مشاهدة النسخة كاملة : بالمناسبة المرحوم البروف ابو سليم عمنا


سمل الحلفاوى
26-07-2006, 07:36
أيام خالدات من رحلة رائد التوثيق في السودان محمد إبراهيم أبو سليم
أحداث الجنوب 1955م نبهتني إلى دور المعلومات
بين سرايا المهدي التي تضم دار الوثائق القومية التي تحتشد بملايين الوثائق والمخطوطات في وسط الخرطوم ، قضيت زهاء شهر بأكمله ، اقتنص من البروفيسور محمد ابراهيم ابوسليم فرص تسجيل هذه الافادات .. فالرجل مشغول بالبحث والتنقيب ، وبملاقاة الباحثين في مجالات التاريخ .. والوثائق .. والآثار . زوار على امتداد هذا الشهر من الاجانب ، والسودانيين المهاجرين ، والمقيمين .. يقصدون ابوسليم علي وجه الخصوص .. يعتذر لي مرة ومرات ... لكنني صبرت طويلا على هذه الافادات حتي تكاملت، فالتجربة الثرة والضخمة ، والمرجعية التي يتمتع بها ابوسليم، تجعله قبلة لهؤلاء الناس، وتجعلنا نسابق الوقت لتسجيل كل كبيرة وصغيرة عن الامكنة والازمنة والمواقف والحكايات لنضمنها سفر ابوسليم ، وهي بلاشك تلقي الضوء على حياة بحاثة ووثائقي من الدرجة الاولى .. وهب حياته لخدمة البحث والتوثيق منذ ان كان مساعدا لامين المحفوظات في 1955م، ويقف موضوع رسالته للدكتوراة في عام 1966م عن مخطوط النجومي (مخطوط توشكي) من اوفي المصنفات حيث وصفها المستر (ب . م . هولت) بأنها : (صرح شامخ من البحث العلمي حيث استخدم مؤلف مخطوط النجومي كنواة لبحثه .. واقام عليها بناء علميا ضخما تضمن معلومات حية اكتسبها نتيجة معاناة طويلة ، وحميمية للمواد التي تناولها البحث .. ومستر (ب . م هولت) معروف عنه وضعه لاولى لبنات الارشيف السوداني بجانب جهوده الرائدة في فحص وترتيب وفهرسة الوثائق التاريخية، خاصة وثائق المهدية والمخابرات الحربية التي عالجها ارشيفيا .
وها هو البروفيسور ابوسليم يرحل هادئا مطمئنا الى الرفيق الاعلى لتبقى افاداته جزءاً مهما في سيرة رجل وهب التاريخ السوداني حياته وماله وجهده وعقله (عليه رحمة الله ورضوانه) .
توثيق : طاهر محمد علي طاهر
تصوير: عصام عمر الزين
لم امارس السياسية في حياتي لان اتجاهي يحتم علي ان اكون وطنيا وقوميا
* د. ابوسليم دعني اسألك عن اتجاه التخصص في الجامعة؟
- اتجاهي من الوسطى كان نحو الحساب حيث كنت احرز فيه نتائج مشرفه تصل الى 100% في الامتحانات.. وعندما ذهبت الى وادي سيدنا بدأت اتحول، ومن الاشياء التي جعلتني اتحول كان هناك استاذ يدرسنا الرياضيات اسمه مستر بيكر فكنا على خلاف، فكرهت المادة وبدأت دراسة الادب، وعندما جئت كلية الخرطوم الجامعية دخلت الآداب وهذا مثل لي تحولا كبيرا.. اخذنا اربعة علوم وهي العربي، والانجليزي، والجغرافيا والتاريخ هذا كان في السنة الاولى وفي السنة الثانية كنا نأخذ ثلاث مواد.. وعندما جئنا الى السنة الثالثة زيدت مادة الاقتصاد الذي كان يدرسه سعد الدين فوزي، رحمه الله، وهو على فكرة اسس كلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعيه وهو رجل مقتدر وعندما أسس كلية الاقتصاد اتجه اليه معظم الطلاب.
* د. ابوسليم الم تمارس نشاطا سياسيا في داخل الجامعة؟
- ابدا (قالها بحماس) انا منذ زمان لم ادخل في السياسة والى الآن ليس لدي اي اهتمام سياسي.
* لماذا يا ترى؟
مزاجي كدا.. المزاج كدا.. والالتزام صعب جدا. يعني اذا انت ملتزم مع حزب معناه ان تلتزم تمام الالتزام.. واصبحت قوميا، وهو امر يتناسب مع اتجاهي الشخصي، لكن في هذا الاتجاه الوطني لازم يكون لديك مجموعة وتصوت لها، وتؤثر فيها، لان هذا يمثل المسار الديمقراطي، والعمل السياسي (ماشي) على كدا.
ونحن هنا لا ندعو الآخرين ان يكونوا بعيدين عن السياسة او الاحزاب لكن على النطاق الشخصي فهذا مبدئي لا اسعى للمناقشات السياسية والمواقف السياسية.
* والنشاط الثقافي الم يكن موجودا كما السياسة؟
- مثلما حدثتك كان هناك نشاط ادبي كبير، وفي هذه المرحلة كان الاساتذة يهتمون بالطلبة البارزين اذكر منهم صديقنا الدكتور عبدالله الطيب (عليه رحمة الله) كانت له صداقات مع مجموعة كنت من ضمنها، وكان يدعونا الى منزله لتناول الشاي، ووجبة العشاء ونستأنس معه، ويفيدنا بآرائه في الادب، مما خلق علاقة عميقة، مع هذه المجموعة، اما الثاني فكان احسان عباس استاذ الادب العربي وهو حتى الان يكتب، وله عدد من الكتابات، عملنا جمعية بلا اسم، ولم يكن لديها برنامج، فقط نذهب الى منزله ، ونكون محضرين اية قضية لنناقشها، وكنت اسميها جمعية احسان، وتكونت مني ومحمد ابراهيم الشوش، ومحمد عثمان صبحي، ومعنا شخص رابع لا اذكره،، بعد ذلك المساحة زادت وانضم الينا موسى المبارك عندما سمع بالجمعية اصر على الاشتراك معنا، وكان طالبا نشطا جدا في الاداب، ومبرزا، مات مبكرا، واذكر انه عندما اراد الدخول معنا ناقشنا في امر قبوله، كان الاعتراض على انه سياسي، وكان قبلها شيوعيا، ولديه اهتماماته السياسية وفي الآخر ضغط على احسان عباس الذي لم يستطع مقاومة هذا الضغط، فوافق على انضمامه، واول دخوله للجمعية اقترح ان يكون لها تنظيم ورئاسة فاعترضت عليه، الجمعية استمرت حتى تخرجنا من الجامعة وفي تلك الفترة احتفى احسان عباس بمحمد ابراهيم الشوش، وقدمه الى الصحافة وكان يساعده عندما يكتب مقالا ليصححه، وينظمه له ومن ثم ينشره له في الصحف السودانية، و احيانا في صحف بيروت، الشوش تعلم هذا كله من احسان عباس، وفي الآخر استوعب الشوش في الجامعة لتدريس الادب العربي، وساعده عبدالله الطيب كثيرا لكنهما اختلفا اختلافا كبيرا.
* لماذا اختلفا؟
- كان خلافا بين اساتذة جامعة، واحيانا يتسبب كلام الناس في القيل والقال، هذه الخلافات.. الان محمد ابراهيم الشوش غير موجود.. ومهاجر في كندا.
* د. ابوسليم نواصل الحديث عن الحضارة النوبية وعلاقتها ببقية الحضارات؟؟
- عندما تأتي الغزوات الكبيرة من الخارج وخصوصا مصر كانوا ينهزمون لقلة عددهم واكبر الاشكاليات كانت هجرتهم الى باقي المدن السودانية ، والى الخارج. لكن رغم ذلك كانوا متحضرين اخر درجة، ومحاربين من الدرجة الاولى وخصوصا اجادتهم لاستعمال النبال ولذلك

سمل الحلفاوى
26-07-2006, 07:38
اطلق عليهم، (رماة الحدق) لانهم يصوبونها على الاعين - وهي عملية غير سهلة.
* لنتحدث عن فنونهم، والآثار الموجودة التي تم الحفاظ عليها؟
- الفن عندهم قديم جدا، انا ذهبت الى بلادنا في اية قرية تجد على الاقل محلين او ثلاثة فيها صور، ورسومات على الاحجار ومنها ماهو من العصر الحجري، وجزء من هذا الفن موجود حتى في المقابر، ومثال لذلك معرض (اماني شاخيتي) الذي يضم جواهر قيمة في المانيا، في متحفين بهما اجمل المجموعات الذهبية المعروفة والتي سميت (gold Of Marawy) اجمل الحلي التي يمكن تصويرها معمولة من زجاج فاخر، وذهب تمثل دقة الصنعة السودانية.
* وماذا عن اللغة النوبية؟
- هي لغة واحدة تنقسم الى ثلاث لهجات، واللغة النوبية كانت تكتب بحروف رومانية اغريقية.. تشكيلة من الحروف كتبت في القرن الاول من الهجرة، لكن الناس اصبحوا يستعملون اللغات القادمة لانها اسهل، لكن مثلما ترى انها ارتبطت بالعبادة كصورة مريم العذراء (ميري) والكتابات حولها، الخط النوبي او الحروب النوبية ايضا التصقت بالعبادة وهذه مسألة متقدمة جدا وهناك انجيل مكتوب باللغة النوبية، اللهجات الثلاث هي المتوكية واللهجة الوسطى، والدنقلاوية.
* د. ابوسليم لعل واحدة من الاشياء المرتبطة تاريخيا بالمنطقة الهجرة الى خشم القربة من حلفا القديمة ولذلك آثار نفسية، واجتماعية؟
- هذه العملية فيها زوايا عديدة.. اولا انا اعتقد ان النوبيين خسروا خسارة كبيرة جدا، ضروا بلدهم، وموطنهم، واصبحوا مهاجرين والذين هاجروا لم يجدوا راحة وكذلك المقيمين، لكن المكسب الذي كسبه النوبيون هو حصولهم على حلفا الجديدة، لانها منطقة واسعة باراضيها المتسعة، وتملكوا الاراضي هناك، واصبحوا جزءا من الاقتصاد السوداني ، الآن عندما يأتي الحديث من محصول الفول، والقطن، وانتاج السكر يشيرون الى حلفا.. اعود للاثار الاخرى فاقول ان تراكم الحضارات فاتوا في منطقة جديدة فيها الشكرية، والبجا يؤثرون على هذين المجتمعين من المجتمعات العربية والبيجاوية ويتأثرون كذلك بضعف اللغة النوبية، والناس اصبحوا غير محتاجين لها الا في داخل (الحلة) والمنازل، لكن في الاسواق يستعملون اللغة العربية، ويمكن ان تمسكهم بالعادات النوبية الصرفه في مسائل الزواج، والوفيات، وبعض العادات ايضا اصبح يضعف، وهذا ظاهر الان في الرقص، فقد تركوا الرقص النوبي ليرقصوا رقص (الخرطوم) وهذه اشارات واضحة.. لكن جيلنا لايمكن ان ينسى حلفا..ممكن اولادنا واحفادنا عندما يأتوا يمكنهم ان يتأقلموا ويدخلوا في الجو الجديد. لكن تأثير المنطقة موجود في قلب كل نوبي، والرباط عظيم لاخر درجة.
* قرار التهجير كيف يراه الدكتور ابوسليم؟
- طبعا كان العنصر النوبي من الجنوب ممتد الى داخل مصر حتى اسوان، ومن اسوان حتى 135 كيلو جنوب حلفا انقطعت، وكل اثارها، وصناعة انسانها تحت الماء هذه كارثة كبيرة جدا معناها ان نصف الاقليم النوبي، غرق وحتى اسماء البلدان غرقت وكانت حضارية لدرجة بعيدة، الاسماء النوبية القديمة ضاعت لانه غالب عليها الاسم العربي والمسيحي، اسماء البلدان كانت المستودع لاسماء النوبيين، مثال لها (سيان تيري، وكاربين) والغريب في الامر ان بعض الاسماء موجودة داخل السودان عندما تذهب الى منطقة الشايقية والرباطاب تجدها هناك لان اصلها بلاد النوبة. بعد ذلك انقسم الناس، وبخلاف السد العالي وتأثير البحيرة فالهجرة تكاد تكون اثرت على هجرة الناس من منطق السكوت والمحس ودنقلا فاصبحت خالية، واعتقد ان اهم سبب هو ضعف التعليم الناس لا يعلمون ابناءهم تعليما جيدا، المدارس ضعيفة، ومافيها داخليات ويهاجروا الى مناطق الكلاكلة والمدن الجديدة لمحاولة تعليم ابنائهم لكن بهذه الطريقة الحضارة النوبية والمزاج النوبي سينتهيان لانهما سيتأثران بهذه المجتمعات ويندمجوا فيها واولادهم يطلعوا على اولاد المجتمع، والان التأثير الاكبر على الطفل من الشارع وليس المنزل وانا شخصيا لي تجربة مع ابني الاصغر فهو لا يعرف الرطانة، كل البيت يرطن الا هو وقد اخذته مرة للبلد حتى اعلمه الرطانه لكن عندما وصلنا هناك واختلط برنامج زيارتي وبدلا من تعلم الرطانة علم الاولاد العربي.. وفشلت المسألة.
* د. ابوسليم لا زلت عند قرار التهجير لاهالي حلفا، الا تعتبره من القرارات السياسية التي دفع ثمنها مجتمع باكمله حضارته، هويته، واشياؤه المرتبطة بالمنطقة والارض؟؟
- والله.. لااعتقد انها غفلة، يعني الناس في هذا الامر عليهم الا يبالغوا..مثلا في مصر كم من الخزانات القناطر الخيرية، خزان اسوان القديم، وحدثت فيه تعليات، واغراق اجزاء من مصر،، وانت تعلم عملت خزان الروصيرص، وهذا ايضا اغرق اجزاء من البلدان، وفي ا مريكا، روسيا، والهند، وفي كل العالم هناك دول تعمل خزانات في مناطق مأهوله وما في خطأ سياسي، ولا احد قصر، لا المصريين ولا السودانيين في ان يضروا النوبيين، الان النوبيين ليست لديهم مشاكل ولا يضروا الناس، اذا لا شئ مبيت، لكن المصريين كانوا محتاجين للمياه لتخزينها بنفس حوجة السودانيين ولذلك عملوا هذه الاتفاقية والسودان بني خزان الروصيرص مما ادي لتوسع زراعي كبير السودان لم يخسر بل ازداد نصيبه مع المصريين وهي من الاعمال الهندسية المهمة التي يحاول الناس عمل المزيد منها، والذي حدث ان المفاوض السوداني لم يكن يعرف مقدار بلاد النوبة من العمران وظلموا في التعويضات.
* على نطاقك الشخصي وتلقيك خبر ترحيل النوبيين وقيام السد العالي؟
- قيام السد سبقته ارهاصات. وكنت وقتها في البلد، وكانت هناك فكرة ولعمل خزانات جنوب حلفا، ولما حدث الاتفاق بين مصر والسودان على السد العالي وهو سد كبير ومهم لمصر والسودان لم اكن وقتها مؤيدا، واذكرانني كنت موظفا صغيرا في الخرطوم بدار الوثائق وذهب طلعت فريد ليتفاوض مع المصريين ووقع على الاتفاقية وعند عودته صدر منشور يوجه باستقباله في المطار فقلت (داغرق بلدي.. والله ما امشي استقبله) فرفضت استقباله معارضة للامر، ولكن ربما بعد ذلك دعيت.. وهذه قضية كبيرة لا يمكن ان نبدأها ونختمها من جهة واحدة لان فيها قوة كثيرة داخلة.
* د. ابوسليم لتحكي عن قصة التحاقك بدار الوثائق القومية؟
- انا تسلمت العمل فيها يوم 21 ابريل من عام 1955م يعني بعد التخرج بقليل، وتم تعييني

سمل الحلفاوى
26-07-2006, 07:38
نائبا لامين المحفوظات، وكان الامين وقتها البريطاني مستر (هولت) الذي كان استاذا في جامعة الخرطوم، ويحضر لرسالة جامعية للدكتوراة في جامعة لندن، ومن بعد طبعها في كتاب عنوانه (دولة المهدية في السودان) كتاب مشهور جدا، ويعتبر واحدا من الناس المهمين الذين لديهم عمل يعتز به، وعندما جئت كان هولت يعمل في اعداد قوائم لبعض وثائق المهدية، واعمال اخرى، اطلعني على هذه الاعمال، واهتم بي شخصيا لانني تلميذه، وعاملني معاملة لطيفة لاخر درجة، لكنه لم يستمر معي الا خمسة عشر يوما لان وظيفته تسودنت وبعد ذهابه تسلمت العمل مكانه، وكنت محتارا لان مهنة الارشيف في السودان لم تكن معروفة ومعظم الناس كانوا يقولون عنها السجلات او تسجيلات البوستة.. فسألت لكنني لم اجد احدا لديه الخبرة في هذا الموضوع. واذكر انني سألت استاذنا عبدالله الطيب الذي دلني على قراءة مقدمة ابن خلدون فقلت ان هذا العلم علم جديد لم يوجد على ايام ابن خلدون ومن العلوم التي ظهرت في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وانا على تلك الحيرة استمريت في عمل هولت، فوجدت انني محتاج لمعرفة نظام الملفات، والكتبة، فعقدت صداقة مع عد دمن الكتبة افادوني فائدة كبيرة ومن ضمن هؤلاء الكتبة واحد اسمه زكي (عليه الرحمه) من المصريين الاصوللية وكان مستوطنا في حلفا وتربى فيها، فقدم لي المساعدة من مكان عمله في الداخلية، كذلك مكي عثمان احد الكتبة بقسم المطبوعات، رجل متقدم في فكره، متطور وكان صديقي وفي الاخر التحق بجامعة الفرع ونال الليسانس في القانون، واصبح من المحامين المشهورين، وله فضل كبير عليّ، واستفدت من عمل الكتبة في علم الارشيف، وهو علم يعتمد على معرفتك لعلم الكتابة، ونظام الملفات، واستاذي الاول في ذلك هو المرحوم (مبارك سري عمر) الذي كان يعمل نائبا لي، وهو من خريجي كلية غردون القديمة، واشتغل في مصالح عديدة، كان لفترة في مكتب السكرتير القضائي ولذلك كان يعرف ضبط الورق، وحفظه، والطريقة القانونية، وحقيقة هو ا ستاذي وانا لن انسى هذه الشخصية المتميزة، ذات الخلق النبيل، وذات الصداقات العديدة.
في عام 1955 حدث التمرد في جوبا والحكومة جديدة لا تعرف نظام الحكم ولا تعرف السياسة والجنوبيون لما اتهموا الحكومة باهمالهم كان كلامهم غير حقيقي لان الممسكين بزمام الحكومة لم يكن لديهم عداء نحو الجنوب لكن افتقروا للخبرة في ادارة الدولة، والمعرفة بما يحدث في الجنوب.. عموما لما حدثت هذه المسألة كانت حاجة الحكومة للمعلومات، فالمعلومات موجودة عندي، وهذه وصلتني بمخزوني من المعرفة، قليلا قليلا تطور العمل وارسل الي (هولت) نشرات، وكتبا عن الارشيف، قرأتها بامعان شديد، وتبينت اشياء كثيرة منها، اولها ان مخزون المعلومة دي، وما يمكن اضافته يعتبر نوعا مفيدا من المعلومات للباحثين، وللدولة.. الدول لانها ناشئة، وجديدة، وتحتاج لمعلومات كذلك استقلال السودان في ذلك الوقت مما حدا بالباحثين من امريكا، وانجلترا، وفرنسا والهند ان يطلبوا معلومات عن السودان، اذا المعلومات التي امتلكها والتي انوي جمعها مصدر مهم.. الدولة تريد السوابق الادارية.. والمالية، ومعلومات عن القبائل، والحوادث، ولا بد ان تكون بمستوى عال لمقابلة هذا الطلب، واقبال الخارج لدراسة السودان اضافة الى ان جامعة الخرطوم تحركت لتصبح محطا للدراسات العليا للطلاب ولا بد للدراسات التاريخية، والاجتماعية الخاصة بالسودان تتركز على هذا المكان،، وعيت لهذا وبالفعل دار الوثائق قدمت خدمة كبيرة جدا للسودان في هذا المجال.. وكانت الدراسات التي اجريت عن السودان، وتم نشرها وطباعتها والكتب الانجليزية باهظة الثمن، وحفلت هذه الفترة بدراسات هائلة جدا. واتذكر ان هناك مؤتمرا للدراسات الافريقية عقد في كندا في وقت سابق من الآن وافاد بان حصيلة الدراسات الافريقية يقف السودان في مقدمتها من حيث البحوث ، وتنوع الموضوعات ، وعمقها وهذا نتيجة للسياسة الحرة ، والمتحررة لحكومة السودان نحو الباحثين .. وعندها تنبهت ان الثروة التي نمتلكها ثروة مهمة جداً للمجتمع السوداني من ناحية البحث العلمي ، وناحية ادارة السودان ادارة حسنة اما النقطة الثانية التي تنبهت لها هي ادخالي لمهنة جديدة في السودان لا يعرف عنها شيئاً ولذلك لابد من ان اجتهد لتطويرها بحيث يبدأ السودان العمل في هذابطريقة مسؤولة وليست عشوائية . ولابد من تأسيس مؤسسة مهمة جداً على المستوى القومى ، لذلك لم اهتم في تلك الفترة بالمسائل الاجتماعية ، فالحكومة لم تعطني منزلاً حكومياً كباقي زملائي ، ولم تعطني عربة حكومية كبقية الزملاء ولا حتى الترقيات في الوقت الذي يعيش فيه زملائي مرفهين لحد ما لم اسأل من هذا كلية بغية ان يتنبه المسؤولون في يوم ما ، واذكر انني لم اترق لفترة طويلة حتى تنبه لذلك رئيسنا امير الصاوي احد اقدر الكوادر في الخدمة المدنية ووصل الى درجة وكيل واصبح عميداً للخدمة المدنية وقد قام مشكوراً بسعي حثيث حتى ادخلني في وظيفة جيدة .. وفي تقديري انني ضحيت في هذا الجانب واعتبره نجاحاً ومن عوامل النجاح هذه العدد الكبير من الموظفين الذين عملوا معي ،وتقمصهم لهذه المسؤول وقد كنت رجلاً متشدداً جداً حتى اكيف هذه الخبرة بتكييف خاص وارسي التزاماً متناهياً ، واحسب انني زرعت هذا الالتزام في من عمل معي ، والى الآن مجموعات منهم في الخارج وفي مواقع مختلفة لكن قلوبهم مع دار الوثائق لذلك اقول ان هذا البناء الكبير الذي قام ونشأ كان بتضافر جهود كثيرة وليس بمجهود ابوسليم لوحده فقد كان معي الاستاذ محمد محجوب مالك كنائب للامين العام وقضينا فترة طويلة نعمل سوياً بكل اخلاص مما خلق بيننا اخوة عجيبة فكان مثل شقيقي ولديه نفس هذا التقدير ، محمد محجوب اراحني في الجانب الاداري فقد كان ادارياً ممتازاً فعمل في ادارة الميزانية ، وشئون المستخدمين والترقيات بدار الوثائق مما وفر على الوقت لاكرس جهدي في الجانب العلمي ، وهو نفسه تطور فاصبح يدرس في الجامعات وعمل كتباً عديدة منها كتاباً للارشيف واخر عن المعارضة الداخلية للمهدية ، كذلك كل الذين عملوا معنا من الخريجين عملوا دراسات عليا وصل الى الدكتوراة ، والبعض منهم دراسات لنيل الماجستير وكثيرون لم يكونوا يحملون الدراسات العليا ومرتبة الشرف فكنت اعطيهم شهادات توصية تخول لهم الحصول على الماجستير حتى في بريطانيا التي قبلت توصيتنا .. هناك علم اخر متصل بالدراسات الوثائقية وهو علم الوثائق ، وهذا يجعلني اقول ان اي مستشرق ليس لديه تأثير على فانا عندما اكتب ، اكتب بحرية دون تأثير من الخارج اضعه في ذهني ..
** وهذا بدوره يعود الى انني لم تكن لدي التزامات سياسية وعند البحوث لاابتدئ بما قرأته من الكتب اقوم بقراءة التفاصيل الدقيقة لكل وثيقة ومنها ابني بحثي بحرية وهو يقوم من الاساس وليس من « فوق» لذلك في قضايا كثيرة جداً في تاريخ السودان اختلف فيها مع المؤرخين واعتقد ان هذا الخط الحر في البحث العلمي سيسير في النهاية اذ انني لا يمكن ان آتي باربعة كتب تم نشرها لاعمل عليها دراسة جامعية وفي النهاية اقول انني متخصص هذا عمل يقوم على اعمال الناس لكن اذا بدأت من الوثائق واصبحت تجمع الحقائق واحدة تصبح في الاخر متمكناً في وصولك للنتائج وانت حر فيها ، غير مقيد باجتهادات الآخرين ومن هذه المكانة المستقلة يمكن ان تنتقل الى اعمال الآخرين لتنتقدهم وتتعرف على جيدها من رديئها ..


أخبار مرتبطة:
السياسي المخضرم أحمد سليمان المحامي يقلب صفحات الماضي والحال والمآل (1 ــ 2) -
السياسي المخضرم أحمد سليمان المحامي يقلّب صفحات الماضي والحال والمآل «2-2» -
الخبير الإستراتيجي محمد أبو القاسم حاج حمد يروي قصة أميركا مع السودان (1) -
الخبير الإستراتيجي محمد أبو القاسم حاج حمد يروي قصة أمريكا مع السودان (2) -
ماذا يمكنك أن تقول عن البروفيسور محمد إبراهيم أبو سليم -
التوقيع على اتفاقية التعاون الزراعي بين السودان والسعودية غداً الخميس -الخرطوم:الصحاقة
البروفيسور الراحل محمد ابراهيم أبو سليم (للصحافة) -
أبو الغيط: السودان يتجه إلى مرحلة جديدة -الخرطوم - اسمهان فاروق
إدراج «الاستثمار السوداني» بسوق أبوظبي خلال أيام -أبوظبي:وكالات
الإقتصاد السوداني في مرحلة السلام هل يحقق التنمية المنشودة -اعداد :عاصم اسماعيل
السكة الحديد هل تواكب المرحلة الجديدة لبناء السودان؟! -اعداد: ابراهيم واقداي
انا لله وانا اليه راجعون
رحم الله البروفسير ابوسليم وجعل الجنة مثواه

سمل الحلفاوى
26-07-2006, 07:40
الهم ارحمه واحسن اليه بقدر حبه للسودان وما قدمه
لهذا البلد