مشاهدة النسخة كاملة : المقاصاة فى الشريعة الاسلامية.


د. محمد عبد النبى
21-04-2006, 03:05
د. محمد عبد النبى السيد غانم
قسم قانون المرافعات. كلية الحقوق. جامعة طنطا. مصر.

فَصْلٌ فِي الْمُقَاصَّةِ

الْمُقَاصَّةُ أَيْ حَقِيقَتُهَا ( مُتَارَكَةُ مَدِينَيْنِ ) الْمُتَارَكَةُ مُفَاعَلَةٌ مَعْنَاهَا : التَّرْكُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ( بِمُتَمَاثِلَيْنِ ) : أَيْ مَدِينَيْنِ بِدَيْنَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ قَدْرًا وَصِفَةً : كَعَشَرَةٍ مُحَمَّدِيَّةٍ وَعَشَرَةٍ مُحَمَّدِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُتَمَاثِلَيْنِ كَمَا يَأْتِي حَالَ كَوْنِهِمَا ( عَلَيْهِمَا ) : أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَى صَاحِبِهِ لَهُ ( كُلُّ ) : أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتْرُكُ ( مَا ) : أَيْ الدَّيْنَ الَّذِي ( لَهُ ) عَلَى صَاحِبِهِ ( فِيمَا ) : أَيْ فِي نَظِيرِ الدَّيْنِ الَّذِي ( عَلَيْهِ ) لِصَاحِبِهِ . وَهَذَا إيضَاحٌ لِلْمُتَارَكَةِ .

ثُمَّ أَنَّ الدَّيْنَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَا عَيْنًا أَوْ طَعَامًا أَوْ عَرْضًا , وَفِي كُلٍّ : إمَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ أَحَدِهِمَا مِنْ بَيْعٍ وَالثَّانِي مِنْ قَرْضٍ , فَهَذِهِ تِسْعُ صُوَرٍ وَفِي كُلٍّ مِنْهَا : إمَّا أَنْ يَكُونَا حَالَّيْنِ أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ , أَوْ أَحَدُهُمَا حَالًّا وَالْآخَرُ مُؤَجَّلًا ; بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ صُورَةً . وَفِي كُلٍّ : إمَّا أَنْ يَتَّفِقَا فِي النَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ أَوْ يَخْتَلِفَا فِي وَاحِدٍ مِنْهَا ; فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ فِي السَّبْعَةِ وَالْعِشْرِينَ : بِمِائَةٍ وَثَمَانِ صُوَرٍ , أَشَارَ لَهَا وَلِحُكْمِهَا بِقَوْلِهِ :

( وَتَجُوزُ ) الْمُقَاصَّةُ وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ : الْإِذْنُ فَيُصَدَّقُ بِالْوُجُوبِ ; فَإِنَّهَا قَدْ تَجِبُ أَيْ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِهَا كَمَا إذَا كَانَا مُتَمَاثِلَيْنِ وَحَلَّ الْأَجَلُ أَوْ طَلَبَهَا أَحَدُهُمَا ( الْمُقَاصَّةُ ) ( فِي دَيْنَيْ الْعَيْنِ مُطْلَقًا ) كَانَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ أَوْ أَحَدِهِمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ ( إنْ اتَّحِدَا قَدْرًا وَصِفَةً ) كَالْمِثَالِ الْمُتَقَدِّمُ وَسَوَاءٌ ( حَلَّا ) مَعًا ( أَوْ ) حَلَّ ( أَحَدُهُمَا ) وَالْآخَرُ مُؤَجَّلٌ ( أَوْ لَا ) بِأَنْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ مَعًا .

( أَوْ اخْتَلَفَا صِفَةً ) : أَيْ جُودَةً وَرَدَاءَةً : كَمُحَمَّدِيَّةٍ وَيَزِيدِيَّةٍ .

( أَوْ ) اخْتَلَفَا ( نَوْعًا ) كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ ( إنْ حَلَّا ) مَعًا فَيَجُوزُ إذْ هِيَ فِي اخْتِلَافِ الصِّفَةِ مُبَادَلَةً , وَفِي اخْتِلَافِ النَّوْعِ صَرْفٌ , وَلَا تَأْخِيرَ فِيهِمَا عِنْدَ حُلُولِهِمَا .

فَإِنْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ لِلتَّأْخِيرِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ , وَإِلَّا فَلَا ; فَإِنَّهُ رَاجِعٌ لِهَذَيْنِ أَيْضًا .
( أَوْ ) اخْتَلَفَا ( قَدْرًا ) كَعَشَرَةٍ مُحَمَّدِيَّةٍ وَأَكْثَرَ مِنْهَا مِثْلَهَا أَوْ أَقَلَّ ( وَهُمَا ) مَعًا ( مِنْ بَيْعٍ وَحَلَّا ) مَعًا فَيَجُوزُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ .

( وَإِلَّا فَلَا ) : رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ , وَمَعْنَاهُ فِي هَذِهِ : وَأَلَّا يَكُونَا مِنْ بَيْعٍ بِأَنْ كَانَا مِنْ قَرْضٍ أَوْ أَحَدِهِمَا مُنِعَتْ الْمُقَاصَّةُ سَوَاءٌ حَلَّ الْأَجَلَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَمْ لَمْ يَحِلَّا ; فَهَذِهِ سِتُّ صُوَرٍ يُسْتَثْنَى مِنْهَا وَاحِدَةٌ : وَهِيَ مَا إذَا حَلَّ الْأَجَلَانِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ وَكَانَ الْقَرْضُ هُوَ الْأَكْثَرَ , فَيَجُوزُ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَنْ دَيْنِ بَيْعٍ أَكْثَرَ مِنْهُ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ . وَكَذَا يَمْتَنِعُ إذَا كَانَا مِنْ بَيْعٍ وَلَمْ يَحِلَّا لِمَا فِيهِ مِنْ : حُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُك , أَوْ : ضَعْ وَتَعَجَّلْ فَتَأَمَّلْ . وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ : وَ " إلَّا فَلَا " بِالنِّسْبَةِ لِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ فَقَطْ ثَلَاثَةُ صُوَرٍ وَهِيَ : مَا إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَقَطْ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ بَيْعٍ , أَوْ قَرْضٍ , أَوْ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْأَفْضَلِ يَجُوزُ , ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ . وَيُفِيدُهُ قَوْلُنَا فِي الْقَرْضِ : " وَجَازَ بِأَفْضَلَ بِلَا شَرْطٍ " .

( وَالطَّعَامَانِ مِنْ قَرْضٍ كَذَلِكَ ) : فَيَجُوزُ فِيهِمَا الْمُقَاصَّةُ إنْ اتَّفَقَا صِفَةً وَقَدْرًا حَلَّا أَوْ أَحَدُهُمَا أَمْ لَا , أَوْ اخْتَلَفَا صِفَةً كَسَمْرَاءَ وَمَحْمُولَةً أَوْ نَوْعًا ; كَقَمْحٍ وَفُولٍ إنْ حَلَّا مَعًا وَإِلَّا فَلَا كَأَنْ اخْتَلَفَا قَدْرًا .

( وَمُنِعَا ) : أَيْ الطَّعَامَانِ : أَيْ الْمُقَاصَّةُ فِيهِمَا إذَا كَانَ مَعًا ( مِنْ بَيْعٍ مُطْلَقًا ) اتَّفَقَا أَوْ اخْتَلَفَا صِفَةً أَوْ نَوْعًا حَلَّا أَوْ أَحَدُهُمَا أَمْ لَا لِمَا فِيهِ مِنْ بَيْعِ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ , وَيُزَادُ إذَا لَمْ يَحِلَّا بَيْعُ طَعَامِ بِطَعَامِ نَسِيئَةٍ ( كَأَنْ اخْتَلَفَا مِنْ بَيْعٍ وَقَرْضٍ ) فَتَمْتَنِعُ الْمُقَاصَّةُ فِيهِمَا ( إنْ اخْتَلَفَا صِفَةً ) : وَأَوْلَى نَوْعًا ( أَوْ قَدْرًا أَوْ ) اتَّفَقَا وَ ( لَمْ يَحِلَّا , وَإِلَّا ) إنْ حَلَّا مَعًا وَاتَّفَقَا كَإِرْدَبِّ سَمْرَاءَ وَمِثْلَهُ ( جَازَتْ ) وَهُوَ ظَاهِرٌ .

( وَتَجُوزُ فِي الْعَرْضَيْنِ ) : الشَّامِلِ لِلْحَيَوَانِ كَثَوْبٍ وَثَوْبٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ عَبْدٍ وَفَرَسٍ ( مُطْلَقًا ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ حَلَّا أَوْ أَحَدُهُمَا أَمْ لَا ( إنْ اتَّحَدَا نَوْعًا وَصِفَةً وَاخْتَلَفَا ) فِي الصِّفَةِ أَوْ النَّوْعِ ( وَحَلَّا ) مَعًا ( أَوْ ) لَمْ يَحِلَّا وَ ( اتَّفَقَا أَجَلًا ) لَا إنْ اخْتَلَفَ أَجَلُهُمَا ( الْمُقَاصَّة ) . هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الدَّيْنَانِ عَيْنَيْنِ أَوْ طَعَامَيْنِ أَوْ عَرْضَيْنِ , فَإِنْ اخْتَلَفَا كَعَيْنٍ فِي ذِمَّةٍ وَعَرْضٍ أَوْ طَعَامٍ فِي أُخْرَى , أَوْ عَرْضٍ فِي ذِمَّةٍ وَطَعَامٍ فِي أُخْرَى ; وَالصُّوَرُ الثَّلَاثُ : إمَّا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ , وَهَذِهِ التِّسْعَةُ تُضْرَبُ فِي أَحْوَالِ الْأَجَلِ الثَّلَاثِ : بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ , كُلُّهَا جَائِزَةٌ . وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ لَا الْمُقَاصَّةِ , إلَّا إذَا كَانَ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ طَعَامًا مِنْ بَيْعٍ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَلَا تَجُوزُ , وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

بلغة السالك لأقرب المسالك المعروف بحاشية الصاوي على الشرح الصغير - تعريف المقاصة وبيان صورها-الجزء الثالث-صفحة 297 إلى 301