون عليها صفات ... ويعطونها خصائص ... من أول هذه الخصائص خاصية الحكم والسلطان ... والله لم يجعل لها سلطاناً ولم ينزل بها من سلطان ...
وهنا يضرب يوسف - عليه السلام - ضربته الاخيرة الحاسمة فيبين ..
لمن ينبغي أن يكون السلطان
لمن ينبغي أن يكون الحكم
لمن ينبغي أن تكون الطاعة
أو بمعني آخر ..
لمن ينبغي ان تكون ( العبادة )
( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) الاية 40 سورة يوسف .
إن الحكم لا يكون إلا لله ... فهو مقصور عليه سبحانه بحكم الوهيته .. إذ الحاكمية من خصائص الالوهية ...
من إدعي الحق فيها فقد نازع الله سبحانه أولي خصائص ألوهيته ... سواء ادعي هذا الحق فرد ... أو طبقة ... أو حزب ... أو هيئة ... أو أمة أو الناس جميعاً في صورة منظمة عالمية ...
ومن نازع الله سبحانه أولي خصائص ألوهيته وادعاها لنفسه فقد كفر بالله كفراً بواحاً ... يصبح به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة ...
وإدعاء هذا الحق لا يكون بصورة واحدة هي التي تخرج المدعي من دائرة الدين والقيم ... وتجعله منازعاً لله في أولي خصائص ألوهيته - سبحانه - فليس من الضرورى أن يقول ( مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) الاية 38 سورة القصص .. أو يقول ( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) الاية 24 سورة النازعات ... كما قالها فرعون جهرة ..
ولكنه يدعي هذا الحق وينازع الله فيه بمجرد أن ينحي شريعة الله عن الحاكمية ... ويستمد القوانين من مصدر آخر ... وبمجرد ان ان يقرر أن الجهة التي تملك الحاكمية ... أي التي تكون هي مصدر السلطان ... جهة أخرى غير الله سبحانه ... ولو كان هو مجموع الامة أو مجموع البشرية ...
والامة في النظام الاسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة الله ... ولكنها ليست هي مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعيته ... إنما مصدر الحاكمية هو الله ... وكثيرون حتي من الباحثين المسلمين يخلطون بين مزاولة السلطة وبين مصدر السلطة ...
فالناس بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكه الله وحده والناس إنما يزاولون تطبيق ما شرعه الله بسلطانه ... أما ما لم يشرعه الله فلا سلطان له ولا شرعية ... وما أنزل الله به من سلطان ويوسف عليه السلام يقر القول بأن الحكم لله وحده فيقول : ( أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ) الاية 40 سورة يوسف .
ويقرر يوسف عليه السلام أن إختصاص الله - سبحانه - بالحكم تحقيقاً لاختصاصه بالعبادة هو وحده الدين القيم :
( ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) الاية 40 سورة يوسف ..
وهو تعبير يفيد القصر ... فلا دين قيماً سوى هذا الدين ... الذى يتحقق فيه إختصاص الله بالحكم ... تحقيقاً لاختصاصه بالعبادة ... وكونهم لا يعلمون ... لا يجعلهم علي دين الله القيم ... فالذي لا يعلم شيئاً لا يملك الاعتقاد فيه ولا تحقيقه ... فإذا وجد ناس لا يعلمون حقيقة الدين ... لم يعد من الممكن عقلاً وواقعاً وصفهم بأنهم علي هذا الدين ... ولم يقم جهلهم عذراً لهم يسبغ عليهم صفة الاسلام ... ذلك أن الجهل مانع للصفة ابتداء ... فاعتقاد شئ فرع عن العلم به ... وهذا منطق العقل والواقع ...
بل منطق البداهة الواضح ...
لقد رسم يوسف - عليه السلام - بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة كل معالم هذا الدين ... وكل مقومات هذه العقيدة كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزاً شديداً .
إن الطاغوت لا يقوم في الارض إلا مدعياً أخص خصائص الألوهية وهي الربوبية ... أي حق تعبيد الناس لأمره وشرعه ... ودينونتهم لفكره وقانونه ... وهو إذ يزاول هذا في عالم الواقع يدعيه - ولو لم يقل بلسانه - فالعمل دليل أقوي من القول ..
وإن الطاغوت لا يقوم إلا في غيبة الدين القيم والعقيدة الخالصة عن قلوب الناس ... فما يمكن أن يقوم وقد أستقر في اعتقاد الناس فعلاً أن الحكم لله وحده ... لأن العبادة لا تكون إلا لله وحده ... والخضوع للحكم عبادة ... بل هي أصل مدلول العبادة ...
وإلي هنا يبلغ يوسف أقصي الغاية من الدرس الذي ألقاه مرتبطاً في مطلعه بالأمر الذي يشغل بال صاحبه .. في السجن ... ومن ثم فهو يؤول لها الرؤيا في نهاية الدرس ... ليزيدهما ثقة في قوله كله وتعلقاً به ...
( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ) الاية 41 سورة يوسف .
ولم يعين من هو صاحب البشرى ومن هو صاحب المصير السئ تلطفاً وتحرجاً من المواجهة بالشر والسوء ...
ولكنه أكد لهما الأمر واثقاً من العلم الذي وهبه الله له ...
وأن ما سيحدث لكما أمر واقع قد إنتهي فهو كائن كما قضاه الله ...
والي اللقاء في الحلقة ( 34 )
الننو دا 01-05-2012, 12:01 الحلقة ( 34 ) أنواع الشرك
الشرك نوعان : شرك أكبر مخرج عن الملة وشرك دون ذلك
النوع الاول : الشرك الاكبر وهو : كل شرك اطلقه الشارع وهو يتضمن خروج الانسان عن دينه مثل ان يصرف شيئاً من انواع العبادة لله عز وجل لغير الله ، كأن يصلي لغير الله أو يصوم لغير الله أو يذبح لغير الله وكذلك من الشرك الاكبر أن يدعو غير الله عز وجل مثل ان يدعو صاحب قبر ، او يدعو غائباً ليغيثه من أمر لا يقدر عليه إلا الله عز وجل . وانواع الشرك معلومة في ما كتبه أهل العلم .
النوع الثاني : الشرك الاصغر وهو كل عمل قولي ، او فعلي أطلق عليه الشرع وصف الشرك ، ولكنه لا يخرج عن الملة مثل : الحلف بغير الله فإن النبي صلي الله عليه وسلم قال :( من حلف بغير الله فقد كفر أو اشرك ) الحالف بغير الله الذي لا يعتقد أن لغير الله تعالي من العظمة ما يماثل عظمة الله فهو مشرك شركاً أصغر سواء كان هذا المحلوف به معظماً من البشر أم غير معظم ، فلا يجوز الحلف بالنبي صلي الله عليه وسلم ، ولا برئيس ولا وزير ولا يجوز الحلف بالكعبة ولا بجبريل وميكائيل لان هذا شرك لكنه شرك اصغر لا يخرج من الملة .
من انواع الشرك الاصغر : الرياء مثل ان يقوم الانسان يصلي لله عز وجل ولكنه يزين صلاته لانه يعلم أن احداً من الناس ينظر اليه فيزين صلاته من اجل مراعاة الناس . فهذا مشرك شركاً اصغر لانه فعل العبادة لله لكن أدخل عليها هذا التزيين مراءاة للخلق ، وكذلك لو انفق ماله في شئ يتقرب به الي الله لكنه اراد أن يمدحه الناس بذلك فإنه مشرك شركاً اصغر . وانواع الشرك الاصغر كثيرة معلومة في كتب اهل العلم .
الننو دا 02-05-2012, 13:04 الحلقة ( 35 )
( الاخلاق والصفات التي ينبغي للدعاة أن يتخلقوا بها وأن يسيروا عليها )
من الاخلاق التي ينبغي لك أن تكون عليها أيها الداعية ، أن تكون حليما في دعوتك .
رفيقاً فيها ، محتملا صبورا ، كما فعل الرسل عليهم الصلاة والسلام ، إياك والعجلة
أياك والعنف والشدة ، عليك بالصبر ، عليك بالحلم ، عليك بالرفق في دعوتك وهذه
بعض الادلة علي ذلك . قال تعالي :
( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) سورة النحل الاية 125
وقوله سبحانه وتعالي : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) سورة آل عمران الاية 159 . وقوله جل وعلا في قصة موسي وهارون : ( فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) سورة طه الاية 44
وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلي الله عليه وسلم :( اللهم من ولي من امر امتي شيئاً فرفق بهم فأرفق به ، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه ) . فعليك يا عبدالله ان ترفق في دعوتك ولا تشق علي الناس ، ولا تنفرهم من الدين ، ولا تنفرهم بغلظتك ولا بجهلك ، ولا بأسلوبك العنيف المؤذي الضار ، عليك أن تكون حليماً صبورا سلس القيادة ، لين الجانب ، طيب الكلام حتي تؤثر في قلب أخيك ، وحتي تؤثر في قلب المدعو ، وحتي يأنس لدعوتك ويلين لها ، ويتأثر بها ، ويثني عليك بها ويشكرك عليها ، أما العنف فهو منفر لا مقرب ، ومفرق لا جامع ومن الاخلاق والاوصاف التي ينبغي بل يجب ان يكون عليها الداعية ، العمل بدعوته وان يكون قدوة صالحة فيما يدعو اليه ، ليس ممن يدعو الي شئ ثم يتركه ، أو ينهي عنه ثم يرتكبه ، هذه حال الخاسرين نعوذ بالله من ذلك أما المؤمنون الرابحون فهم دعاة الحق يعملون به وينشطون فيه ويسارعون اليه ويبتعدون عما ينهون عنه ، قال الله جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) سورة الصف الايتان 3،2 .
وقال سبحانه موبخاً اليهود علي أمرهم الناس بالبر ونسيان أنفسهم : ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) سورة البقرة الاية 44 .
وصح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : ( يؤتي بالرجل يوم القيامة فيُلقي في النار فتندلق اقتاب بطنه فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحي ، فيجتمع عليه اهل النار فيقولون له يا فلان ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر ، فيقول بلي كنت آمر بالمعروف ولا آتيه ، وانهاكم عن المنكر وآتيه ) . هذه حال من دعا الي الله وامر بالمعروف ونهي عن المنكر ، ثم خالف قوله فعله وفعله قوله ، نعوذ بالله من ذلك ، فمن أهم الاخلاق ومن أعظمها في حق الداعية ، أن يعمل بما يدعو إليه ، وأن ينتهي عما ينهي عنه ، وأن يكون ذا خلق فاضل ، وسيرة حميدة ، وصبر ومصابرة ، واخلاص في دعوته ، واجتهاد فيما يوصل الخير الي الناس ، وفيما يبعدهم من الباطل ، وأن يدعو للناس بالهداية ويقول للمدعو له : هداك الله ، وفقك الله لقبول الحق ، قال النبي عليه الصلاة والسلام لما قيل عن ( دوس ) إنهم عصوا ، قال ( اللهم أهد دوساً وأت بهم ) .. تدعوا له بالهداية والتوفيق لقبول الحق ، وتصبر وتصابر في ذلك ، ولا تقنط ولا تيأس ولا تقل إلا خيراً ، ولا تعنف ولا تقل كلاماً سيئاً ينفر من الحق ، ولكن من ظلم وتعدي له شأن آخر كما قال الله جل وعلا : ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) سورة العنكبوت الاية 46 .
فالظالم الذي يقابل الدعوة بالشر والعناد والاذى ، له حكم آخر ، في الامكان تأديبه علي ذلك بالسجن أو غيره ، ويكون تأديبه علي حسب مراتب الظلم ، لكن ما دام كافاً عن الآذى ، فعليك أن تصبر عليه ، وتحتسب وتجادله بالتي هي احسن ، وتصفح عما يتعلق بشخصك من بعض الأذى ، كما صبر الرسل وأتباعهم بإحسان .
الننو دا 02-05-2012, 13:05 الحلقة ( 35 )
( الاخلاق والصفات التي ينبغي للدعاة أن يتخلقوا بها وأن يسيروا عليها )
من الاخلاق التي ينبغي لك أن تكون عليها أيها الداعية ، أن تكون حليما في دعوتك .
رفيقاً فيها ، محتملا صبورا ، كما فعل الرسل عليهم الصلاة والسلام ، إياك والعجلة
أياك والعنف والشدة ، عليك بالصبر ، عليك بالحلم ، عليك بالرفق في دعوتك وهذه
بعض الادلة علي ذلك . قال تعالي :
( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) سورة النحل الاية 125
وقوله سبحانه وتعالي : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) سورة آل عمران الاية 159 . وقوله جل وعلا في قصة موسي وهارون : ( فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) سورة طه الاية 44
وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلي الله عليه وسلم :( اللهم من ولي من امر امتي شيئاً فرفق بهم فأرفق به ، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه ) . فعليك يا عبدالله ان ترفق في دعوتك ولا تشق علي الناس ، ولا تنفرهم من الدين ، ولا تنفرهم بغلظتك ولا بجهلك ، ولا بأسلوبك العنيف المؤذي الضار ، عليك أن تكون حليماً صبورا سلس القيادة ، لين الجانب ، طيب الكلام حتي تؤثر في قلب أخيك ، وحتي تؤثر في قلب المدعو ، وحتي يأنس لدعوتك ويلين لها ، ويتأثر بها ، ويثني عليك بها ويشكرك عليها ، أما العنف فهو منفر لا مقرب ، ومفرق لا جامع ومن الاخلاق والاوصاف التي ينبغي بل يجب ان يكون عليها الداعية ، العمل بدعوته وان يكون قدوة صالحة فيما يدعو اليه ، ليس ممن يدعو الي شئ ثم يتركه ، أو ينهي عنه ثم يرتكبه ، هذه حال الخاسرين نعوذ بالله من ذلك أما المؤمنون الرابحون فهم دعاة الحق يعملون به وينشطون فيه ويسارعون اليه ويبتعدون عما ينهون عنه ، قال الله جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) سورة الصف الايتان 3،2 .
وقال سبحانه موبخاً اليهود علي أمرهم الناس بالبر ونسيان أنفسهم : ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) سورة البقرة الاية 44 .
وصح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : ( يؤتي بالرجل يوم القيامة فيُلقي في النار فتندلق اقتاب بطنه فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحي ، فيجتمع عليه اهل النار فيقولون له يا فلان ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر ، فيقول بلي كنت آمر بالمعروف ولا آتيه ، وانهاكم عن المنكر وآتيه ) . هذه حال من دعا الي الله وامر بالمعروف ونهي عن المنكر ، ثم خالف قوله فعله وفعله قوله ، نعوذ بالله من ذلك ، فمن أهم الاخلاق ومن أعظمها في حق الداعية ، أن يعمل بما يدعو إليه ، وأن ينتهي عما ينهي عنه ، وأن يكون ذا خلق فاضل ، وسيرة حميدة ، وصبر ومصابرة ، واخلاص في دعوته ، واجتهاد فيما يوصل الخير الي الناس ، وفيما يبعدهم من الباطل ، وأن يدعو للناس بالهداية ويقول للمدعو له : هداك الله ، وفقك الله لقبول الحق ، قال النبي عليه الصلاة والسلام لما قيل عن ( دوس ) إنهم عصوا ، قال ( اللهم أهد دوساً وأت بهم ) .. تدعوا له بالهداية والتوفيق لقبول الحق ، وتصبر وتصابر في ذلك ، ولا تقنط ولا تيأس ولا تقل إلا خيراً ، ولا تعنف ولا تقل كلاماً سيئاً ينفر من الحق ، ولكن من ظلم وتعدي له شأن آخر كما قال الله جل وعلا : ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) سورة العنكبوت الاية 46 .
فالظالم الذي يقابل الدعوة بالشر والعناد والاذى ، له حكم آخر ، في الامكان تأديبه علي ذلك بالسجن أو غيره ، ويكون تأديبه علي حسب مراتب الظلم ، لكن ما دام كافاً عن الآذى ، فعليك أن تصبر عليه ، وتحتسب وتجادله بالتي هي احسن ، وتصفح عما يتعلق بشخصك من بعض الأذى ، كما صبر الرسل وأتباعهم بإحسان .
الننو دا 03-05-2012, 10:56 الحلقة ( 36 )
( رد المظلمة )
شرح يوسف للسجين البرئ الذي ظن أنه سيطلق سراحه من السجن وأنه سيرجع إلي عمله ثانياً ... ساقياً للملك وضح له حقيقة حادث امرأة العزيز وحادث النسوة ... وأن الموضوع ربما قد صور للملك تصويراً مقلوباً ... كما يقع عادة في مثل هذه الاوساط وطلب منه يوسف أن يبلغ أمره إلي الملك .
( وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ) سورة يوسف الاية 42
أذكر حالي ووضعي وحقيقتي عند سيدك وحاكمك الذي تدين بشرعه وتخضع لحكمه ... فهو بهذا ربك ... فالرب هو السيد والحاكم والقاهر والمشرع ... وفي هذا توكيد لمعني الربوبية في المصطلح الاسلامي ...
ومما يلاحظ أن ملوك الرعاه ( الهكسوس ) لم يكونوا يدعون الربوبية قولاً كالفراعنة ... ولم يكونوا ينتسبون إلي الإله أو الآلهة كالفراعنة ولم يكن لهم مظاهر الربوبية إلا الحاكمية ... وهي نص في معني الربوبية ...
وهنا يسقط السياق أن التأويل قد تحقق ... وان الامر قد قضي علي ما أوله يوسف ... ويترك هنا فجوة ... نعرف منها أن هذا كله قد كان ... ولكن الذي ظن يوسف أنه ناج فنجا فعلاً ... ولكنه لم ينفذ الوصية ... ونسي الدرس الذي لقنه له يوسف ... ونسي ذكر ربه في زحمة حياة القصر وملهياتها ... وقد عاد إليها ... فنسي يوسف وأمره كله ...
( فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) سورة يوسف الاية 42 .
وقد شاء الله أن يٌعلم يوسف كيف يقطع الاسباب كلها ...
ويستمسك بسببه وحده ... فلم يجعل حاجته علي يد عبد ...
ولا سبب يرتبط بعبد ... وكان هذا من اصطفائه وإكرامه ...
إن عباد الله المخلصين ينبغي أن يخلصوا له سبحانه ... وأن يدعوا له وحده ... ويدعوا له سبحانه تقبل خطئهم ... وحين يعجزون بضعفهم البشرى ... في أول الامر عن اختيار هذا السلوك ... يتفضل الله سبحانه فيقهرهم عليه ... حتي يعرفوه ويتذوقوه ويلتزموه ... بعد ذلك ... طاعة ... ورضي ... وحباً ... وشوقاً ... فيتم عليهم فضله بذلك .
الننو دا 03-05-2012, 10:57 الحلقة ( 36 )
( رد المظلمة )
شرح يوسف للسجين البرئ الذي ظن أنه سيطلق سراحه من السجن وأنه سيرجع إلي عمله ثانياً ... ساقياً للملك وضح له حقيقة حادث امرأة العزيز وحادث النسوة ... وأن الموضوع ربما قد صور للملك تصويراً مقلوباً ... كما يقع عادة في مثل هذه الاوساط وطلب منه يوسف أن يبلغ أمره إلي الملك .
( وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ) سورة يوسف الاية 42
أذكر حالي ووضعي وحقيقتي عند سيدك وحاكمك الذي تدين بشرعه وتخضع لحكمه ... فهو بهذا ربك ... فالرب هو السيد والحاكم والقاهر والمشرع ... وفي هذا توكيد لمعني الربوبية في المصطلح الاسلامي ...
ومما يلاحظ أن ملوك الرعاه ( الهكسوس ) لم يكونوا يدعون الربوبية قولاً كالفراعنة ... ولم يكونوا ينتسبون إلي الإله أو الآلهة كالفراعنة ولم يكن لهم مظاهر الربوبية إلا الحاكمية ... وهي نص في معني الربوبية ...
وهنا يسقط السياق أن التأويل قد تحقق ... وان الامر قد قضي علي ما أوله يوسف ... ويترك هنا فجوة ... نعرف منها أن هذا كله قد كان ... ولكن الذي ظن يوسف أنه ناج فنجا فعلاً ... ولكنه لم ينفذ الوصية ... ونسي الدرس الذي لقنه له يوسف ... ونسي ذكر ربه في زحمة حياة القصر وملهياتها ... وقد عاد إليها ... فنسي يوسف وأمره كله ...
( فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) سورة يوسف الاية 42 .
وقد شاء الله أن يٌعلم يوسف كيف يقطع الاسباب كلها ...
ويستمسك بسببه وحده ... فلم يجعل حاجته علي يد عبد ...
ولا سبب يرتبط بعبد ... وكان هذا من اصطفائه وإكرامه ...
إن عباد الله المخلصين ينبغي أن يخلصوا له سبحانه ... وأن يدعوا له وحده ... ويدعوا له سبحانه تقبل خطئهم ... وحين يعجزون بضعفهم البشرى ... في أول الامر عن اختيار هذا السلوك ... يتفضل الله سبحانه فيقهرهم عليه ... حتي يعرفوه ويتذوقوه ويلتزموه ... بعد ذلك ... طاعة ... ورضي ... وحباً ... وشوقاً ... فيتم عليهم فضله بذلك .
الننو دا 03-05-2012, 11:50 الحلقة ( 37 )
( وقفة تأمل )
المسلم الحصيف لا يجرد يوسف عليه السلام من بشريته ... بكل معاني البشرية ... لكنه بشر ... يوحي إليه ... والبشر يخطئ ويصيب ... وذو الايمان الثابت ... واليقين الراسخ لا يستسلم لحالات الضعف البشرى التي هي من جبلته وطبعه .
( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) سورة الروم الاية 30 .
( كل بني ادم خطاء وخير الخطائين التوابون ) حديث
والانبياء يسارع الوحي إليهم للتصويب ... وتلك هي العصمة التي يمتاز بها الانبياء من دون سائر البشر ... فلم يخرج موقفه عن برهة ضعف بشري اعترته كسحابة صيف عن قليل تنقشع ...
( فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) سورة يوسف الاية 42
فدفع الثمن من حريته ...
( فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) سورة يوسف الاية 42
... ذلك ليعلم يوسف عليه السلام ويعلم كل البشر أن الاعتماد والاستعانة والتوكل يختص بها الحق سبحانه :
( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا 2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) سورة الطلاق الايتان 3،2 .
وذكر الله عز وجل هو الشفاء لكل داء وخصوصاً لمن أنساه الشيطان ذكر ربه :
( وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ) سورة الكهف الاية 24 .
فلم يلبث يوسف عليه السلام أن استعاذ بالله من هذا اللعين الذي إذا يئس من ابن آدم ... فلم يفلح في إغوائه لارتكاب المعصية جاءه من قبل الطاعة ... خسئ ولعن ... إنه قوى لدي الضعفاء ...
( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ 16 ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) سورة الاعراف الايتان 17،16 .
... ولكنه اللعين ... ضعيف امام الاقوياء ...
( فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ) سورة النساء الاية 76 .
( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) سورة آل عمران الاية 175 .
إن كل سجين ... بلا مدة محددة ولا أجل معلوم ... يعيش دائماً علي أمل ... ولا يجب أن يكون ذلك الامل من البشر ... ولكن يجب أن يكون ذلك الامل من الله سبحانه وتعالي ...
فليس إلا ...
الدعاء ... والاستغفار ... والذكر ... والصلاة ... والقيام ... وقراءة القرآن ... إلخ ...
إن الله لا يقبل دعاء ... من لا يصلي ...
إن الله لا يقبل دعاء ... من لا يصوم رمضان ...
إن الله لا يقبل دعاء ... الكاذب ...
إن الله لا يقبل دعاء ... من لا يتقيد بالخلق الاسلامي ...
ولا ينسي الاسباب البشرية ...
ولكن ... أولاً ... وقبل كل شئ ...
الاستغاثة بالله ...
ثم ثانياً ...
الوسائل المادية ...
إن تأخير إطلاق سراح السجين المؤمن ليس معناه عدم قبول الاستغاثة ...
ولكنها حكمة لا يعلمها إلا الله
لماذا تأخر إخراج يونس من بطن الحوت ...
لحكمة لا يعلمها إلا الله ...
لماذا تأخر شفاء أيوب من مرضه ...
لحكمة لا يعلمها إلا الله ...
لماذا تأخر اطلاق يوسف من السجن
لحكمة لا يعلمها إلا الله ...
ألم يكن قادراً علي نصرة المسلمين في غزوة احد كما نصرهم في غزوة بدر ؟
ولكنها دروس من الله سبحانه وتعالي للمسلمين ...
حتي المجرم الذي اجرم ... ومهما كان جرمه ...
وسجن ... ثم تاب ... توبة نصوحاً ... واستغاث بالله ... وتأخر إطلاق سراحه فليس معني ذلك أن الله لم يقبل توبته ...
ولكنها إرادة الله وحكمته ...
وليس علي السجين ... إلا أن يفوض أمره إلي الله ...
ويكثر من العبادة ... والذكر ... والدعاء ... والاستغاثة ويرضي بقضاء الله وقدره ...
( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) سورة البقرة الاية 186 .
روى أن جبريل جاء إلي يوسف وهو في السجن معاتباً له فقال له يا يوسف ...
من خلصك من القتل من أيد أخوتك ؟
قال يوسف ...
الله سبحانه وتعالي ...
قال جبريل ...
فمن اخرجك من الجب ؟
قال يوسف ...
الله تعالي ...
قال جبريل ...
فمن عصمك من الفاحشة ؟
قال يوسف ...
الله تعالي ...
قال جبريل ...
فمن صرف عنك كيد النساء ظ
قال يوسف ...
الله تعالي ...
قال جبريل ...
فكيف تركت ربك لم تسأله ووثقت بمخلوق ...؟
قال يوسف ...
يارب ...
كلمة زلت مني ...
أسألك يا اله إبراهيم وآله ...
والشيخ يعقوب عليهم السلام ...
أن ترحمني ...
فقال له جبريل ...
فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين .....
والي اللقاء في الحلقة القادمة ... كونو معنا ..
الننو دا 03-05-2012, 11:50 الحلقة ( 37 )
( وقفة تأمل )
المسلم الحصيف لا يجرد يوسف عليه السلام من بشريته ... بكل معاني البشرية ... لكنه بشر ... يوحي إليه ... والبشر يخطئ ويصيب ... وذو الايمان الثابت ... واليقين الراسخ لا يستسلم لحالات الضعف البشرى التي هي من جبلته وطبعه .
( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) سورة الروم الاية 30 .
( كل بني ادم خطاء وخير الخطائين التوابون ) حديث
والانبياء يسارع الوحي إليهم للتصويب ... وتلك هي العصمة التي يمتاز بها الانبياء من دون سائر البشر ... فلم يخرج موقفه عن برعة ضعف بشري اعترته كسحابة صيف عن قليل تنقشع ...
( فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) سورة يوسف الاية 42
فدفع الثمن من حريته ...
( فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) سورة يوسف الاية 42
... ذلك ليعلم يوسف عليه السلام ويعلم كل البشر أن الاعتماد والاستعانة والتوكل يختص بها الحق سبحانه :
( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا 2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) سورة الطلاق الايتان 3،2 .
وذكر الله عز وجل هو الشفاء لكل داء وخصوصاً لمن أنساه الشيطان ذكر ربه :
( وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ) سورة الكهف الاية 24 .
فلم يلبث يوسف عليه السلام أن استعاذ بالله من هذا اللعين الذي إذا يئس من ابن آدم ... فلم يفلح في إغوائه لارتكاب المعصية جاءه من قبل الطاعة ... خسئ ولعن ... إنه قوى لدي الضعفاء ...
( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ 16 ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) سورة الاعراف الايتان 17،16 .
... ولكنه اللعين ... ضعيف امام الاقوياء ...
( فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ) سورة النساء الاية 76 .
( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) سورة آل عمران الاية 175 .
إن كل سجين ... بلا مدة محددة ولا أجل معلوم ... يعيش دائماً علي أمل ... ولا يجب أن يكون ذلك الامل من البشر ... ولكن يجب أن يكون ذلك الامل من الله سبحانه وتعالي ...
فليس إلا ...
الدعاء ... والاستغفار ... والذكر ... والصلاة ... والقيام ... وقراءة القرآن ... إلخ ...
إن الله لا يقبل دعاء ... من لا يصلي ...
إن الله لا يقبل دعاء ... من لا يصوم رمضان ...
إن الله لا يقبل دعاء ... الكاذب ...
إن الله لا يقبل دعاء ... من لا يتقيد بالخلق الاسلامي ...
ولا ينسي الاسباب البشرية ...
ولكن ... أولاً ... وقبل كل شئ ...
الاستغاثة بالله ...
ثم ثانياً ...
الوسائل المادية ...
إن تأخير إطلاق سراح السجين المؤمن ليس معناه عدم قبول الاستغاثة ...
ولكنها حكمة لا يعلمها إلا الله
لماذا تأخر إخراج يونس من بطن الحوت ...
لحكمة لا يعلمها إلا الله ...
لماذا تأخر شفاء أيوب من مرضه ...
لحكمة لا يعلمها إلا الله ...
لماذا تأخر اطلاق يوسف من السجن
لحكمة لا يعلمها إلا الله ...
ألم يكن قادراً علي نصرة المسلمين في غزوة احد كما نصرهم في غزوة بدر ؟
ولكنها دروس من الله سبحانه وتعالي للمسلمين ...
حتي المجرم الذي اجرم ... ومهما كان جرمه ...
وسجن ... ثم تاب ... توبة نصوحاً ... واستغاث بالله ... وتأخر إطلاق سراحه فليس معني ذلك أن الله لم يقبل توبته ...
ولكنها إرادة الله وحكمته ...
وليس علي السجين ... إلا أن يفوض أمره إلي الله ...
ويكثر من العبادة ... والذكر ... والدعاء ... والاستغاثة ويرضي بقضاء الله وقدره ...
( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) سورة البقرة الاية 186 .
روى أن جبريل جاء إلي يوسف وهو في السجن معاتباً له فقال له يا يوسف ...
من خلصك من القتل من أيد أخوتك ؟
قال يوسف ...
الله سبحانه وتعالي ...
قال جبريل ...
فمن اخرجك من الجب ؟
قال يوسف ...
الله تعالي ...
قال جبريل ...
فمن عصمك من الفاحشة ؟
قال يوسف ...
الله تعالي ...
قال جبريل ...
فمن صرف عنك كيد النساء ظ
قال يوسف ...
الله تعالي ...
قال جبريل ...
فكيف تركت ربك لم تسأله ووثقت بمخلوق ...؟
قال يوسف ...
يارب ...
كلمة زلت مني ...
أسألك يا اله إبراهيم وآله ...
والشيخ يعقوب عليهم السلام ...
أن ترحمني ...
فقال له جبريل ...
فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين .....
والي اللقاء في الحلقة القادمة ... كونو معنا ..
الننو دا 04-05-2012, 16:28 الحلقة ( 38 )
افتراض خروج يوسف من السجن بعد توصيته لساقي الملك ..
لو فرضنا بأن ساقي الملك قد أبلغ الملك بمظلمة يوسف وأمر الملك باطلاق سراحه ...
أين كان سيذهب يوسف بعد خروجه من السجن ... إنه عبد مملوك لدي العزيز وربما يرجع للعمل في قصر العزيز ... حيث انتقام زليخا منه ... أو حيث متابعة إغرائه باساليب أخرى ، ولكن لحكمة لا يعلمها إلا الله تأخر خروج يوسف من السجن حتي خرج من السجن وهو حاكماً ... ليس علي مصر وحدها ... بل مهيمناً علي اقتصاديات الشرق الاوسط ...
ولذلك ليس علي المؤمن إلا الدعاء ... ومتابعة الدعاء ... وعدم اليأس ...
( وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) سورة يوسف الاية 87 .
( اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه ) رواه الترمذى .
( اللهم رضنا بقضائك وبارك لنا فيما قدرت لنا ... حتي لا نحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت ) رواه الترمذى .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
أصبح الملك علي رؤيا ...
أهمته ... وأفزعته ... وأقلقته ...
رأي نفسه يقف علي شاطئ النيل ... وكأن ماء النيل يهبط أمام عينيه ... راح ماؤه يغيص ... حتي تحول النهر إلي خيط من الطين الخال من الماء ...
وراحت الاسماك تقفز وتتواثب حتي أختفت في طين النهر ...
وخرجت من النهر سبع بقرات سمان ...
وخرجت وراءها سبع بقرات هزيلة ...
هاجمت البقرات الهزيلة الابقار السمينة ... وهي تتغيب في جوف الابقار الهزيلة ...
ثم نبتت علي شاطئ النيل سبع سنبلات خضر ...
ثم غابت السنابل الخضر في الطين ... ونبتت في نفس الموضع سبع سنبلات يابسات ...
... استيقظ الملك فزعاً من نومه ...
... أحس بانقباض شديد في صدره ...
... أستدعي العرافين والكهنة ... وقص عليهم حلمه ... وطلب منهم تفسيره قال العراف :
هذه الاشياء مختلطة ... كيف تأكل سبع بقرات هزيلة سبع بقرات سمينة ... هذه أضغاث احلام ...
وقال الكاهن :
لعل مولاى أثقل علي نفسه في العشاء قليلاً ...
وقال مهرج الملك وهو يمازحه :
أبداً مولاي يكبر في السن وتختلط أحلامه
وهكذا ... اتفقت الآراء علي أن حلم الملك بلا معني
وأنه أضغاث احلام .
لقد نسي ساقي الملك يوسف ... رغم أن يوسف أوصاه قبل خروجه من السجن ...
( فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) سورة يوسف الاية 42 .
وبعد رؤيا الملك ...
وجد الساقي أن الفرصة سانحة لخدمة صديقه الحميم يوسف الذي نسيه في السجن تلك الفترة ...
ثم ليتقرب إلي الملك ويبرهن له أنه ليس ساقيه فحسب . بل إنه يقدم له خدماته في مهام أخرى ...
قال الساقي ...
أيها الملك ... إن بالسجن فتي كريماً ... صائب الفكر ... ملهم الرأى ... يكشف ودائع الغيوب بنور عقله ... ويصيب مشاكلة الصواب بثاقب تدبيره ... تعرض عليه الرؤيا ... فيجيد الفكرة فيها ... ثم يخرج بعد ذلك بالرأي الوثيق ... والتأويل الصادق ... أخلاقه فوق الحسن وطباعه فوق الشبهات ... خدوم العشرة ... متواضع المنزلة ... ليس بإنسان ... بل هو من طينة أخرى ...
... لو أرسلتني إليه ... لجئتك من عنده بالخبر اليقين ...
.... وإلي اللقاء في الحلقة القادمة ....
الننو دا 05-05-2012, 15:32 الحلقة ( 39 )
... الزيارة الطارئة ...
ونودي علي يوسف في السجن ...
والسجين حينما ينادي عليه في السجن ...
يعيش في أحلام ...
وبسرعة البرق ... يبدأ السجين يؤول ...
ماذا ... ياتري ... ؟
فربما للتحقيق ...
وربما للارغام علي الاعتراف بأشياء معينة ...
وربما لاكمال حصص التعذيب ...
وربما ... وربما ... وربما ...
فإن كان السجين ذا مال ... فما أكثر زياراته ...
وإن كان قريباً ... لهذا أو ذاك ... فالزيارة في أي وقت ... ليلاً أو نهاراً ... هذه هي لغة السجون ... وفلسفاتها ... غرباً وشرقاً ...
إلا ما رحم ربي ...
ودهش يوسف من زيارة صديقه ... بعد أن نسيه تلك الفترة الطويلة .
وما أراد ان يعاتبه ...
وكذلك الساقي ...
كان خجلاً من صديقه يوسف ... لنسيانه ... وعدم زيارته إبان المدة الماضية .
خاصة وأنه ساقي الملك ...
فقد كان بوسعه أن يعمل شيئاً ما ليوسف ...
ولو بزيارته ...
ولو بإرسال ملابس له ...
ولو بإرسال بعض المأكولات له
ولو بالتوصية عليه لإكرامه في السجن .
ولو ... ولو ... ولو ...
إنما هول المفاجأة ... أنست الاثنين ...
لقد وجد الساقي يوسف كما تركه ...
صابراً ... محتسباً ... مؤمناً ... قانتاً ...
وابتدره قائلاً ...
( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ) سورة يوسف الاية 46
والساقي يلقب يوسف بالصديق ... أي الصادق الكثير الصدق ... وهذا ما جربه عليه في شأنه من قبل ...
ونقل ألفاظ الملك التي قالها كاملة ... لأنه يطلب تأويلها ... فكان دقيقاً في نقلها ... وأثبتها السياق مرة أخرى ليبين هذه الدقة أولاً ... وليجئ تأويلها ملاحقاً في السياق لذكرها ...
ولكن كلام يوسف هنا ليس هو التأويل المباشر المجرد ... إنما هو التأويل والنصح بمواجهة عواقبه ... وهذا أكمل
( قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ) سورة يوسف الاية 47
أي متوالية متتابعة ... وهي السنوات السبع المخصبة المرموز لها بالبقرات السمان ...
( فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ) سورة يوسف الاية 47
أي فاتركوه في سنابله لأن هذا يحفظه من السوس والمؤثرات الجوية .
( إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ) سورة يوسف الاية 47
فجردوه من سنابله ... واحتفظوا بالبقية للسنوات القادمة المجدبة المرموز لها بالبقرات العجاف .
( ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ ) سورة يوسف الاية 48
لا زرع فيهن ...
( يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ) سورة يوسف الاية 48
وكأن هذه السنوات هي التي تأكل بذاتها كل ما يقدم لها لشدة نهمها وجوعها .
( إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ) سورة يوسف الاية 48
أي إلا قليلاً مما تحفظونه وتصونونه من التهامها ...
( ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) سورة يوسف الاية 49
أي ثم تنقضي هذه السنوات الشداد العجاف المجدبة ... التي تأتي علي ما خزنتم وادخرتم من سنوات الخصب ...
تنقضي ويعقبها عام رخاء يغاث الناس فيه بالزرع والماء ... وتنمو كرومهم فيعصرونها خمراً ... وسمسمهم وزيوتهم فيعصرونها زيتا وهنا نلحظ أن عام الرخاء هذا لا يقابله رمز في رؤيا الملك ...
فهو إذن من العلم اللدني الذي علمه الله يوسف فبشر به الساقي ليبشر به الملك والناس ... بالخلاص من الجدب والجوع بعام رخي رغيد ...
حينما وصل إلي الملك تفسير يوسف لرؤياه
فطن وأدرك أن وراء ذلك عقلاً حصيفاً ... وفكراً ملهماً فدعاه إليه ...
ليختبره ... ويدرك به غايته ... ويستفيد من رأيه وعلمه ...
ورجع الرسول الي يوسف مرة ثانية ...
وناداه ...
يا يوسف ...
إن الملك يدعوك إلي حضرته ...
ويطلبك إلي مجلسه ...
فقد رأي في تعبيرك علماً غزيراً
ولمح من نصحك رأياً حصيفاً
وبذلك ...
يرتفع مقدارك ... ويطلع نهارك ...
ولكن يوسف كان رسولاً كريماً ...
وعلمه ربه كيف يكون صبوراً حليماً ...
فما استجاب للكلمة الاولي ...
وهو أحوج ما يكون إلي الإنطلاق من الأسر ومفارقة السجن ... فقد طال
عهده بوحشته وظلامه ...
واحزانه والآمه ...
وقد مرت عليه سنوات شديدة ...
لم ير الشمس الطالعة ...
ولا البدور المتألقة ...
ولا النجوم المتشابكة ...
ولا الزروع الفاخرة ...
بل لعله أمضي سنين سجنه لم يذق إلا طعاماً يابساً ...
وخبزاً غير مأدوم ...
وماءً كدراً ...
ولعل رجليه لم تحرم يوماً من قيد غليظ ...
ويديه لم تسلم من غلٌ ثقيل ...
ولعله أيضاً آذته ليال افترش فيها الارض ...
وتوسد الحجر ...
ونام علي الالم ...
وهو مع تلك الايام التي شاهد ... والمصائب التي لاقي ...
لم يكن إلا مظلوماً مغلوباً علي أمره ...
يلقي العذاب ثمناً لما أدٌرع به من عصمة ... وإيمان ...
ونزاهة ... وطهارة ...
فما أحب أن يخرج من سجنه ... ممنوناً عليه بعفو ... أو متفضلاً عليه بشئ بل قال للرسول
( ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ) سورة يوسف الاية 50
لم يكشف له عن القصة ... ولا أوضحها له ... لأن السؤال مجملاً مما يهيج الملك علي الكشف والبحث والاستعلام ... فيثبت البراءة ...
وإنما كان السؤال المجمل يهيج الانسان ويحركه للبحث عنه ... لأنه يأنف من جهله ... وعدم العلم به ...
قال العلماء إنما تأني وتثبت في إجابة الملك ... وقدم سؤال النسوة لتظهر براءة ساحته عما سجن فيه ... ولئلا يتسقل به الحاسدون .
عن النبي صلي الله عليه وسلم :
( لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له . حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ، ولو كنت مكانه ما اجبتهم حتي اشترط أن يخرجوني ، ولقد عجبت فيه حين اتاه الرسول فقال ( ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ) ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت ، لأسرعت الاجابة ، وبادرتهم بالباب ، ولما ابتغيت الغدر ، أن كان حليماً ذا أناة )
وعن ابي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :
( لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لاجبت الداعي )
ولقد مدحه رسول الله صلي الله عليه وسلم علي هذه الاناة ...
وكان في طي هذه المدحة بالاناة ... والتثبت ... تنزيهه وتبرئته مما لعله يسبق الوهم أنه هم بامرأة العزيز مما يؤاخذ به ... لأنه إذا صبر وتثبت فيما له أن لا يصبر فيه وهو الخروج من السجن ...
مع أن الدواعي متوفرة علي الخروج منه فيما يصبر فيه من الهم ... اولي ...
... قالوا ...
وإنما لم يتعرض لامرأة العزيز ... رغم ما لقي منها محافظة علي مواجب الحقوق ... واحترازاً من مكرها ..
وأما النسوة فقد كان يطمع صدعهن بالحق ... وشهادتهن بإقرارها بانها هي التي راودته عن نفسه ... فاستعصم .
ولذلك إقتصر علي وصفهن بتقطيع الايدى ... ولم يصرح بمراودتهن له ... وقولهن ( اطع مولاتك ) ...
وأكتفي بالايماء إلي ذلك بقوله ( إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ) سورة يوسف الاية 50
لكن ما لايدرك كله ... لا يترك كله ...
وفيه تشويق وبعث علي معرفته ... فهو تتميم لقوله ...
( أساله ) ودلالة علي أنه برئ مما قرن به ... للاستشهاد بعلمه تعالي عليه ... وفيه الوعيد لهن علي كيدهن .
... والي اللقاء في الحلقة القادمة ...
الننو دا 09-05-2012, 10:05 الحلقة ( 40 )
...التحقيق ...
ووصل الملك رد يوسف ...
فظن أنه كانت هناك مؤامرة كبيرة من هؤلاء النسوة ...
إذن ... لابد أن تعلن حالة الطوارئ ...
وتم استدعاء رؤساء الجهات الامنية ... لمعرفة من هؤلاء النسوة ...
وأصبحت الجهات الأمنية لا هم لها إلا معرفة هؤلاء النسوة ...
... وتمت التحريات ... وتم تحديد هؤلاء النسوة ... وتم استدعاؤهن ...
وقام الملك بنفسه باستجواب النسوة ...
وعلي رأسهن ... زليخا ... امرأة العزيزة ...
يا لهول ... القضية ...!!!
الملك بنفسه يتولي التحقيق ...
لقد واجههن بالحقيقة ... وهن زوجات كبار القوم ...
وهن يعرفن جميعاً ... مآل من ينكر ...
إنهن يعرفن تماماً ... قضايا مشابهة ...
ومن أنكر ... ولم يعترف ... ماذا كان مآله ...
يعرفن جميعاً كافة طرق التعذيب المعمول بها في ذلك الوقت ...
فأثرن جميعاً السلامة ...
واعترفن جميعاً بما حصل في تلك الليلة ...
وكان سؤال الملك لهن ...
( قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ) سورة يوسف الاية 51
فكانت اجابة النسوة جميعاً ... وبصوت واحد ...
( قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ) سورة يوسف الاية 51
ووجدت زليخا نفسها مضطرة إلي الاعتراف الفورى وقالت :
( قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ ) الاية 51 سورة يوسف
ولم تكتف بذلك
بل مدحت يوسف وأثنت عليه وزادت
( وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) سورة يوسف الاية 51
أنا الذي أغويته ... ودعوته إلي نفسي ... وهو برئ من الخيانة ...
وكان صادقاً في قوله حينما قال ...
( قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ) سورة يوسف الاية 26
وهذا اعتراف صريح ببراءة يوسف علي رؤوس الاشهاد .
***********************
إن الاعيب النساء وكيدهن منذ بدء الخليقة ... فكثيراً ما لعبت النساء دوراً كبيراً في الاجهاز علي دول وانهيار حضارات وانهزام جيوش ... وكثيراً ماكانت النساء سلاحاً للكثير في التغلب علي الآخرين ... حتي بعض الانبياء ... كزوجة نبي الله لوط وزوجة نوح عليه السلام .
انهارت الاندلس ... بفعل النساء ... فلقد قيل في تاريخ الاندلس وسبب انهيارها ... بأن اعداء المسلمين في الاندلس أرادوا أن يضعوا خطة لغزو الاندلس فأرسلوا قسيساً في زي تاجر ليأتي بالاخبار ... وأثناء تجواله ... وجد غلاماً تحت شجرة ... يبكي ... فساله عن سبب بكائه فأجابه بأنه ضرب عصفوراً بنبلة فلم تصبه ... فرجع إلي قومه وقال لهم إنه لا يمكننا التغلب عليهم بالغزو العسكري ... وليس لنا إلا بالغزو الفكرى وغزو النساء ... فأرسلوا إليهم آلاف النساء ... تحت مسميات مختلفة ... خادمات ... مربيات ... وصيفات ... ممرضات ... الخ وبعد فترة انقلبن إلي خليلات ... عشيقات ... زوجات ... صديقات ... وكان لهن تأثير كبير في المجتمع الاندلسي وتحويل رجال الاندلس من مجاهدين ... وعلماء ... ومفكرين ... ومهندسين ... و ... و.... إلي عشاق ... وذيول نساء ... و...و... الخ ..
وبعد عشرين سنة ... بعدما تأكد أعداء المسلمين في الاندلس بأن خطتهم قد نجحت ... أرسلوا ذلك القسيس مرة ثانية في زي تاجر ... ليتأكد من نجاح الخطة وهي غزو الاندلس فكرياً ... ومن خلال ... نشر الفساد بواسطة جيش النساء الذين ارسلوه ...
وأثناء تجواله ... وبمروره علي تلك الشجرة الذي وجد الولد يبكي عندها ... وجد تحت ظل الشجرة شاباً يبكي ... وعندما تفرس في وجهه ... وجده نفس الغلام الذي كان يبكي تحت الشجرة منذ عشرين سنة ... لأن نبله لم يصب الطائر ... فسأله عن سبب بكائه ... فأجابه ...
بأنه تواعد مع عشيقتة بالتقابل تحت هذه الشجرة ولكنها لم تحضر ...
فرجع إلي قومه وقال لهم ...
أبشروا ... فإن الخطة قد نجحت ... وسرد لهم قصة الغلام حينما كان يبكي لأنه لم يصب بنبله الطائر ، وقصته بعد ذلك عن بكائه لأن عشيقته لم تحضر .
وحينما وجه اعداء الاسلام جيوشهم الي الاندلس بعد ذلك ... لم يجدوا ... هؤلاء المجاهدين من ذرية طارق بن زياد وموسي بن نصير ...
بل وجدوا ... أشباه رجال تربوا علي أيدي ... هؤلاء الخادمات ... والمربيات ... والممرضات ... الخ وضاعت الاندلس ...
حتي الدولة العثمانية ... وهي في اوج قوتها ... حينما كانت تدق أبواب ... اوروبا ... لم تتقدم بمساعدة الدويلات المتناحرة في الاندلس ...
وهذا سؤال ... قد حير رجال التاريخ ...
لماذا لم تساعد الدولة العثمانية ... دويلات الاندلس ؟؟
*********************************************
نعود الي يوسف وملك مصر .
لذلك فإن الريان بن الوليد خاف علي ملكه ... وأراد أن يتأكد بنفسه أن لا توجد هناك أية مؤامرة علي ملكه ... وأن الموضوع فقط ... هو علاقات نسائية ... وهذه العلاقات عادية ... منذ أقدم العصور ... فكما كان عزيز مصر ... كالتيس ... يسجن يوسف ... بأمر زوجته ... ويرى خلاعة زوجته ولا يتحرك ... ففي عصرنا الحاضر يوجد ما يفوق ذلك ، ففي الحفلات الساهرة التي يقيمها كبار المسئولين ، أو تقام لهم بعض البلاد التي لا تحكم بالشريعة ... يأتي أحدهم إلي زوجة آخر ... ويسحب زوجته منه ... ويراقصها ويقف الزوج سعيداً ... لأن زوجته بارعة في الرقص ... ومع من ؟! مع آخر ...
هل هذا الذي يسمح لزوجته لمراقصة آخر ... أمين علي مركزه ؟... أن كان ... قاضياً أو وزيراً ... أو .. او.. الخ ...
كيف يكون اميناً علي مركزه وهو غير أمين علي زوجته ؟!!!
وحينما وجد الريان بن الوليد بأن تلك القضية بعيدة عن السياسة ...
فأنهي موضوع النسوة ... ولم يتخذ معهن أي إجراء وكان همه فقط ...
الاستعانة بيوسف في تفسير رؤياه وبعد ذلك الاستعانة به في تنفيذ اقتراحاته في الاربع عشرة سنة المقبلة ...
والي اللقاء في الحلقة القادمة ...
الننو دا 18-05-2012, 14:26 الحلقة ( 41 )
شهادة زليخا
بعد ان اعترفت زليخا امام الملك بأنها هي التي راودت يوسف وإنه من الصادقين ...
زادت ما يكشف عن أن قلبها لم يخل من إيثاره ورجاء تقديره ... والتفاته بعد كل هذا الامد .
وما يشي كذلك بأن عقيدة يوسف قد أخذت طريقها إلي قلبها فآمن ...
( ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ) سورة يوسف الاية 52
وهذا الاعتراف وما بعده يصوره السياق هنا بألفاظ موحية تشي بما وراءها من انفعالات ومشاعر .
كما يشي الستار الرقيق بما وراءه في ترفع وتجمل في التعبير
( أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) سورة يوسف الاية 51
شهادة كاملة بطهارته وبراءته وصدقه . لا تبالي المرأة ما ورائها ... فهل هو الحق وحده الذي يدفعها لهذا الإقرار الصريح في حضرة الملك والملأ ؟
يوحي السياق بحافز آخر . هو حرصها علي أن يحترمها الرجل المؤمن الذي لم يعبأ بفتنتها الجسدية أن يحترمها تقديراً لإيمانها ولصدقها وامانتها في حقه عند غيبته :
ثم تمضي في هذه المحاولة والعودة إلي الفضيلة التي يحبها يوسف ويقدرها .
( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) سورة يوسف الاية 53
إنها إمراة احبت . إمرأة تُكبر الرجل الذي تعلقت به في جاهليتها وإسلامها ... فهي لا تمتلك إلا أن تظل معلقة بكلمة منه أو خاطرة ارتياح تحس أنها صدرت عنه وهكذا يتجلي العنصر الإنسان في القصة التي لم تسق لمجرد الفن إنما سيقت للعبرة والعظة ... وسيقت لتعالج قضية العقيدة والدعوة ويرسم التعبير الفني فيها خفقات المشاعر وانتفاضات الوجدان رسماً رشيقاً رفيقاً شفيفاً ... في واقعة كاملة تتناسق فيها جميع المؤثرات وجميع الواقعيات في مثل هذه النفوس . في ظل بيئتها ومؤثرات هذه البئية كذلك .
مقابلة يوسف بالريان بن وليد ...
جاء الرسول الي يوسف فقال له :
أجب الملك الآن ..
فأجتمع يوسف بنزلاء السجن يودعهم ودعا لهم فقال :
.. اللهم عطف عليهم قلوب الاخيار ..
... وحينما خرج من السجن كتب علي بابه ...
... هذا قبر الاحياء ... وبيت الاحزان ... وتجربة الاصدقاء ... وشماتة الاعداء ...
ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس لباسا حسنا وقصد الملك فلما وقف بباب الملك ... قال ...
... حسبي ربي من دنياي ... وحسبي ربي من خلقه ... عز جاره ... وجل ثناؤه ... ولا إله غيره ...
ثم دخل علي الملك فقال ...
اللهم إني اسألك بخيرك من خيره ... وأعوذ بك من شره وشر غيره ...
فلما نظر إليه الملك
سأله ... ما هذا اللسان ؟
قال يوسف ...
لسان عمي إسماعيل ...
ثم دعا يوسف بالعبرانية فسأله الملك ...
... ما هذا اللسان ...؟
قال يوسف ... هذا لسان آبائى ...
ولم يعرف الملك هذين اللسانين ...
وكان الملك يتكلم بألسنة كثيرة
فلما تكلم الملك بلسان ... أجابه يوسف بنفس اللسان ... وزاد عليه بلسان العربية والعبرانية ...
فأعجب الملك ما رأي منه مع حداثة سنه ... فأجلسه وقال له :
( قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ) سورة يوسف الاية 54
وقال الملك ليوسف : إني أحب أن أسمع رؤياى من شفاها
فقال يوسف : نعم أيها الملك
إنك رايت سبع بقرات سمان شهب ... غر ... حسان ... كشف لك عنهن النيل ... فطلعن عليك من شاطئه ... تشخب أخلافهن لبنا... فبينما أنت تنظر إليهن ... ويعجبك حسنهن ... إذ نضب النيل فغار ماؤه ... وبدا يبسه ... فخرج من حمأته سبع بقرات عجاف شعث ... غير متقلصات البطون ... ليس لهن فروع ولا أخلاف ... ولهن أنياب ... واضراس وأكف كأكف الكلاب ... وخراطيم كخراطيم السباع ... فافترسن السمان ... افتراس السبع ... فأكلن لحومهن ... ومزقن جلودهن ... وحطمن عظامهن ... فبينما انت تنظر وتتعجب ... إذ بسبع سنابل خضر ... وسبع أخر سود ... في منبت واحد عروقهن في الثرى والماء ... فبينما انت تقول في نفسك أي شئ هؤلاء ؟
خضر مثمرات ... وهؤلاء سود يابسات ... والمنبت واحد ... وأصولهن في الماء ... أذهبت ريح فذرت الأوراق اليابسات السود علي الخضر المثمرات .. فاشتعلت فيهن نار ... فاحترقن ... فصرن سودا ...
هذا ما رأيت ... فانتبهت من نومك مذعوراً ...
فقال الملك ...
ما شأن هذه الرؤيا وإن كانت عجيبة ... بأعجب مما سمعت منك فما تري في رؤياي أيها الصديق ...
فقال يوسف عليه السلام ...
أري ان تجمع الطعام ... وتزرع زرعاً كثيراً في هذه السنين المخصبة ... وتجعل الطعام في الخزائن بقصبه وسنبله ليكون القصب والسنبل علفاً للدواب ... والحب طعاماً للناس ... وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس ... فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها ... ويأتيك الخلق من النواحي للميرة ... فتبيع لهم الطعام وتأخذ ثمنه ... فيجتمع عندك من الكنوز مالم يجتمع لأحد ...
فقال الملك ...
ومن لي بهذا ... ومن يجمعه ... ويبيعه ... ويكفيني الشغل عنه ... ولقد ابتهج الملك بحديث يوسف ...
ونزع خاتمه من يده ... ووضعه في إصبع يوسف ... وألبسه ثياباً تليق به .. وجعل طوقاً من الذهب في عنقه ... واركبه مركبته وأمر أن يطاف به في شوارع مصر ... وينادي أمامه بالخضوع له .
لقد انشرح الملك بيوسف ... كأنه قد عثر علي أعز ما كان يتمني في حياته ...
رأي أمامه نموذجاً لم ير مثله من قبل ... علي طول ما راي وقابل .
لقد قابل الملك بحكم منصبه ... رجالات الدنيا وعظماءها ... فلم ير أعظم من يوسف ... ولا أحلي من حديثه ... ولا أجمل من صورته ...
وأيقن الملك أنه امام شخصية خارقة ...
... نبوة ... علم ... حكمة ... هيبة ... قوة ... شباب ... رحمة ... عظمة ... خيرة ... عفة ... أمانة ...
وإذداد به إعجاباً ... وله إكباراً حين شرح رؤياه ... وما ترمز إليه ... وحين خطط التخطيط الواجب عليه اتباعه ... حتي لا تتعرض مصر للهلاك ...
وقال الملك ...
إنك اليوم عندنا ...
في مملكتنا ...
من أولها إلي آخرها ...
ذو مكانة رفيعة ... تفعل ما تشاء ...
وأنت موضع ثقتنا جميعاً ... مؤتمن علي كل شئ
وسأل الملك يوسف :
ماذا تحب ان تلي من أعمال الملك ... إن لك ان تختار ما تشاء ...
ويختار يوسف العمل الذي يري أنه يحسن تدبيره ... وضبطه ... وهو الامر الذي يتطلب حسن التدبير ... ودقة الضبط في تلك الازمة المقبلة علي البلاد ... والتي رأي وجهها في حلم الملك والذي صوره أدق تصوير ...
قال يوسف : ( اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) سورة يوسف آلاية 55
... وخزائن الارض ما تخرجه الارض من فاكهة وحب ... وكل ما تنبت من زرع وسمي ذلك خزائن الارض لانها تخزنه في كيانها إلي أن يظهره الجهد الإنساني ... ويكشف عنه بالغرس والسقي والرعاية ...
وهكذا أقام الملك يوسف علي خزائن أرض مصر ...
زرعاً ... وحصداً ... وإدخاراً ... واستهلاكاً ...
ولقد وصف يوسف نفسه بصفتين هما معاً الضمان لاداء هذا الامر الذي وكل إليه ... علي اكمل الوجوه واعدلها ...
والصفتان هما ... الحفظ ... والعلم ...
والحفظ هو الضبط ... والحزم في تنفيذ الخطة التي رسمها العلم فهو بالعلم يرى الآمور رؤية واضحة كاشفة ... فلا يضل الطريق إلي مواقع الحق والخير ... وهو بالحفظ يمضي ما كشف له العلم ويحققه ...
فالمشكلة التي تواجه مصر في ذلك الوقت كانت تحتاج إلي حزم صارم ... وبأسلوب حكيم يحمل الناس علي طريق مستقيم واضح لا يحيدون عنه ... وإلا كان البلاء ... وكان الهلاك ...
إن مصر يوميذ كانت تستقبل سبع سنوات من الخصب ... ثم تعقبها سبع سنين من الجدب والقحط ... وأمر كهذا لا بد أن يكون الحزم والضبط أول خطة يختطها ولي الامر مع الناس ... ويأخذهم بها ... وإلا فإن الناس قد ينسون في يومهم ما هم في حاجة إليه في غدهم ... وإن النفس مولعة بحب العاجل ... تؤثره وإن كان قليلاً علي الآجل وإن كان كثيراً ... ولهذا قدم يوسف الحفظ علي العلم ... فالصفتان وان كانتا مطلوبتين لمواجهة هذا الأمر ... إلا ان الحفظ اولي ... وأهم من العلم ... إذ قد يستغني الحفظ عن العلم ... ويتحقق للناس فيه بعض الخير أو كثير منه علي حين أنه لو استغني العلم عن الحفظ لما تحقق للناس في هذا الحال خيراً ... ابداً .... ولكان مجرد حقائق مرسومة في كلمات
فإذا اجتمع الحفظ والعلم وهما الصفتان اللتان زكي بهما يوسف نفسه لتولي هذا المنصب الخطير لاكتمل الامر وتمت الفائدة ونيل المأمول .
والي اللقاء في الحلقة القادمة
|