مشاهدة النسخة كاملة : شوقيات
احمد شوقي
خَـدَعوها بـقولهم iiحَـسْناءُ
والـغَواني يَـغُرٌهُنَّ iiالـثناءُ
أَتـراها تـناست اسـمي لما
كـثرت في غرامها iiالاسْماءُ
إن رَأَْتْنِي تميلُ عني ، كأن لم
تـك بـيني وبـينها iiاشْـياءُ
نـظرة ، فـابتسامة ، iiفسلامُ
فـكلام ، فـموعد ، iiفَـلِقاءَ
يـوم كنا ولا تسل كيف iiكنا
نـتهادى من الهوى ما iiنشاءُ
وعـلينا مـن العفاف iiرقيبُ
تـعبت فـي مراسه iiالاهْواءُ
جَاذَبَتْني ثَوبي العَصيِّ iiوقالَتْ
أنـتم الـناس أيـها iiالشعراء
فَاتّقوا الله في قُلوبِ iiاَلْعَذَارَى
فـالعذارى قُـلوبُهُن iiهَـواءُ
بي مثلُ ما بكِ يا قمريةَ الوادي ناديتُ ليلى ، فقومي في الدجى نادي
وأرسلي الشجوَ أسجاعاً مفصلة أو رددي من وراء الأيكِ إنشادي
لا تكتمي الوجدَ ؛ فالجرحان من شَجَنٍ ولا الصبابةَ ؛ فالدمعان من وادِ
تذكري : هل تلاقينا على ضمإٍ ؟ وكيف بلَّ الصدى ذو الغُلةِ الصادي ؟
وأنتِ في مجلسِ الريحان لاهيةٌ ما سِرت من سامرٍ إلا إلى نادي
تذكري قبلةً في الشعرِ حائرةً أضلها فمشتْ في فرقِكِ الهادي
وقبلةً فوق خدٍ ناعمٍ عَطِرٍ أبهى من الورد في ظلِّ الندى الغادي
تذكري منظر الوادي ومجلسنا على الغدير ، كعصفورين في الوادي
والغُصنُ يحنو علينا رِقةً وجوًى والماءُ في قدمينا رائحٌ غادِ
تذكري نغماتٍ ههنا وهُنا من لحنِ شاديةٍ في الدوح أو شادي
تذكري موعداً جاد الزمان به هل طِرتُ شوقاً ؟ وهل سابقتُ ميعادي ؟
فنلتُ ما نلتُ من سُؤلٍ ومن أملٍ ورحتُ لم أحصِ أفراحي وأعيادي
مقادير من جفنيك حولن حاليا *** فذقت الهـوى من بعدمـا كنت خالـيا
نفذن على اللب بالسهم مرســــــلا *** وبالسحر مقضيا وبالسيــف قاضـيا
و مــا الحب إلا طـاعة وتجـــاوز *** و إن أكثروا أوصـافه و المعانــــــي
و ما هو إلا العين بالعين تلتقـــــي *** وإن نوعوا أسبابه و الدواعـــــــــيا
و على الهوى موصوفه لا صفاته *** إذ سألوني: ما الهوى؟ قلت: مابيـا
و بي رشا قد كان دنياي حاضرا *** فغادرني أشتــاق دنــــــياي نائـــيا
سمحت بروحي في هواه رخيصة *** ومن يهـــو لا يؤثر على الحب غالـيا
أمانا لقلبي من جفونك في الهوى *** كفــــــى بالهوى كأسا وراحا وساقـيا
ريم على القاع
ريم على القــــــاع بين البان والعلم *** أحل سفك دمى في الأشــهر الحرم
رمى القضــــاء بعيني جؤذر أسدا *** يا ساكن القــاع، أدرك ساكن الأجم
لما رنا حدثتني النفــــــــــس قائلة *** يا ويح جنبك بالسهم المصيب رمي
جحدتها و كتمت الســــــهم في كبدي *** جرح الأحبـــــه عندي غير ذي ألم
رزقت أسمح ما في الناس من خلق *** إذا رزقت التمــاس العذر في الشيم
يا لائمي في هواه، والهــــوى قدر *** لو شفك الوجــــــد لم تعذل ولم تلم
لقد أنلتـــــــــــــك أذنا غير واعية *** ورب منتصت والقـــــــلب في صمم
يا ناعس الطرف، لا ذقت الهوى أبدا *** أسهرت مضناك في حفظ الهوى فنم
سجا الليل
سجا الليل حتى هاج لي الشعر والهوى *** وما البيد إلا الليل والشعر والحب
ملأت سماء البيد عشقـــــــــا وأرضها *** وحملت وحدي ذلك العشق يا رب
ألم على أبيـــــــــات ليلى بين الهـــوى *** وما غير أشـــواقي دليل ولا ركب
وباتت خيامي خطوة من خيامهــــــــا *** فلم يشفني منها جـــوار ولا قرب
إذا طاف قلبي حولهـــــــــا جن شوقه *** كذلك يطفي الغلة المنهــل العذب
يحن إذا شطت، ويــصبوا إذا دنت *** فيا ويح قلبي كم يحن وكم يصبوا
أَيُّهـا العُمّـالُ أَفنـوا ال * * * عُمـرَ كَـدّاً وَاِكتِسابـا
وَاِعمُروا الأَرضَ فَلَـولا * * * سَعيُكُـم أَمسَـت يَبابـا
إِنَّ لـي نُصحـاً إِلَيكُـم * * * إِن أَذِنـتُـم وَعِـتـابـا
في زَمـانٍ غَبِـيَ النـا * * * صِـحُ فيـهِ أَو تَغابـى
أَينَ أَنتُـم مِـن جُـدودٍ * * * خَلَّـدوا هَـذا التُـرابـا
قَلَّـدوهُ الأَثَـرَ الـمُـع * * * جِـزَ وَالفَـنَّ العُجـابـا
وَكَسَـوهُ أَبَــدَ الــدَه * * * رِ مِـنَ الفَخـرِ ثِيـابـا
أَتقَنـوا الصَنعَـةَ حَتّـى * * * أَخَذوا الخُلـدَ اِغتِصابـا
إِنَّ لِلمُتـقِـنِ عِـنــدَ * * * اللَـهِ وَالنـاسِ ثَـوابـا
أَتقِنـوا يُحبِبكُـمُ الــلَ * * * هُ وَيَرفَعـكُـم جَنـابـا
أَرَضيتُم أَن تُرى مِـص * * * رُ مِـنَ الفَـنِّ خَـرابـا
بَعدَ مـا كانَـت سَمـاءً * * * لِلصِنـاعـاتِ وَغـابـا
أَيُّها الجَمـعُ لَقَـد صِـر * * * تَ مِـنَ المَجلِـسِ قابـا
فَكُـنِ الحُـرَّ اِختِـيـاراً * * * وَكُـنِ الحُـرَّ اِنتِخـابـا
إِنَّ لِـلـقَـومِ لَعَـيـنـاً * * * لَيـسَ تَألـوكَ اِرتِقـابـا
فَتَـوَقَّـع أَن يَـقـولـوا * * * مَن عَـنِ العُمّـالِ نابـا
لَيـسَ بِالأَمـرِ جَديـراً * * * كُلُّ مَـن أَلقـى خِطابـا
أَو سَخا بِالمـالِ أَو قَـد * * * دَمَ جـاهـاً وَاِنتِسـابـا
أَو رَأى أُمِّـيَّـةً فَــاِخ * * * تَلَـب الجَهـلَ اِختِلابـا
فَتَخَيَّر كُـلَّ مَـن شَـب * * * بَ عَلى الصِدقِ وَشابـا
وَاِذكُرِ الأَنصـارَ بِـالأَم * * * سِ وَلا تَنـسَ الصِحابـا
أَيُّهـا الغـادونَ كَالنَـح * * * لِ اِرتِـيـاداً وَطِـلابـا
في بُكورِ الطَيـرِ لِلـرِز * * * قِ مَجيـئـاً وَذَهـابــا
اِطلُبـوا الحَـقَّ بِرِفـقٍ * * * وَاِجعَلوا الواجِـبَ دابـا
وَاِستَقيمـوا يَفتَـحِ الـلَ * * * هُ لَكُـم بـابـاً فَبـابـا
اِهجُروا الخَمرَ تُطيعوا ال * * * لَهَ أَو تُرضـوا الكِتابـا
إِنَّهـا رِجـسٌ فَطوبـى * * * لِاِمـرِئٍ كَـفَّ وَتـابـا
تُرعِشُ الأَيدي وَمَن يُـر * * * عِش مِنَ الصُنّـاعِ خابـا
إِنَّما العاقِـلُ مَـن يَـج * * * عَـلُ لِلدَهـرِ حِسـابـا
فَاِذكُـروا يَـومَ مَشيـبٍ * * * فيـهِ تَبكـونَ الشَبـابـا
إِنَّ لِـلـسِـنِّ لَـهَـمّـاً * * * حيـنَ تَعلـو وَعَـذابـا
فَاِجعَلـوا مِـن مالِـكُـم * * * لِلشَيبِ وَالضَعفِ نِصابـا
وَاِذكُروا في الصَحَّةِ الدا * * * ءَ إِذا مـا السُقـمُ نابـا
وَاِجمَعـوا المـالَ لِيَـومٍ * * * فيـهِ تَلقَـونَ اِغتِصابـا
قَد دَعاكُـم ذَنـبَ الهَـي * * * ئَــةِ داعٍ فَـأَصـابـا
هِيَ طـاووسٌ وَهَـل أَح * * * سَـنُـهُ إِلّا الـذُنـابـى
شكوت البين
ردت الروح على المضني معك *** أحسن الأيـــــــــــام يوم أرجعك
مر من بعـــــــــــدك ما روعني *** أترى يا حلو بعدي روعـــــــك؟
كم شكوت البين بالليـــــــــــل إلى *** مطلع الفجر عسى أن يطلعـــك
وبعثت الشوق بي ريح الصبــا *** فشكا الحرقة مما استودعــــــك
يا نعيمي وعذابي في الهـــــــوى *** بعذولي في الهوى ما جمعك؟
أنت روحي، ظلم الواشي الذي *** زعم القلب سلي أو ضيعـــــك
موقعي عندك لا أعلمـــــــــــــه *** آه لو تعلم عندي موقعـــــــــــك!
أرجفوا أنك شــــــــــــاك موجع *** ليــــت لي فوق الضـــنا ما أوجعك
نامت الأعين إلا مقلـــــــــــــــة *** تسكب الدمــــع وترعى مضجعك
قصة الثعلب و الديك
برز الثعـــــــلب يوما *** في شعــــــار الواعظينا
فمشى في الأرض يهـــذي *** ويســـب المـــــــاكرينا
ويقول: الحـــــــمد لله *** إلـــــــــه العالـــــــــــمينا
يا عــــــــــباد الله توبوا *** فهو كهف التــــــائبينا
وازهدوا في الطير إن الـ *** عيش عيش الزاهـــدينا
واطلبوا الديـــك يؤذن *** لصـــلاة الصـــبح فينا
فأتى الديك رســــــول *** من إمــام الناســــكينا
عرض الأمر عليــــــه *** وهو يرجــــو أن يلينا
فأجـــــاب الديـك عذرا *** يا أضـــل المهـــــتدينا
بلـــــغ الثعلب عنـــي *** عن جدودي الصالحـــينا
عن ذوي التيجان ممن *** دخــــــل البطن اللعينا
إنهم قــــــــــالوا وخير الـ *** قول قـــول العـــارفينا
" مخطـــئ من ظن يومــــا *** أن للثعـــــــلب ديـــــنا "
مضنـاك جـفـاهُ مـرقـده
وبكـاه ورحــمَ عــودُهُ
حيـرانُ القـلـبِ مُعَـذَّبُـهُ
مقـروح الجفـنِ مسـهـده
أودى حـرفـاً إلا رمـقـاً
يُبقـيـه علـيـك وتُنْـفِـدهُ
يستهـوي الـورق تاوهـه
ويـذيـب الصخرتـنـهـدهُ
ويناجـي النجـمَ ويتعـبـه
ويُقـيـم اللـيـلَ ويُقْـعِـدهُ
ويعـلـم كــلَّ مطـوقـة
ٍشجناً فـي الـدَّوح تـرددهُ
كم مد لطفيـكَ مـن شـركٍ
وتـــادب لا يتـصـيـدهُ
فعسـاك بغُمْـضٍ مُسعِفـهُ
ولعـلّ خيـالـك مسـعـدهُ
الحسـنُ حَلَفْـتُ بيُوسُـفِـهِ
والسـورة ِ إنـك مـفـردهُ
قـد وَدَّ جمالـك أو قبـسـاً
حـوراءُ الخُلْـدِ وأَمْــرَدُه
وتمنَّـت كــلٌّ مقطـعـة ٍ
يدهـا لـو تبعـث تشهـدهُ
جَحَدَتْ عَيْنَاك زَكِـيَّ دَمِـي
أكذلـك خـدَّك يحـجـده؟
قد عـزَّ شُهـودي إذ رمَتـا
فأشـرت لخـدِّك أشـهـده
وهممـتُ بجيـدِك أشركـه
فأبـى ، واستكبـر أصيـده
وهـزَزْتُ قَوَامَـك أَعْطِفـهُ
فَنَـبـا، وتمـنَّـع أَمْـلَـدُه
سبـبٌ لرضـاك أمـهـده
مـا بـالُ الخصْرِيُعَـقِّـدُه؟
بيني في الحبِّ وبينـك مـا
لا يَـقْـدِرُ واشٍ يُـفْـسِـدُه
ما بالُ العـاذِلِ يَفتـح لـي
بـابَ السُّلْـوانِ وأُوصِـدُه؟
ويقـول : تكـاد تجـنُّ بـه
فأَقـول: وأُوشِـكُ أَعْـبُـده
مَوْلايَ ورُوحِـي فـي يَـدِه
قـد ضَيَّعهـا سَلِمـتْ يَـدُه
ناقـوسُ القلـبِ يـدقُّ لـهُ
وحنايـا الأَضْلُـعِ مَعْـبَـدُه
قسـمـاً بثنـايـا لؤلُئِـهـا
قسـم الياقـوت منـضـده
ورضـابٍ يوعـدُ كـوثـرهُ
مَقتـولُ العِشـقِ ومُشْهَـدُه
وبخـالٍ كـاد يحـجُّ لــه
لـو كـان يقبَّـل أســوده
وقَوامٍ يَـرْوي الغُصْـنُ لـه
نَسَبـاً، والـرُّمْـحُ يُفَـنِّـدُه
وبخصرٍ أوهَنَ مِـنْ جَلَـدِي
وعَـوَادِي الهجـر تُـبـدِّدُه
ما خنت هواك ، ولا خطرتْ
سلـوى بالقـلـب تـبـرده
الـــــــــــــه؟
.
.
.
(... على قدرِ الهوى يأْتي العِتابُ ...)
على قدرِ الهوى يأْتي العِتـابُ
ومَنْ عاتبتُ يَفْديِـه الصِّحـابُ
ألوم معذِّبـي ، فألـومُ نفسـي
فأُغضِبها ويرضيهـا العـذاب
ولو أنَي استطعتُ لتبـتُ عنـه
ولكنْ كيف عن روحي المتاب؟
ولي قلب بأَن يهْـوَى يُجَـازَى
ومالِكُـه بـأن يَجْنِـي يُثـاب
ولو وُجد العِقابُ فعلتُ، لكـن
نفارُ الظَّبي ليـس لـه عِقـاب
يلـوم اللائمـون ومــا رأَوْه
وقِدْماً ضاع في الناس الصُّواب
صَحَوْتُ، فأَنكر السُّلْوان قلبـي
عليّ، وراجع الطَّرَب الشبـاب
كأن يد الغـرامَِ زمـامُ قلبـي
فليس عليه دون هَوى ً حِجاب
كأَنَّ روايـة َ الأَشـواقِ عَـوْدٌ
على بدءٍ ومـا كمـل الكتـاب
كأني والهـوى أَخَـوا مُـدامٍ
لنا عهدٌ بها، ولنـا اصطحـاب
إذا ما اغتَضْتُ عن عشقٍ يعشق
أُعيدَ العهدُ، وامتـد الشَّـراب
.
.
.
(... لك أَن تلوم .. ولي من الأَعذار ...)
لك أَن تلوم، ولي مـن الأَعـذار
أن الهـوى قـدرٌ مـن الأقـدار
ما كنت أسلـمُ للعيـون سلامتـي
وأَبيحُ حادثـة َ الغـرام وَقـاري
وطَـرٌ تَعَلَّقَـه الفـؤادُ وينقضـي
والنفسُ ماضيـة ٌ مـع الأوطـار
يا قلبُ، شأْنَك، لا أَمُدُّك في الهوى
لو أَنـه بيَـدِي فككْـتُ إسـاري
جار الشبيبة ، وانتفـع بجوارهـا
قبلَ المشيب، فما لـه مـن جـار
مثل الحياة تحبّ في عهد الصِّبـا
مثل الريـاض تحـبُّ فـي آذار
أبدأ فروقُ من البلاد هي المنـى
ومنـايَ منهـا ظبيـة ٌ بـسِـوار
ممنوعـة ٌ إلا الجمـالَ بـأَسـره
محجوبـة ٌ إلا عـن الأنـظـار
خطواتها التقوى ، فـلا مزهـوة ٌ
تمشي الـدَّلال، ولا بـذات نفـار
مرّتْ بنا فوق الخليج، فأَسفـرتْ
عن جَنّـة ، وتلفتـت عـن نـار
في نِسْوَة ٍ يُورِدْن مَن شِئْن الهوى
نظرا ، ولا ينظرن في الإصـدار
عارضتهنّ ، وبين قلبي والهـوى
أَمـرٌ أُحــاول كتْـمَـه وأُداري
.
جولة في شعر أحمد شوقي الإسلامي الوطني
لم يكن أحمد شوقي الذي عاش في عصر شهد تغلغل النفوذ الأوروبي إلى قلب المنطقة العربية، سوى الابن البار لعصره فارتبط بهموم مجتمعه وآماله وآلامه، لذا نراه قد شهر سيفه محارباً محاولة الغرب تسريب ثقافته ولغته وتقاليده ومظاهره وتقريبها إلى عقول الناس بحيث تصبح نمطاً عادياً ينسيهم واقعهم وحضارتهم ويشدهم إلى «التفرنج» والتغريب الذي كان له الأثر الكبير في العديد من الدعوات والدعوات المضادة من اصلاحية وتجددية واسلامية وعربية إلى جانب دعوات الالتصاق بالغرب. وقد شهد شوقي الثورة العربية وسقوط السلطنة العثمانية والحرب الكونية الأولى وسيطرة الانجليز على مصر وقيام الحركات الوطنية التي توجّت بالثورة العربية الكبرى وبالثورتين العراقية والسورية وثورات الجزائر وتونس وليبيا والمغرب وكانت بذور النهضة العربية القومية قد أخذت تتبلور منذ أواخر القرن التاسع عشر.
ـ حياة شوقي:
وسط هذه الأجواء الحبلى بكل أمر جديد، ولد شوقي العام 1869م حيث قضى طفولته وقسماً من فتوته عند جدته لأمه، وعندما بلغ شاعرنا عتبة الشباب، تأثر بمحمود سامي البارودي من المحدثين وبالشعراء العباسيين من أمثال المتنبي وأبي تمام والبحتري كما تأثر ببعض أدباء الغرب، وعندما ألحقه والده بمدرسة الحقوق، لم يتابعها بل التحق في قسم الترجمة، وفي هذه المرحلة المهمة من حياته اتصل اتصالاً مباشراً بأستاذ في اللغة العربية الشيخ محمد البسيوني البيباني، الذي أفاده لغوياً بفضل كونه شيخاً أزهرياً.
وبعد تخرجه من قسم الترجمة عيّن موظفاً في قصر الخديوي توفيق الذي أرسله إلى فرنسا ليكمل دراسته في الحقوق والأدب معاً. وتعتبر هذه المرحلة ذات مؤثرات ثقافية وشعرية من حيث اطلاع شاعرنا على الحضارة الغربية وآدابها. ولدى عودة شوقي إلى مصر اتصل بالخديوي عباس الذي خلف أخاه المتوفي توفيقاً. فقربه منه وأرسله إلى سويسرا ليمثل مصر في مؤتمر المستشرقين وعندما قامت الحرب العالمية الأولى، خلع الانكليز الخديوي عباساً وعينوا مكانه السلطان حسين كامل وصدر الأمر بنفي شوقي إلى اسبانيا بسبب مهاجمته الانكليز. وفي عام 1919 عاد إلى مصر التي استقبلته استقبالاً حافلاً واختير عام 1927 عضواً في مجلس الشيوخ وكرّس في نفس العام أميراً للشعراء، وفي الرابع عشر من تشرين الأول عام 1932 توفي الأمير المتوج فرثاه شعراء العرب بأحلى القصائد الخالدة.
ـ الأثر الإسلامي:
لا يمكن الحديث في تلك الفترة عن أي اتجاه اسلامي أصيل متجدد خارج ما طرحه الأفغاني ومحمد عبده ولا نظن أن شوقي كان يحبذ هذا التيار، خاصة وإن الدولة الإسلامية كانت عالقة بين مطرقة الأتراك الضعفاء وسندان التغريب، لذلك نرى كيف سادت النزعة الاسلامية في مصر على كل الروابط حتى أوائل القرن العشرين وكان من البديهي اعتراف المصريين بسلطة الخليفة التركي عليهم؟، حتى إن أحمد عرابي، حينما ثار على فساد الحكام والحكم في مصر وعلى تغلغل النفوذ الأجنبي، لم يفكر بالخروج على السلطان أو عدم طاعته. وكانت الأحداث المتسارعة بسبب المسألة الشرقية تتلون بلون ديني عند معظم الكتاب والمفكرين في الشرق والغرب معاً.
وكان الشعراء يمدحون الخليفة ويشيدون بفضله وحرصه على إعلاء كلمة الدين وكانوا يرون إن الخليفة هو موحد المسلمين والمدافع عنهم يقول شوقي في ذلك:
رضي المسلمون والاسلام فرع عثمان. دُم فِداكَ الدوامُ
ايه عبدالحميد جل زمان أنت فيه خلافة وامامُ
عمرٌ أنتَ، بيد أنك ظل للبرايا وعصمة وسلامُ
عالم لم يكن لينظم لولا إنك السلم وسطه والوئامُ
وكان يرى شعراء هذه الحقبة في الخليفة المنقذ الذي عليه واجب المساعدة ورعاية شؤون المسلمين ويعاتبونه إذا تخلف، وفي هذا يقول شوقي:
عالي الباب، هزّ بابك منا فسعينا وفي الناس مرام
نستميح الإمام نصرا لمصر مثلما ينصر الحسام الحسام
فلمصر ـ وأنت بالحب أدرى ـ بك يا حامي الحمى استعصام
وإلى السيد الخليفة نشكر جور دهر أحراره ظلام
وعدوها لنا وعودا كبارا هل رأيت القرى علاها الجهام
ويقول شوقي في قصيدة «ضجيج الحجيج» التي رفعها إلى السلطان عبدالحميد، شاكياً اضطراب الأمن في الحجاز بسبب تمرد شريف مكة:
ضجّ الحجيج وضجّ البيت والحرم واستصرخت ربها في مكة الأمم
قد مسّها في حماك الضر فاقض لها خليفة الله، أنت السيد الحكم
وعندما ينتصر الأتراك في حربهم مع اليونان عام 1897م يرتفع صوت شوقي مشيداً بانتصار الترك الذين أعلوا راية الاسلام وصانوا خلافته:
بسيفك يعلو الحق والحق أغلب وينصر دين الله أيان تضرب
رفعنا إلى النجم الرؤوس بنصركم وكنا بحكم الحادثات نصوّب
ومما لا شك فيه أن للاسلام والمسيحية أثراً عظيماً في شعر شوقي، فالاسلام أوحى له قصائده الشهيرة: «نهج البردة والمدائح النبوية» والمسيحية أوحت له الكثير من المقتطفات الرائعة فهو يقول في «الأندلس الجديدة»:
عيسى سبيلك رحمة ومحبة في العالمين وعصمة وسلام
يا حامل الآلام بعد هذا الورى كثرت عليه باسمك الآلام
وقد قاده تقديسه للديانتين إلى نظم قصيدة في مسجد «آيا صوفيا» أحسن فيها بقوله:
كنيسة صارت إلى مسجد هدية السيد للسيد
كانت لعيسى حرماً فانتهت بنصرة الروح إلى أحمد
ـ الأثر الوطني:
كان عصر شوقي على المستوى الاقليمي صراعاً شعبياً مصرياً ضد الانكليز، تمثل في ثورات أحمد عرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول ومصطفى كامل ضدهم، وقد لقي الشعب المصري أصنافاً من العذاب على يد جيش الاحتلال الانكليزي، من هنا نرى عاطفة شوقي الوطنية الصادقة حيث أنشد قصيدته التي حيا بها الوطن بعد عودته من منفاه قائلاً:
ولو أني دعيت لكنت ديني عليه أقابل الحتم المجابا
أدير إليك قبل البيت وجهي إذا فهت الشهادة والمتابا
ويقول في قصيدته «توت عنخ آمون»:
هذا المقام عرفته وسبقت فيه القائلين
ووقفت في آثاركم أذِنُ الجلا واستبين
وبنيت في العشرين من أحجارها شعري الرصين
ولشوقي مطولة تزيد على مائة وخمسين بيتاً في نهر النيل وهي من إحدى القصائد التي تأخذ عليه في سياق اقليميته حيث يقول:
أين الفراعنة الأول استذري بهم عيسى ويوسف والكليم المصعق
الموردون الناس منهل حكمة أفضى إليه الأنبياء ليستقوا
الرافعون إلى الضحى آباءهم فالشمس أصلهم الوضيء المعرق
وطبعاً لا يجوز أن نلصق بالشاعر تهمة الاقليمية أو الفرعونية بسبب قصيدة أو قصائد كتبت في مرحلة كان الاستعمار يحاول فيها القضاء على الهوية وعلى الانسان وذلك بتحويله إلى مقلد يستهلك كل حضارة الغرب دون النظر إلى واقعه، إلى جانب التأثر بالدعوات الوطنية والاقليمية في أوروبا وانتقال أثرها إلى الشرق عبر البعثات المتبادلة. والذي يؤكد عدم اقليمية شوقي ذلك الفيض من أشعاره الذي يشارك فيها الدولة العربية همومها ومظالمها ومن أهمها قصيدة «تحية دمشق»:
قم ناج جلّق وأنشد رسم من بانوا مشت على الرسم أحداث وأزمان
بنو أمية للأنباء ما فتحوا وللأحاديث ما سادوا وما دانوا
كانوا ملوكا سرير الشرق تحتهم فهل سألت سرير الغرب ما كانوا
عالين كالشمس في أطراف دولتها في كل ناحية ملك وسلطان
بالأمس قمت على الزهراء أندبهم واليوم دمعي على «الفيحاء» هتان
مررت بالمسجد المحزون أسأله هل في المصلى أو المحراب مروان
ونحن في الشرق والفصحى بنو رحم ونحن في الجرح والآلام إخوان
وفي قصيدته «نكبة دمشق» أبان الثورة السورية نجد أصالة الروابط وعمق الأسى حين وصل إلى مسامع شاعرنا أخبار دمشق وهي تئن تحت قنابل المستعمرين:
سلام من صبا بردى أرق ودمع لا يكفكف يا دمشق
دم الثوار تعرفه فرنسا وتعلم أنه نور وحق
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق
ـ أسلوب شوقي:
تأثر شوقي في حياته وشعره بالظروف السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة في البلاد كذلك تأثر بالحياة الأوروبية وبالشعر الأوروبي، وبهذا نصبح أمام رجلين مختلفين لا صلة لأحدهما بالآخر، فأحدهما مسلم يقدس أخاه المسلم ويجعل من الخلافة الاسلامية قدساً مقدساً ومحافظاً على اللغة العربية، والآخر رجل دنيا متسامح ساخر من الناس وتقاليدهم:
رمضان ولى هاتها يا ساق مشتاقة تسعى لمشتاق
وقد جدد في اللغة وهذا ما يوضح لنا ازدواجيته:
1 ـ أثر التراث العربي القديم على نفسه وقد حاول أن يعيش شاعراً عباسياً في القرن العشرين وهذا واضح في قصائده وأسلوبه وتقرّبه من السلاطين.
2 ـ احتلال الانكليز لمصر جعل شوقي خصماً لهم مما جعله المعبر عما يجول من آمال وآلام عند أهل الشرق قاطبة.
3 ـ إذا كتب قصيدة فهو لا يشير إلا بأبيات عن المناسبة وأكثر الأبيات في الحكم والوصف.
4 ـ له عاطفة اسلامية وعاطفة وطنية.
5 ـ أشاد بالاسلام لإيمانه بمعانيه، وتعجب هنا إزاء ترفه وأحياناً اسفافه.
6 ـ شعره عربي متجدد ولم يتأثر بالغرب إلاّ قليلاً.
7 ـ كان كثير التحدث عن الأتراك والخلافة.
8 ـ غلوّه في الألفاظ كان أكثر من غلوه في المعاني وموسيقاه الشعرية هي لبّ إبداعه.
9 ـ لا نستطيع أن نشتم من قصائده أي تحيز لأي فكر أو اتجاه عدا ما كان معاصراً.
10 ـ يعلق شوقي بالشباب الآمال.
mangool
ريـــمٌ عَـلــى الـقــاعِ بَـيــنَ الــبــانِ وَالـعَـلَــمِ
أَحَــلَّ سَـفـكَ دَمــي فــي الأَشـهُــر الـحُــرُمِ
رَمــــى الـقَـضــاءُ بِـعَـيـنَـي جُــــؤذَرٍ أَسَـــــداً
يـــا سـاكِــنَ الــقــاعِ أَدرِك ســاكِــنَ الأَجَــــمِ
لَــمّـــا رَنـــــا حَـدَّثَـتـنــي الـنَــفــسُ قــائِــلَــةً
يــا وَيــحَ جَنـبِـكَ بِالسَـهـمِ المُـصـيـبِ رُمـــي
جَحَدتُـهـا و***تَـمـتُ السَـهـمَ فـــي كَـبِــدي
جُــــرحُ الأَحِــبَّــةِ عِــنـــدي غَــيـــرُ ذي أَلَـــــمِ
رُزِقـتَ أَسمَـحَ مــا فــي الـنـاسِ مِــن خُـلُـقٍ
إِذا رُزِقـــتَ اِلـتِـمـاسَ الـعُــذرِ فـــي الـشِـيَـمِ
يـــا لائِـمــي فـــي هَــــواهُ وَالــهَــوى قَــــدَرٌ
لَــو شَــفّ*** الـوَجـدُ لَــم تَـعـذِل وَلَــم تَـلُــم
ِلَـــقَـــد أَنَــلــتُــكَ أُذنــــــاً غَـــيــــرَ واعِـــيَــــةٍ
وَرُبَّ مُـنـتَـصِــتٍ وَالـقَــلــبُ فـــــي صَـــمَـــمِ
يــا نـاعِـسَ الـطَـرفِ لا ذُقـــتَ الـهَــوى أَبَـــداً
أَسـهَـرتَ مُضـنـاكَ فــي حِـفـظِ الـهَـوى فَـنَـمِ
أَفــديــكَ إِلــفــاً وَلا آلـــــو الـخَــيــالَ فِـــــدىً
أَغــــراكَ بـاِلـبُـخـلِ مَــــن أَغـــــراهُ بِـالــكَــرَمِ
سَــــرى فَــصــادَفَ جُــرحــاً دامِــيــاً فَــأَســا
وَرُبَّ فَــضـــلٍ عَــلـــى الـعُــشّــاقِ لِـلـحُـلُــمِ
مَـــــنِ الـمَــوائِــسُ بــانـــاً بِـالــرُبــى وَقَــنـــاً
الـلاعِـبــاتُ بِــروحــي الـسـافِـحـاتُ دَمـــــي
الـســافِــراتُ كَـأَمــثــالِ الــبُـــدورِ ضُـــحـــىً
يُغِـرنَ شَـمـسَ الضُـحـى بِالحَـلـيِ وَالعِـصَـمِ
الــقــاتِـــلاتُ بِــأَجـــفـــانٍ بِــــهــــا سَــــقَــــمٌ
وَلِـلـمَـنِــيَّــةِ أَســـبــــابٌ مِـــــــنَ الــسَــقَـــمِ
الــعــاثِـــراتُ بِــأَلــبـــابِ الـــرِجــــالِ وَمـــــــا
أُقِـلــنَ مِـــن عَـثَــراتِ الـــدَلِّ فـــي الـرَسَــمِ
الـمُـضـرِمـاتُ خُــــدوداً أَســفَـــرَت وَجَــلَـــت
عَــــن فِـتــنَــةٍ تُـســلِــمُ الأَكــبـــادَ لِـلــضَــرَمِ
الــحــامِــلاتُ لِــــــواءَ الــحُــســنِ مُـخـتَـلِـفــاً
أَشـكـالُــهُ وَهـــــوَ فَـــــردٌ غَــيـــرُ مُـنـقَـسِــمِ
مِـــــن كُـــــلِّ بَـيــضــاءَ أَو سَــمـــراءَ زُيِّـنَــتــا
لِلـعَـيـنِ وَالـحُـســنُ فــــي الآرامِ كَـالـعُـصُـمِ
يُـرَعــنَ لِلـبَـصَـرِ الـسـامــي وَمِــــن عَــجَــبٍ
إِذا أَشَــــــرنَ أَسَــــــرنَ الــلَــيــثَ بِـالـغَــنَــمِ
وَضَـعــتُ خَـــدّي وَقَـسَّـمـتُ الـفُــؤادَ رُبــــيً
يَـرتَـعـنَ فـــي كُـنُــسٍ مِــنــهُ وَفــــي أ***مِ
يــــا بِــنــتَ ذي الـلَـبَــدِ الـمُـحَـمّـى جـانِــبُــهُ
أَلـقـاكِ فــي الـغـابِ أَم أَلـقـاكِ فــي الأُطُـــمِ
مـــا كُـنــتُ أَعـلَــمُ حَــتّــى عَــــنَّ مَ***نُــــهُ
أَنَّ الـمُــنــى وَالـمَـنـايــا مَــضـــرِبُ الـخِــيَــمِ
مَــن أَنـبَـتَ الغُـصـنَ مِــن صَمـصـامَـةٍ ذ***ر
وَأَخــــرَجَ الــريــمَ مِـــــن ضِـرغــامَــةٍ قَـــــرِمِ
بَـيـنـي وَبَـيـنُـكِ مِـــن سُـمــرِ الـقَـنـا حُـجُــبٌ
وَمِـثــلُــهــا عِـــفَّــــةٌ عُــــذرِيَّــــةُ الــعِـــصَـــمِ
لَــم أَغــشَ مَغـنـاكِ إِلّا فــي غُـضــونِ كِـــرىً
مَــغــنــاكَ أَبـــعَـــدُ لِـلـمُـشـتــاقِ مِــــــن إِرَمِ
يـــا نَـفــسُ دُنـيــاكِ تُـخـفــى كُــــلَّ مُـبـكِـيَـةٍ
وَإِن بَــــدا لَــــكِ مِـنـهــا حُــســـنُ مُـبـتَـسَــمِ
فُــضّــي بِـتَـقــواكِ فــاهــاً كُـلَّـمــا ضَـحِـكَــت
كَــمـــا يَـــفُـــضُّ أَذى الــرَقــشــاءِ بِــالــثَــرَمِ
مَـخـطـوبَـةٌ مُــنــذُ كــــانَ الــنــاسُ خـاطِـبَــةٌ
مِـــن أَوَّلِ الـدَهــرِ لَـــم تُــرمِــل وَلَــــم تَــئَــمِ
يَـفـنـى الــزَمــانُ وَيَـبـقــى مِــــن إِسـاءَتِـهــا
جُــــرحٌ بِــــآدَمَ يَـبـكــي مِــنـــهُ فـــــي الأَدَمِ
لا تَــحــفَــلـــي بِــجَــنــاهـــا أَو جِــنــايَــتِــهــا
الـمَــوتُ بِـالـزَهــرِ مِــثــلُ الــمَــوتِ بِـالـفَـحَـمِ
كَــــم نــائِــمٍ لا يَــراهـــا وَهـــــيَ ســاهِـــرَةٌ
لَـــــولا الأَمــانِـــيُّ وَالأَحـــــلامُ لَـــــم يَـــنَـــمِ
طَــــوراً تَــمُــدُّكَ فـــــي نُـعــمــى وَعـافِــيَــةٍ
وَتــــارَةً فــــي قَـــــرارِ الــبُـــؤسِ وَالــوَصَـــمِ
كَــــم ضَـلَّـلَـتـكَ وَمَــــن تُـحــجَــب بَـصـيـرَتُــهُ
إِن يَــلــقَ صــابــا يَــــرِد أَو عَـلـقَـمــاً يَــسُـــمُ
مُـفَــرِّجِ الــكَــرَبِ فــــي الــدارَيــنِ وَالـغَـمَــمِ
إِذا خَــفَــضــتُ جَـــنـــاحَ الــــــذُلِّ أَســـأَلُــــهُ
عِـــزَّ الشَـفـاعَـةِ لَـــم أَســـأَل سِـــوى أُمَـــمِ
وَإِن تَــــقَـــــدَّمَ ذو تَــــقـــــوى بِــصــالِـــحَـــةٍ
قَــدَّمـــتُ بَــيـــنَ يَـــدَيـــهِ عَـــبـــرَةَ الـــنَـــدَمِ
لَــزِمـــتُ بـــــابَ أَمـــيـــرِ الأَنــبِــيــاءِ وَمَــــــن
يُـمـسِــك بِـمِـفـتــاحِ بـــــابِ الــلَـــهِ يَـغـتَـنِــمِ
فَـــكُـــلُّ فَـــضـــلٍ وَإِحـــســــانٍ وَعـــارِفَــــةٍ
مـــــا بَـــيـــنَ مُـسـتَــلِــمٍ مِـــنـــهُ وَمُــلــتَــزِمِ
عَـلَّـقــتُ مِــــن مَــدحِــهِ حَــبــلاً أُعَـــــزُّ بِـــــهِ
فــــي يَــــومِ لا عِــــزَّ بِـالأَنـســابِ وَالـلُــحَــمِ
يُـــزري قَـريـضــي زُهَــيــراً حــيــنَ أَمــدَحُــهُ
وَلا يُــقــاسُ إِلــــى جــــودي لَــــدى هَـــــرِمِ
مُــحَــمَّــدٌ صَـــفـــوَةُ الـــبــــاري وَرَحــمَــتُـــهُ
وَبُـغـيَـةُ الـلَــهِ مِــــن خَــلــقٍ وَمِــــن نَــسَــمِ
وَصـاحِـبُ الـحَــوضِ يَـــومَ الـرُســلِ سـائِـلَـةٌ
مَـتــى الـــوُرودُ وَجِـبـريـلُ الأَمــيــنُ ظَــمــي
سَــنـــاؤُهُ وَسَــنـــاهُ الــشَــمــسُ طــالِــعَــةً
فَالـجِـرمُ فـــي فَـلَــكٍ وَالـضَــوءُ فـــي عَـلَــمِ
قَــــد أَخــطَــأَ الـنَـجــمَ مــــا نــالَــت أُبُــوَّتُـــهُ
مِـــن سُـــؤدُدٍ بـــاذِخٍ فـــي مَـظـهَــرٍ سَــنِــمِ
نُـمــوا إِلَـيــهِ فَـــزادوا فـــي الـــوَرى شَـرَفــاً
وَرُبَّ أَصـــلٍ لِــفَــرعٍ فــــي الـفَـخــارِ نُــمــي
حَــــواهُ فــــي سُـبُـحــاتِ الـطُـهــرِ قَـبـلَـهُــمُ
نــــورانِ قــامــا مَــقــامَ الـصُـلــبِ وَالــرَحِـــمِ
لَــــمّــــا رَآهُ بَــحـــيـــرا قــــــــالَ نَـــعـــرِفُـــهُ
بِــمــا حَـفِـظـنـا مِــــنَ الأَســمــاءِ وَالـسِــيَــمِ
سـائِــل حِـــراءَ وَروحَ الـقُــدسِ هَـــل عَـلِـمــا
مَـــصـــونَ سِــــــرٍّ عَــــــنِ الإِدراكِ مُـنـكَــتِــمِ
كَــــم جـيــئَــةٍ وَذَهـــــابٍ شُــرِّفَـــت بِـهِــمــا
بَـطـحـاءُ مَـكَّــةَ فــــي الإِصــبــاحِ وَالـغَـسَــمِ
وَوَحــشَـــةٍ لِاِبـــــنِ عَــبـــدِ الــلَـــهِ بـيـنَـهُـمـا
أَشـهـى مِــنَ الأُنــسِ بِالأَحـسـابِ وَالحَـشَـمِ
يُـسـامِــرُ الــوَحــيَ فـيـهــا قَــبــلَ مَـهـبِـطِـهِ
وَمَــــن يُـبَـشِّــر بِـسـيـمـى الـخَـيــرِ يَـتَّـسِــمِ
لَـمّـا دَعــا الصَـحـبُ يَستَسـقـونَ مِــن ظَـمَــإٍ
فـاضَــت يَــــداهُ مِــــنَ التَـسـنـيـمِ بِـالـسَـنَـمِ
وَظَـلَّــلَــتــهُ فَـــصــــارَت تَـســتَــظِــلُّ بِـــــــهِ
غَــمــامَـــةٌ جَـذَبَــتــهــا خــــيــــرَةُ الــــدِيَــــمِ
مَــحَــبَّـــةٌ لِـــرَســــولِ الـــلَــــهِ أُشــرِبَـــهـــا
قَـعـائِــدُ الــدَيــرِ وَالـرُهـبــانُ فــــي الـقِــمَــمِ
إِنَّ الـشَـمــائِــلَ إِن رَقَّــــــت يَـــكـــادُ بِـــهــــا
يُـغــرى الــمــادُ وَيُــغــرى كُــــلُّ ذي نَــسَــمِ
وَنـــــودِيَ اِقـــــرَأ تَـعــالــى الــلَـــهُ قـائِـلُـهــا
لَـــم تَـتَّـصِـل قَـبــلَ مَـــن قـيـلَـت لَـــهُ بِــفَــمِ
هُــــنـــــاكَ أَذَّنَ لِــلــرَحَــمَـــنِ فَـــاِمـــتَــــلَأَت
أَســمــاعُ مَــكَّــةَ مِـــــن قُـدسِــيَّــةِ الـنَــغَــمِ
فَـــلا تَـسَــل عَـــن قُـرَيــشٍ كَـيــفَ حَـيـرَتُـهـا
و***يـــفَ نُفـرَتُـهـا فـــي الـسَـهـلِ وَالـعَـلَـمِ
تَـسـاءَلـواعَـن عَـظــيــمٍ قَـــــد أَلَـــــمَّ بِــهِـــم
رَمـــــى الـمَـشـايِــخَ وَالـــوِلـــدانِ بِـالـلَــمَــمِ
يـاجـاهِـلـيـنَ عَــلـــى الـــهـــادي وَدَعـــوَتِـــهِ
هَـــل تَـجـهَـلـونَ مَــكــانَ الــصــادِقِ الـعَـلَــمِ
لَقَّـبـتُـمـوهُ أَمــيـــنَ الــقَـــومِ فـــــي صِــغَـــرٍ
وَمـــــا الأَمــيـــنُ عَــلـــى قَــــــولٍ بِـمُـتَّــهَــمِ
فــــاقَ الــبُـــدورَ وَفـــــاقَ الأَنـبِــيــاءَ ف***م
بِالخُلـقِ وَالخَـلـقِ مِــن حُـسـنٍ وَمِــن عِـظَـمِ
جــــــاءَ الـنـبِــيّــونَ بِـــالآيـــاتِ فَـاِنـصَــرَمَــت
وَجِـئــتَــنــا بِـحَــكــيــمٍ غَــــيــــرِ مُــنـــصَـــرِمِ
آيــاتُـــهُ كُـلَّــمــا طــــــالَ الـــمَـــدى جُــــــدُدٌ
يَـزيــنُــهُــنَّ جَـــــــلالُ الــعِــتـــقِ وَالـــقِــــدَمِ
يَــكـــادُ فـــــي لَـفــظَــةٍ مِــنـــهُ مُــشَــرَّفَــةٍ
يـوصــيــكَ بِـالــحَــقِّ وَالـتَــقــوى وَبِـالــرَحِــمِ
يــــــــا أَفــــصَــــحَ الـنـاطِــقــيــنَ الــــضــــادَ
قاطِبَةً=حَديثُـكَ الشَهـدُ عِنـدَ الـذائِـقِ الفَـهِـمِ
حَـلَّـيـتَ مِــــن عَــطَــلٍ جــيــدَ الـبَـيــانِ بِــــهِ
فـــي كُـــلِّ مُنـتَـثِـرٍ فـــي حُـســنِ مُـنـتَـظِـمِ
بِـــكُـــلِّ قَــــــولٍ كَـــريـــمٍ أَنــــــتَ قــائِــلُـــهُ
تُــحــيِ الـقُـلــوبَ وَتُــحــيِ مَــيِّــتَ الـهِـمَــمِ
سَــــــرَت بَــشــائِــرُ بــاِلــهــادي وَمَـــولِــــدِهِ
في الشَرقِ وَالغَربِ مَسرى النورِ في الظُلَمِ
تَـخَـطَّـفَـت مُــهَــجَ الـطـاغـيـنَ مِــــن عَــــرَبٍ
وَطَــيَّــرَت أَنــفُــسَ الـبـاغـيـنَ مِــــن عُــجُـــمِ
ريـعَــت لَـهــا شَـــرَفُ الإيــــوانِ فَـاِنـصَـدَعَـت
مِــن صَـدمَـةِ الـحَـقِّ لا مِــن صَـدمَــةِ الـقُــدُمِ
أَتَــيــتَ وَالــنــاسُ فَــوضــى لا تَــمُــرُّ بِــهِـــم
إِلّا عَـلــى صَـنَــمٍ قَــــد هــــامَ فــــي صَــنَــمِ
وَالأَرضُ مَــمــلـــوءَةٌ جَــــــــوراً مُــسَـــخَّـــرَةٌ
لِــكُــلِّ طـاغِـيَــةٍ فــــي الـخَــلــقِ مُـحـتَـكِــمِ
مُسَيـطِـرُالـفُـرسِ يَـبــغــي فـــــي رَعِـيَّــتِــهِ
وَقَـيـصَــرُالــرومِ مِــــــن كِــبــرٍأَصَـــمُّ عَـــــــمِ
يُـعَــذِّبــانِ عِـــبـــادَ الـــلَـــهِ فــــــي شُـــبَـــهٍ
وَيَــذبَــحـــانِ كَـــمــــا ضَــحَّــيـــتَ بِـالــغَــنَــمِ
وَالـخَــلــقُ يَـفــتِــكُ أَقــواهُـــم بِـأَضـعَـفِـهِــم
كَـالـلَـيــثِ بِـالـبَـهــمِ أَو كَـالــحــوتِ بِـالـبَــلَــمِ
أَســـــرى بِـــــكَ الــلَـــهُ لَــيـــلاً إِذ مَـلائِــكُــهُ
وَالرُسلُ فـي المَسجِـدِ الأَقصـى عَلـى قَـدَمِ
لَــمّــا خَــطَـــرتَ بِـــــهِ اِلـتَــفّــوا بِـسَـيِّـدِهِــم
كَـالـشُـهــبِ بِـالــبَــدرِ أَو كَـالـجُـنــدِ بِـالـعَـلَــمِ
صَــلّــى وَراء*** مِـنـهُــم كُــــلُّ ذي خَــطَـــرٍ
وَمَـــــن يَـــفُـــز بِـحَـبــيــبِ الـــلَـــهِ يَــأتَــمِــمِ
جُـبــتَ الـسَـمـاواتِ أَو مـــا فَـوقَـهُــنَّ بِــهِــم
عَــــلــــى مُــــنَــــوَّرَةٍ دُرِّيَّـــــــــةِ الـــلُـــجُـــمِ
رَكــوبَــةً لَــــكَ مِــــن عِــــزٍّ وَمِـــــن شَـــــرَفٍ
لا فـــي الـجِـيـادِ وَلا فـــي الأَيـنُــقِ الـرُسُــمِ
--------------------------------------------------------------------------------
خـدعـوهـا بقـولـهـم حـسـنـاء
والـغـوانـي يـغـرهـن الـثـنـاء
أتـراهـا تنـاسـت اسـمـي لـمـا
كثـرت فـي غرامهـا الأسـمـاء
إن رأتني تميل عني كـأن لـم
تــك بيـنـي وبيـنـهـا أشـيــاء
نـظــرة فابـتـسـامـة فــســلام
فــكـــلام فـمــوعــد فـلــقــاء
يـوم كنـا ولا تسـل كيـف كنـا
نتهادى مـن الهـوى مـا نشـاء
وعليـنـا مــن العـفـاف رقـيــب
تعـبـت فــي مـراسـه الأهــواء
جا**تني ثوبي العصي وقالت
أنـتـم الـنـاس أيـهـا الشـعـراء
فاتقوا الله في قلوب العذارى
فـالـعـذارى قلـوبـهـن هـــواء
نـظــرة فابـتـسـامـة فــســلام
فــكـــلام فـمــوعــد فـلــقــاء
فـفــراق يــكــون فــيــه دواء
أو فــراق يـكـون مـنـه الــداء
أحبُّك مصر من أعمـاق قلبي
وحبُّك في صميم القلب نامي
سيجمعُني بـــك التاريخُ يومًا
إذا ظهر الكرامُ على اللئــام
لأجلــك رحتُ بالدنيـا شقيًّا
أصدُّ الوجهَ والدنيــا أمامــي
وأنظـــر جَنَّةً جمعتْ ذِئابًـــا
فيصرُفُني الإباءُ عن الزحـــام
وهبتُكِ غيــــر هــيَّابٍ يَراعًا
أشدَّ على العدِّو من الحســام
**************************
ويقول أيضاً:
اختلاف النهار والليل يُنـسـي
اذكرا لي الصِّبا وأيام أُنْسـي
وسلا مصر هل سلا القلب عنها
أو أسي جرحه الزمان المؤسي
كلما مــرت الليالــــــي عليــه
رقَّ والعهد في الليالي تقسي
***********************
ويقول أيضاً: في عمر المختار
رَكَـزُوا رُفـاتَكَ فـي الرّمـال لِـواءَ
يَســتنــهضُ الــوادي صبـاحَ مَســاءَ
يـا وَيْحَـهم! نصبـوا مَنـارًا مـن دمٍ
تُوحِـــي إِلـى جــيــل الغـــدِ البَغْضـاءَ
مـا ضـرَّ لـو جَـعلوا العَلاقَة في غدٍ
بيـــن الشــعــوب مَــــوَدَّةً وإِخــــاءَ؟
جُـرْحٌ يَصيـحُ عـلى المدَى, وضَحِيَّةٌ
تـــتـــلمَّــسُ الحـــريَّـــــةَ الحــــمراءَ
يأَيُّهــا الســيفُ المجــرَّدُ بـالفَلا
يكسـو السـيوفَ عـلى الزمان مَضاءَ
تلــك الصحـارى غِمْـدُ كـلِّ مُهَنِّـدٍ
أَبْــــلَى فأَحســنَ فـي العــــدوِّ بَــــلاءَ
وقبــورُ مَـوْتَى مـن شـبابِ أُمَيَّـةٍ
وكــهــولِـهـم لــم يبـْرَحُــــوا أَحيـــاءَ
لــو لاذَ بــالجوزاءِ منهـم معقِـل
دخــــلوا عــلى أَبــراجِــهـا الجـوزاءَ
فتحــوا الشَّــمالَ: سُـهولَهُ وجبالَـهُ
وتوغَّـلــوا, فاســتعمروا الخـــضراءَ
وبَنَــوْا حضـارتَهم, فطَـاوَلَ ركنُهـا
(دَارَ الســــلامِ), و(جِــلَّقَ) الشَّـــمّاءَ
خُـيِّرْتَ فـاخْتَرْتَ المبيـتَ على الطَّوَى
لـــم تَبْــــنِ جــاهًــــا, أَو تَلُـــمَّ ثَــراءَ
إِنَّ البطولــةَ أَن تمـوتَ مـن الظَّمـا
لــيس البطولـــةُ أَن تَعُــــبَّ المـــــاءَ
إِفريقِيــا مَهْــدُ الأُســودِ ولَحْدُهـا
ضــجَّــــتْ عليــكَ أَراجـــلاً ونســــاءَ
والمسـلمون عـلى اخـتلافِ ديـارِهم
لا يملِــكـون مـــعَ الـمُصَــابِ عَـــزاءَ
رَكَـزُوا رُفـاتَكَ فـي الرّمـال لِـواءَ
يَســتنــهضُ الــوادي صبـاحَ مَســاءَ
يـا وَيْحَـهم! نصبـوا مَنـارًا مـن دمٍ
تُوحِـــي إِلـى جــيــل الغـــدِ البَغْضـاءَ
مـا ضـرَّ لـو جَـعلوا العَلاقَة في غدٍ
بيـــن الشــعــوب مَــــوَدَّةً وإِخــــاءَ؟
جُـرْحٌ يَصيـحُ عـلى المدَى, وضَحِيَّةٌ
تـــتـــلمَّــسُ الحـــريَّـــــةَ الحــــمراءَ
يأَيُّهــا الســيفُ المجــرَّدُ بـالفَلا
يكسـو السـيوفَ عـلى الزمان مَضاءَ
تلــك الصحـارى غِمْـدُ كـلِّ مُهَنِّـدٍ
أَبْــــلَى فأَحســنَ فـي العــــدوِّ بَــــلاءَ
وقبــورُ مَـوْتَى مـن شـبابِ أُمَيَّـةٍ
وكــهــولِـهـم لــم يبـْرَحُــــوا أَحيـــاءَ
لــو لاذَ بــالجوزاءِ منهـم معقِـل
دخــــلوا عــلى أَبــراجِــهـا الجـوزاءَ
فتحــوا الشَّــمالَ: سُـهولَهُ وجبالَـهُ
وتوغَّـلــوا, فاســتعمروا الخـــضراءَ
وبَنَــوْا حضـارتَهم, فطَـاوَلَ ركنُهـا
(دَارَ الســــلامِ), و(جِــلَّقَ) الشَّـــمّاءَ
خُـيِّرْتَ فـاخْتَرْتَ المبيـتَ على الطَّوَى
لـــم تَبْــــنِ جــاهًــــا, أَو تَلُـــمَّ ثَــراءَ
إِنَّ البطولــةَ أَن تمـوتَ مـن الظَّمـا
لــيس البطولـــةُ أَن تَعُــــبَّ المـــــاءَ
إِفريقِيــا مَهْــدُ الأُســودِ ولَحْدُهـا
ضــجَّــــتْ عليــكَ أَراجـــلاً ونســــاءَ
والمسـلمون عـلى اخـتلافِ ديـارِهم
لا يملِــكـون مـــعَ الـمُصَــابِ عَـــزاءَ
والجاهليــةُ مــن وَراءِ قُبــورِهم
يبــكــون زَيْــــدَ الخــيل والفَلْــحـــاءَ
فــي ذِمَّــة اللـهِ الكـريمِ وحفظِـه
جَسَــدٌ (ببـــرْقة) وُسِّــــدَ الصحــراءَ
لـم تُبْـقِ منـه رَحَـى الوقـائِع أَعظُمًا
تَبْــــلَى, ولــم تُبْـــقِ الرِّمـاحُ دِمـــاءَ
كَرُفــاتِ نَسْــرٍ أَو بَقِيَّــةِ ضَيْغَـمٍ
باتـــــا وراءَ السَّـــافيــاتِ هَـــبـــــاءَ
بطـلُ البَـداوةِ لـم يكـن يَغْـزو على
"تَنْكٍ", ولــم يَـــكُ يـركبُ الأَجــواءَ
لكــنْ أَخـو خَـيْلٍ حَـمَى صَهَواتِهـا
وأَدَارَ مـــــن أَعــرافــهــا الهيجــــاءَ
لَبَّــى قضـاءَ الأَرضِ أَمِس بمُهْجَـةٍ
لـــم تخْــــشَ إِلاَّ للســــماءِ قَضــــاءَ
وافــاهُ مَرْفــوعَ الجــبينِ كأَنــه
سُــقْـراطُ جَــــرَّ إِلــى القُضـــاةِ رِداءَ
شَــيْخٌ تَمــالَكَ سِــنَّهُ لـم ينفجـرْ
كـالطفل مـــن خـوفِ العِقـابِ بُكــــاءَ
وأَخــو أُمـورٍ عـاشَ فـي سَـرَّائها
فتغــــــــيَّرَتْ, فتــــــوقَّع الضَّــــــراءَ
الأُسْـدُ تـزأَرُ فـي الحـديدِ ولـن ترى
في السِّجنِ ضِرْغامًـا بكى اسْتِخْــذاءَ
وأَتــى الأَسـيرُ يَجُـرُّ ثِقْـلَ حَـديدِهِ
أَسَـــــدٌ يُجَـــــرِّرُ حَيَّــةً رَقْطــــــــــاءَ
عَضَّــتْ بسـاقَيْهِ القُيـودُ فلـم يَنُـؤْ
ومَشَــــتْ بهَيْكلــه السّــنون فنـــــاءَ
تِسْـعُونَ لـو رَكِـبَتْ مَنـاكِبَ شـاهقٍ
لترجَّــــــــلَتْ هَضَباتُـــه إِعيــــــــــاءَ
خَـفِيَتْ عـن القـاضي, وفات نَصِيبُها
مــن رِفْــق جُــــــنْدٍ قـــادةً نُبَـــــــلاءَ
والسِّـنُّ تَعْصِـفُ كُـلَّ قَلْـبِ مُهَـذَّبٍ
َــرَفَ الجُـــــــدودَ, وأَدرَكَ الآبــــــاءَ
دفعــوا إِلـى الجـلاَّدِ أَغلَـبَ مـاجدًا
يأْسُـــو الجِــــراحَ, ويُطلِق الأُسَــراءَ
ويُشــاطرُ الأَقــرانَ ذُخْـرَ سِـلاحِهِ
ويَصُــــفُّ حَــوْلَ خِوانِــــه الأَعـــداءَ
وتخــيَّروا الحــبلَ المَهيــنَ مَنيّـةً
للَّيْــثِ يلفِــــــظ حَوْلَــهُ الحَوْبــــــــاءَ
حَـرموا الممـاتَ عـلى الصَّوارِم والقَنا
مَـنْ كــــان يُعْطِــي الطَّعْنَـةَ النَّجْــلاءَ
إِنـي رأَيـتُ يَـدَ الحضـارةِ أُولِعَـتْ
بـــالـــحقِّ هــَدْمــا تــارةً وبِنـــــــــاءَ
شـرَعَتْ حُـقوقَ النـاسِ فـي أَوطانِهم
إِلاَّ أُبــــــاةَ الضَّيْـــــمِ والضُّعَفــــــــاءَ
يــا أَيُّهَـا الشـعبُ القـريبُ, أَسـامعٌ
فـأَصـــوغَ فـي عُمَـــرَ الشَّـهِيدِ رِثاءَ؟
أَم أَلْجَـمَتْ فـاكَ الخُـطوبُ وحَـرَّمت
أُذنَيْــكَ حــــينَ تُخــاطِبُ الإِصْغــــاءَ؟
ذهــب الـزعيمُ وأَنـتَ بـاقٍ خـالدٌ
فــانقُد رِجـــالَك, واخْـــتَرِ الزُّعَمـــاءَ
وأَرِحْ شـيوخَكَ مـن تكـاليفِ الـوَغَى
واحْــــمِلْ عــلى فِتْــيـانِكَ الأَعْبــــــاءَ
1 سَلو قَلبي غَداةَ سَلا وَثابا *** لَعَلَّ عَلى الجَمالِ لَهُ عِتابا
2 وَيُسأَلُ في الحَوادِثِ ذو صَوابٍ *** فَهَل تَرَكَ الجَمالُ لَهُ صَوابا
3 وَكُنتُ إِذا سَأَلتُ القَلبَ يَومًا *** تَوَلّى الدَمعُ عَن قَلبي الجَوابا
4 وَلي بَينَ الضُلوعِ دَمٌ وَلَحمٌ *** هُما الواهي الَّذي ثَكِلَ الشَبابا
5 تَسَرَّبَ في الدُموعِ فَقُلتُ:وَلّى *** وَصَفَّقَ في الضُلوعِ فَقُلتُ: ثابا
6 وَلَو خُلِقَتْ قُلوبٌ مِن حَديدٍ *** لَما حَمَلَتْ كَما حَمَلَ العَذابا
7 وَأَحبابٍ سُقيتُ بِهِمْ سُلافًا *** وَكانَ الوَصلُ مِن قِصَرٍ حَبابا
8 وَنادَمنا الشَبابَ عَلى بِساطٍ *** مِنَ اللَذاتِ مُختَلِفٍ شَرابا
9 وَكُلُّ بِساطِ عَيشٍ سَوفَ يُطوى *** وَإِن طالَ الزَمانُ بِهِ وَطابا
10 كَأَنَّ القَلبَ بَعدَهُمُ غَريبٌ *** إِذا عادَتهُ ذِكرى الأَهلِ ذابا
11 وَلا يُنبيكَ عَن خُلُقِ اللَيالي *** كَمَن فَقَدَ الأَحِبَّةَ وَالصَحابا
12 أَخا الدُنيا أَرى دُنياكَ أَفعى *** تُبَدِّلُ كُلَّ آوِنَةٍ إِهابا
13 وَأَنَّ الرُقطَ أَيقَظُ هاجِعاتٍ *** وَأَترَعُ في ظِلالِ السِلمِ نابا
14 وَمِن عَجَبٍ تُشَيِّبُ عاشِقيها *** وَتُفنيهِمْ وَما بَرِحَتْ كَعابا
15 فَمَن يَغتَرُّ بِالدُنيا فَإِنّي *** لَبِستُ بِها فَأَبلَيتُ الثِيابا
16 لَها ضَحِكُ القِيانِ إِلى غَبِيٍّ *** وَلي ضَحِكُ اللَبيبِ إِذا تَغابى
17 جَنَيتُ بِرَوضِها وَردًا وَشَوكًا *** وَذُقتُ بِكَأسِها شَهدًا وَصابا
18 فَلَم أَرَ غَيرَ حُكمِ اللهِ حُكمًا *** وَلَم أَرَ دونَ بابِ اللَهِ بابا
19 وَلا عَظَّمتُ في الأَشياءِ إِلا *** صَحيحَ العِلمِ وَالأَدَبَ اللُبابا
20 وَلا كَرَّمتُ إِلا وَجهَ حُرٍّ *** يُقَلِّدُ قَومَهُ المِنَنَ الرَغابا
21 وَلَم أَرَ مِثلَ جَمعِ المالِ داءً *** وَلا مِثلَ البَخيلِ بِهِ مُصابا
22 فَلا تَقتُلكَ شَهوَتُهُ وَزِنها *** كَما تَزِنُ الطَعامَ أَوِ الشَرابا
23 وَخُذ لِبَنيكَ وَالأَيّامِ ذُخرًا *** وَأَعطِ اللهَ حِصَّتَهُ احتِسابا
24 فَلَو طالَعتَ أَحداثَ اللَيالي *** وَجَدتَ الفَقرَ أَقرَبَها انتِيابا
25 وَأَنَّ البِرَّ خَيرٌ في حَياةٍ *** وَأَبقى بَعدَ صاحِبِهِ ثَوابا
26 وَأَنَّ الشَرَّ يَصدَعُ فاعِليهِ *** وَلَم أَرَ خَيِّرًا بِالشَرِّ آبا
27 فَرِفقًا بِالبَنينَ إِذا اللَيالي *** عَلى الأَعقابِ أَوقَعَتِ العِقابا
28 وَلَم يَتَقَلَّدوا شُكرَ اليَتامى *** وَلا ادَّرَعوا الدُعاءَ المُستَجابا
29 عَجِبتُ لِمَعشَرٍ صَلّوا وَصاموا *** عَواهِرَ خِشيَةً وَتُقى كِذابا
30 وَتُلفيهُمْ حِيالَ المالِ صُمًّا *** إِذا داعي الزَكاةِ بِهِمْ أَهابا
31 لَقَد كَتَموا نَصيبَ اللهِ مِنهُ *** كَأَنَّ اللهَ لَم يُحصِ النِصابا
32 وَمَن يَعدِل بِحُبِّ اللهِ شَيئًا *** كَحُبِّ المالِ ضَلَّ هَوًى وَخابا
33 أَرادَ اللَهُ بِالفُقَراءِ بِرًّا *** وَبِالأَيتامِ حُبًّا وَارتِبابا
34 فَرُبَّ صَغيرِ قَومٍ عَلَّموهُ *** سَما وَحَمى المُسَوَّمَةَ العِرابا
35 وَكانَ لِقَومِهِ نَفعًا وَفَخرًا *** وَلَو تَرَكوهُ كانَ أَذًى وَعابا
36 فَعَلِّمْ ما استَطَعتَ لَعَلَّ جيلاً *** سَيَأتي يُحدِثُ العَجَبَ العُجابا
37 وَلا تُرهِقْ شَبابَ الحَيِّ يَأسًا *** فَإِنَّ اليَأسَ يَختَرِمُ الشَبابا
38 يُريدُ الخالِقُ الرِزقَ اشتِراكًا *** وَإِن يَكُ خَصَّ أَقوامًا وَحابى
39 فَما حَرَمَ المُجِدَّ جَنى يَدَيهِ *** وَلا نَسِيَ الشَقِيَّ وَلا المُصابا
40 وَلَولا البُخلُ لَم يَهلِكْ فَريقٌ *** عَلى الأَقدارِ تَلقاهُمْ غِضابا
41 تَعِبتُ بِأَهلِهِ لَومًا وَقَبلي *** دُعاةُ البِرِّ قَد سَئِموا الخِطابا
42 وَلَو أَنّي خَطَبتُ عَلى جَمادٍ *** فَجَرْتُ بِهِ اليَنابيعَ العِذابا
43 أَلَم تَرَ لِلهَواءِ جَرى فَأَفضى *** إِلى الأَكواخِ وَاختَرَقَ القِبابا
44 وَأَنَّ الشَمسَ في الآفاقِ تَغشى *** حِمى كِسرى كَما تَغشى اليَبابا
45 وَأَنَّ الماءَ تُروى الأُسدُ مِنهُ *** وَيَشفي مِن تَلَعلُعِها الكِلابا
46 وَسَوّى اللهُ بَينَكُمُ المَنايا *** وَوَسَّدَكُمْ مَعَ الرُسلِ التُرابا
47 وَأَرسَلَ عائِلاً مِنكُمْ يَتيمًا *** دَنا مِن ذي الجَلالِ فَكانَ قابا
48 نَبِيُّ البِرِّ بَيَّنَهُ سَبيلاً *** وَسَنَّ خِلالَهُ وَهَدى الشِعابا
49 تَفَرَّقَ بَعدَ عيسى الناسُ فيهِ *** فَلَمّا جاءَ كانَ لَهُمْ مَتابا
50 وَشافي النَفسِ مِن نَزَعاتِ شَرٍّ *** كَشافٍ مِن طَبائِعِها الذِئابا
51 وَكانَ بَيانُهُ لِلهَديِ سُبلاً *** وَكانَت خَيلُهُ لِلحَقِّ غابا
52 وَعَلَّمَنا بِناءَ المَجدِ حَتّى *** أَخَذنا إِمرَةَ الأَرضِ اغتِصابا
53 وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي *** وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا
54 وَما استَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ *** إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُمْ رِكابا
55 تَجَلّى مَولِدُ الهادي وَعَمَّتْ *** بَشائِرُهُ البَوادي وَالقِصابا
56 وَأَسدَتْ لِلبَرِيَّةِ بِنتُ وَهبٍ *** يَدًا بَيضاءَ طَوَّقَتِ الرِقابا
57 لَقَد وَضَعَتهُ وَهّاجًا مُنيرًا *** كَما تَلِدُ السَماواتُ الشِهابا
58 فَقامَ عَلى سَماءِ البَيتِ نورًا *** يُضيءُ جِبالَ مَكَّةَ وَالنِقابا
59 وَضاعَت يَثرِبُ الفَيحاءُ مِسكًا *** وَفاحَ القاعُ أَرجاءً وَطابا
60 أَبا الزَهراءِ قَد جاوَزتُ قَدري *** بِمَدحِكَ بَيدَ أَنَّ لِيَ انتِسابا
61 فَما عَرَفَ البَلاغَةَ ذو بَيانٍ *** إِذا لَم يَتَّخِذكَ لَهُ كِتابا
62 مَدَحتُ المالِكينَ فَزِدتُ قَدرًا *** فَحينَ مَدَحتُكَ اقتَدتُ السَحابا
63 سَأَلتُ اللهَ في أَبناءِ ديني *** فَإِن تَكُنِ الوَسيلَةَ لي أَجابا
64 وَما لِلمُسلِمينَ سِواكَ حِصنٌ *** إِذا ما الضَرُّ مَسَّهُمُ وَنابا
65 كَأَنَّ النَحسَ حينَ جَرى عَلَيهِمْ *** أَطارَ بِكُلِّ مَملَكَةٍ غُرابا
66 وَلَو حَفَظوا سَبيلَكَ كان نورًا *** وَكانَ مِنَ النُحوسِ لَهُمْ حِجابا
67 بَنَيتَ لَهُمْ مِنَ الأَخلاقِ رُكنًا *** فَخانوا الرُكنَ فَانهَدَمَ اضطِرابا
68 وَكانَ جَنابُهُمْ فيها مَهيبًا *** وَلَلأَخلاقِ أَجدَرُ أَن تُهابا
69 فَلَولاها لَساوى اللَيثُ ذِئبًا *** وَساوى الصارِمُ الماضي قِرابا
70 فَإِن قُرِنَت مَكارِمُها بِعِلمٍ *** تَذَلَّلَتِ العُلا بِهِما صِعابا
71 وَفي هَذا الزَمانِ مَسيحُ عِلمٍ *** يَرُدُّ عَلى بَني الأُمَمِ الشَبابا
مامون بكري هلال 31-12-2007, 22:07 قنديل كل سنه وانت باالف خير...أقول ليك حاجه أنا زمان أحمد شوقي ده كرهني حصص الادب محل مانمشي مرحله نلاقي شوقي قدامنا قاعد..كرهنا الشعر عدييييييييييييييييييل كده..؟ولكن حبيناهو بعد إلحاحو الشديد وإصرارو كل سنه يقابلنا من مرحله لي مرحله..وتسلم يا قنديل .......
|