د. محمد عبد النبى
21-07-2006, 23:21
بسم الله الرحمن الرحيم
المسَاواة بين الخصُوم أمام القضَاء في الشريَعة الإسْلاميّة
د. فتحي والي
أستاذ قانون المرافعات
ونائب رئيس جامعة القاهرة
أنزلت الشريعة الإسلامية القضاء منزلاً رفيعاً، فهو عمل الأنبياء وصناعة الحكماء. ويقول الله تعالى مخاطباً نبيه داود: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعلنَاكَ خَليفةً فِي الأَرضِ فَاحْكُم بَينَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلاَ تَتَّبعِ الهَوَى فَيُضلكَ عَن سَبِيلِ اللهِ) (سورة ص/ 26). وقال جلَّت قدرته: (وَكُلاًّ أَتَيْنَا حُكماً وَعِلماً) (سورة الأنبياء/ 79). كما يقول: (وَأَنِ احْكُم بَيْنهُم بِمَا أَنَزلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ) (سورة المائدة/ 49). كما يقول تعالى: (وَإِذَا حَكَمتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحكُمُوا بِالعَدْلِ) (سورة النساء/ 58).
وكلمة الحكم في كل الآيات تعني القضاء. وهي مأخوذة من الحكمة أي وضع الشيء في موضعه. وقد تولى رسول الله صلى الله عليه وسلم القضاء بين المسلمين. وأرسل الإمام عليّاً كرَّم وجهه قاضياً باليمن، وكان عليه السلام إذا أسلم قوم أرسل إليهم من يتولى الولاية والقضاء أو من يعلِّم القوم الدين الجديد ويتولى القضاء. كما تولى القضاء كل الخلفاء الراشدين وحرصوا على تعيين القضاة من كبار الأئمة. وقد كثرت الأحاديث النبوية الشريفة التي تحض القاضي على العدل وتحذِّره من الظلم. من هذه الأحاديث:
ـ ما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جلس القاضي للحكم بعث الله إليه ملكين يسدِّدانه. فإنْ عدَلَ أقاما وإنْ جارَ عَرَجَا وتركاه".
ـ وما رواه يسر بن سعيد عن أبي قيس عن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا حكم الحاكم فأجتَهَدَ فأصاب فله أَجْران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر (ورواه أبو سلمة عن أبي هريرة).
ـ وما رواه أبو هاشم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة: قاضٍ عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاضٍ قضى بجهل فهو في النار، وقاضٍ عرف الحق فجار فهو في النار".
حين يقسم ومع القاضي حين يقضي"1.
ومن أهم المبادئ التي يقوم عليها القضاء في الشريعة الإسلامية مبدأ المساواة بين الخصوم. ولهذا المبدأ تطبيقات عديدة أهمها:
أولاً: المساواة بين الخصمين بصرف النظر عن اختلاف مكانة كل منهما
وهذه المساواة أصل هام من أصول العقيدة الإسلامية. فالإنسان هو خليفة الله في الأرض. وقد ساوى الله بين خلفائه. يقول الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) (سورة الحجرات/ 13). وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "كلكم بنو آدم. آدم خُلق من تراب لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم". ويقول عليه السلام: "أنا أخو كل تقيّ ولو كان عبداً حبشيّاً، وبريء من كل شقيّ ولو كان شريفاً قرشيّاً"|.
وتروي السنَّة الفعلية للنبي عليه السلام كثيراً من الوقائع التي تؤكد بالفعل حرص النبي على أن يساوي بين المسلمين، بل بينه وبين غيره من المسلمين، من هذه ما حدث عندما كان النبي وعلي بن أبي طالب ورجل يسمى مرتد بن أبي مرشد، وكان معهم بعير واحد فأرادا أن يركب الرسول ويمشيا ففرض عليه السلام قائلاً: "لستما بأقوى على المشي مني، ولست بأغنى عن الأجر منكما".
وقد حفل التاريخ الإسلامي بما يؤكد تطبيق هذا المبدأ الخصمين في مجلس القضاء. فقد روي أن رجلاً اشتكى عليّاً يوماً إلى عمر بن الخطاب عندما كان خليفة المسلمين فنادى عمر الإمام عليّاً بعبارة: "يا أبا الحسن"، ونادى الخصم باسمه. فغضب علي، فقال له عمر: لماذا غضبت، هل لأنني ساويتك مع الخصم؟ فقال له: لا ولكن لأنك كنيتني ولم تكنه.
وروي أن عليّاً بن أبي طالب وجد درعه عند رجل نصراني فأقبل به على شريح ـ قاضيه ـ يخاصمه مخاصمة رجل من عامة رعاياه. وقال: إنها درعي ولم أبع ولم أهب. فسأل شريح النصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ قال النصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب. فالتفت شريح إلى علي يسأله: يا أمير المؤمنين هل من بيِّنة؟ فضحك علي وقال: أصاب شريح. ما لي بيِّنة. فقضى بالدرع للنصراني.
ولم يقبل القاضي شريح شاهدَيْ علي لأن أحدهما كان ابنه والآخر مولاه. ويؤكد الإمام أبو الحسن علي بن محمد الماوردي هذا المبدأ بقوله: إن على القاضي "التسوية في الحكم بين القوي والضعيف، والعدل في القضاء بين المشروف والشريف". وقد ربط الماوردي بين هذا المبدأ ووقار القاضي، فقرر أن وقار القاضي يوجب عليه "أن يكون دخول جميع المتنازعين إليه من شريف ومشروف مطرقاً"2.
ثانياً ـ عدم تقديم قضية في دورها على قضية أخرى
لم يكن القضاء في صدر الإسلام يعرف ما يسمى الآن بجدول القضايا الذي ترتب فيه القضايا بالجلسة، حسب دورها في هذا الجدول. بل كان القاضي يجلس في مجلس القضاء، وَيَرِدُ إليه الخصوم ليفصل في خصوماتهم. وقد حرص الفقه الإسلامي على تأكيد مبدأ هام في عدم التمييز بين الخصوم، فأوجب على القاضي أن ينظر القضايا حسب أولوية حضور أطرافها.
يذكر الإمام الكاساني (بدائع الصنائع، جزء سابع، ص13) أنه من أدب القضاء "أن يقوم الخصوم على مراتبهم في الحضور، الأول فالأول، لقوله عليه الصلاة والسلام: المباح لمن سَبَقَ إليه. وإن اشتبه عليه حالهم استعمل القرعة فقدَّم من خرجت قرعته".
وإمعاناً في العدل، ورحمة بالناس، أُعطي الغريب أولوية في نظر قضيته حتى لا يتعطل عن السفر إلى بلده. ذلك أن الغرباء إذا خاصموا بعض أهل المصر إلى القاضي أو خاصم بعضهم بعضاً أو خاصمهم بعض أهل المصر فإنه يقدمهم في الخصومة على أهل المصر، لما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال: قدِّم الغريب، فإنك إذا لم ترفع به رأساً ذهب وضاع حقُّه فتكون أنت الذي ضيَّعته. ذلك أنه لا يمكنه الانتظار فكان تأخيره في الخصومة تضييعاً لحقِّه.
ثالثاً ـ المساواة بين الخصمين في مجلسهما أمام القاضي
من مظاهر المساواة بين الخصمين والتي حرص الفقه الإسلامي على تأكيدها وجوب أن يتساوى الخصمان أمامه. فلا يقرِّب أحدهما ويُبْعِد الآخر، ولا يسمح لأحدهما بالجلوس ويترك الآخر واقفاً. ولا يُجْلِس أحدهما على وسادة ويجلس الآخر على الأرض.
وقد روي عن عمر بن الخطاب وعن ابن أبي كعب رضي الله عنهما أنهما اختصما في حادثة إلى زيد بن ثابت، فألقى لعمر بن الخطاب وسادة: فقال عمر رضي الله عنه: "هذا أول جورك"، وجلس بين يديه ولم يجلس على الوسادة.
ويرسم الإمام علاء الدين أبو بكر الكاساني هذا المبدأ في كتابه "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع"، 1910، جزء سابع، ص 9، باعتباره من آداب القضاء كالتالي: "ومنها أن يسوِّي بين الخصمين في الجلوس فيُجلسهما بين يديه، لا عن يمينه ولا عن يساره لأنه لو فعل ذلك فقد قرَّب أحدهما في مجلسه. وكذلك لا يُجْلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره لأن لليمين فضلاً عن اليسار". ويؤكد الإمام الماوردي في كتابه سالف الذكر (ص248-250) هذا المبدأ فهو يتطلب من القاضي "أن يساوي بين الخصمين في مقعدهما".
ويقول ابن القيم: "في تخصيص أحد الخصمين بمجلس.. مضرَّتان: إحداهما طمعه في أن يكون الحكم له فيتوى قلبه وجنانه. والثانية أن الخصم الآخر ييأس من عدله ويضعف قلبه وتنكسر حجته". وقد وضح هذا المبدأ في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري بما يعرف برسالة القضاء إذ جاء بها: "آسِ بين الناس في مجلسك... حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك".
المسَاواة بين الخصُوم أمام القضَاء في الشريَعة الإسْلاميّة
د. فتحي والي
أستاذ قانون المرافعات
ونائب رئيس جامعة القاهرة
أنزلت الشريعة الإسلامية القضاء منزلاً رفيعاً، فهو عمل الأنبياء وصناعة الحكماء. ويقول الله تعالى مخاطباً نبيه داود: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعلنَاكَ خَليفةً فِي الأَرضِ فَاحْكُم بَينَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلاَ تَتَّبعِ الهَوَى فَيُضلكَ عَن سَبِيلِ اللهِ) (سورة ص/ 26). وقال جلَّت قدرته: (وَكُلاًّ أَتَيْنَا حُكماً وَعِلماً) (سورة الأنبياء/ 79). كما يقول: (وَأَنِ احْكُم بَيْنهُم بِمَا أَنَزلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ) (سورة المائدة/ 49). كما يقول تعالى: (وَإِذَا حَكَمتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحكُمُوا بِالعَدْلِ) (سورة النساء/ 58).
وكلمة الحكم في كل الآيات تعني القضاء. وهي مأخوذة من الحكمة أي وضع الشيء في موضعه. وقد تولى رسول الله صلى الله عليه وسلم القضاء بين المسلمين. وأرسل الإمام عليّاً كرَّم وجهه قاضياً باليمن، وكان عليه السلام إذا أسلم قوم أرسل إليهم من يتولى الولاية والقضاء أو من يعلِّم القوم الدين الجديد ويتولى القضاء. كما تولى القضاء كل الخلفاء الراشدين وحرصوا على تعيين القضاة من كبار الأئمة. وقد كثرت الأحاديث النبوية الشريفة التي تحض القاضي على العدل وتحذِّره من الظلم. من هذه الأحاديث:
ـ ما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جلس القاضي للحكم بعث الله إليه ملكين يسدِّدانه. فإنْ عدَلَ أقاما وإنْ جارَ عَرَجَا وتركاه".
ـ وما رواه يسر بن سعيد عن أبي قيس عن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا حكم الحاكم فأجتَهَدَ فأصاب فله أَجْران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر (ورواه أبو سلمة عن أبي هريرة).
ـ وما رواه أبو هاشم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة: قاضٍ عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاضٍ قضى بجهل فهو في النار، وقاضٍ عرف الحق فجار فهو في النار".
حين يقسم ومع القاضي حين يقضي"1.
ومن أهم المبادئ التي يقوم عليها القضاء في الشريعة الإسلامية مبدأ المساواة بين الخصوم. ولهذا المبدأ تطبيقات عديدة أهمها:
أولاً: المساواة بين الخصمين بصرف النظر عن اختلاف مكانة كل منهما
وهذه المساواة أصل هام من أصول العقيدة الإسلامية. فالإنسان هو خليفة الله في الأرض. وقد ساوى الله بين خلفائه. يقول الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) (سورة الحجرات/ 13). وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "كلكم بنو آدم. آدم خُلق من تراب لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم". ويقول عليه السلام: "أنا أخو كل تقيّ ولو كان عبداً حبشيّاً، وبريء من كل شقيّ ولو كان شريفاً قرشيّاً"|.
وتروي السنَّة الفعلية للنبي عليه السلام كثيراً من الوقائع التي تؤكد بالفعل حرص النبي على أن يساوي بين المسلمين، بل بينه وبين غيره من المسلمين، من هذه ما حدث عندما كان النبي وعلي بن أبي طالب ورجل يسمى مرتد بن أبي مرشد، وكان معهم بعير واحد فأرادا أن يركب الرسول ويمشيا ففرض عليه السلام قائلاً: "لستما بأقوى على المشي مني، ولست بأغنى عن الأجر منكما".
وقد حفل التاريخ الإسلامي بما يؤكد تطبيق هذا المبدأ الخصمين في مجلس القضاء. فقد روي أن رجلاً اشتكى عليّاً يوماً إلى عمر بن الخطاب عندما كان خليفة المسلمين فنادى عمر الإمام عليّاً بعبارة: "يا أبا الحسن"، ونادى الخصم باسمه. فغضب علي، فقال له عمر: لماذا غضبت، هل لأنني ساويتك مع الخصم؟ فقال له: لا ولكن لأنك كنيتني ولم تكنه.
وروي أن عليّاً بن أبي طالب وجد درعه عند رجل نصراني فأقبل به على شريح ـ قاضيه ـ يخاصمه مخاصمة رجل من عامة رعاياه. وقال: إنها درعي ولم أبع ولم أهب. فسأل شريح النصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ قال النصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب. فالتفت شريح إلى علي يسأله: يا أمير المؤمنين هل من بيِّنة؟ فضحك علي وقال: أصاب شريح. ما لي بيِّنة. فقضى بالدرع للنصراني.
ولم يقبل القاضي شريح شاهدَيْ علي لأن أحدهما كان ابنه والآخر مولاه. ويؤكد الإمام أبو الحسن علي بن محمد الماوردي هذا المبدأ بقوله: إن على القاضي "التسوية في الحكم بين القوي والضعيف، والعدل في القضاء بين المشروف والشريف". وقد ربط الماوردي بين هذا المبدأ ووقار القاضي، فقرر أن وقار القاضي يوجب عليه "أن يكون دخول جميع المتنازعين إليه من شريف ومشروف مطرقاً"2.
ثانياً ـ عدم تقديم قضية في دورها على قضية أخرى
لم يكن القضاء في صدر الإسلام يعرف ما يسمى الآن بجدول القضايا الذي ترتب فيه القضايا بالجلسة، حسب دورها في هذا الجدول. بل كان القاضي يجلس في مجلس القضاء، وَيَرِدُ إليه الخصوم ليفصل في خصوماتهم. وقد حرص الفقه الإسلامي على تأكيد مبدأ هام في عدم التمييز بين الخصوم، فأوجب على القاضي أن ينظر القضايا حسب أولوية حضور أطرافها.
يذكر الإمام الكاساني (بدائع الصنائع، جزء سابع، ص13) أنه من أدب القضاء "أن يقوم الخصوم على مراتبهم في الحضور، الأول فالأول، لقوله عليه الصلاة والسلام: المباح لمن سَبَقَ إليه. وإن اشتبه عليه حالهم استعمل القرعة فقدَّم من خرجت قرعته".
وإمعاناً في العدل، ورحمة بالناس، أُعطي الغريب أولوية في نظر قضيته حتى لا يتعطل عن السفر إلى بلده. ذلك أن الغرباء إذا خاصموا بعض أهل المصر إلى القاضي أو خاصم بعضهم بعضاً أو خاصمهم بعض أهل المصر فإنه يقدمهم في الخصومة على أهل المصر، لما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال: قدِّم الغريب، فإنك إذا لم ترفع به رأساً ذهب وضاع حقُّه فتكون أنت الذي ضيَّعته. ذلك أنه لا يمكنه الانتظار فكان تأخيره في الخصومة تضييعاً لحقِّه.
ثالثاً ـ المساواة بين الخصمين في مجلسهما أمام القاضي
من مظاهر المساواة بين الخصمين والتي حرص الفقه الإسلامي على تأكيدها وجوب أن يتساوى الخصمان أمامه. فلا يقرِّب أحدهما ويُبْعِد الآخر، ولا يسمح لأحدهما بالجلوس ويترك الآخر واقفاً. ولا يُجْلِس أحدهما على وسادة ويجلس الآخر على الأرض.
وقد روي عن عمر بن الخطاب وعن ابن أبي كعب رضي الله عنهما أنهما اختصما في حادثة إلى زيد بن ثابت، فألقى لعمر بن الخطاب وسادة: فقال عمر رضي الله عنه: "هذا أول جورك"، وجلس بين يديه ولم يجلس على الوسادة.
ويرسم الإمام علاء الدين أبو بكر الكاساني هذا المبدأ في كتابه "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع"، 1910، جزء سابع، ص 9، باعتباره من آداب القضاء كالتالي: "ومنها أن يسوِّي بين الخصمين في الجلوس فيُجلسهما بين يديه، لا عن يمينه ولا عن يساره لأنه لو فعل ذلك فقد قرَّب أحدهما في مجلسه. وكذلك لا يُجْلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره لأن لليمين فضلاً عن اليسار". ويؤكد الإمام الماوردي في كتابه سالف الذكر (ص248-250) هذا المبدأ فهو يتطلب من القاضي "أن يساوي بين الخصمين في مقعدهما".
ويقول ابن القيم: "في تخصيص أحد الخصمين بمجلس.. مضرَّتان: إحداهما طمعه في أن يكون الحكم له فيتوى قلبه وجنانه. والثانية أن الخصم الآخر ييأس من عدله ويضعف قلبه وتنكسر حجته". وقد وضح هذا المبدأ في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري بما يعرف برسالة القضاء إذ جاء بها: "آسِ بين الناس في مجلسك... حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك".