د. محمد عبد النبى
06-08-2006, 15:55
الحدود الشرعية والأخلاقية والإنسانية لبحوث الخلايا الجذعية المستخدمة في العلاج بالخلايا
الأستاذ الدكتور: بلحاج العربي بن أحمد
[أستاذ في جامعة الملك سعود - المملكة العربية السعودية]
عاصفة دينية وأخلاقية حول الخلايا الجذعية:
1ـ أثارت أبحاث وتجارب الخلايا الجذعية، التي يتم الحصول عليها من أجنة بشرية، يقاس عمرها بالأيام، من خلال إهلاك القليل من الأجنة، بغرض العلاج الطبي أو خدمة الإنسان، عاصفة علمية ودينية وأخلاقية وإنسانية في العالم برمته، وجعلت علوم الأحياء والبيولوجيا الجزيئية تمر بأزمة أخلاقية حادة، هي أكبر امتحان للبشرية كلها على مر التاريخ الإنساني.
إن الأبحاث العلمية والتجارب الطبية على الخلايا الجذعية الجنينية، ومنها الخلايا متعددة القدرات، ما تزال تثير ـ إلى يومنا هذا آراءً متباينة بين علماء الدين ورجال القانون والأخلاق، والباحثين والمتخصصين في العلوم الحيوية والبيولوجية، وكذا العلوم التطبيقية الأساسية في تقنياتها الجديدة المتعلقة بما يسمى بـ'الاستنساخ العلاجي' .Clonage Therapeutique
2ـ وبما أن هذه القضية هي من القضايا العصرية المهمة، التي شغلت العلماء والباحثين في البحوث البيولوجية، والتجريبية التطبيقية على الإنسان، والأطباء وأصحاب الاختصاص، والرأي العام، فإنه من واجب فقهاء الإسلام التصدي لها في ضوء النصوص الشرعية واجتهادات الفقهاء لوضعها في إطارها الشرعي.
وهذا قبل حدوث الفراغ الفقهي في هذه المسائل المهمة والحساسة، مما يجعل الفقه تابعًا في هذه الأحكام، وهو أمر مضر بالمصلحة العامة والخاصة للأمة، مما يجعلها لا محالة تتعدى حدودها الشرعية والأخلاقية، وبالتالي تصطدم بأدلة الشرع وأوامره ونواهيه.
3ـ إن البحث في حدود البيولوجيا الجزيئية، والعلاج الجيني، والعلاج بالخلايا، والخلايا الجذعية، وتجارب الاستنساخ الجيني العلاجي، والهندسة الوراثية، وجميع إنجازات واكتشافات علوم الطب والأحياء والبيولوجيا والعلوم الأساسية والتطبيقية الحديثة، المتعلقة بالإنسان في حياته وجسده وجثته، واحترام كرامته وحرمته الإنسانية، هي مسائل فقهية بالأساس؛ فالرأي الأخير في هذه النوازل العلمية والطبية المستجدة هو للفقهاء لتحديد ضوابطها الشرعية وحدودها الأخلاقية والإنسانية، بما فيها المسؤولية المدنية والجنائية المترتبة على إبادة الأجنة البشرية ـ باعتبارها أصل الآدمي ومادته ـ واستخدامها لأغراض تجارية، كوضع الأجنة البشرية المستنسخة في رحم أنثى البشر أو الحيوان، أو إهلاكها لاستعمالها في علاجات طبية 'ثورية'، مما يعتبر جريمة ضد البشرية والإنسانية.
المحدود واللامحدود في علوم الأحياء والبيولوجيا:
4ـ إن أساليب دكتاتورية البيولوجيا الحديثة، في مجالات علم الأحياء والعلوم الأساسية والتطبيقية، وكذا البحوث التجريبية على الإنسان، يجب أن تقف عند الحد الشرعي المباح.
فإن حماية الإنسان في حياته وجسده وجثته، هي حماية شرعية، يقرها الفقه الإسلامي بسياج من الحقوق والضمانات الشرعية، يجب ألا تتعداها الاكتشافات العلمية والطبية والبيولوجية المعاصرة. فالآدمي محترم حيًا وميتًا في الشريعة الإسلامية، وهذا منذ خمسة عشر قرنًا، ومن دون منازع.
5ـ إن الجنين الإنساني، حتى ولو كان كتلة صغيرة جدًا من الخلايا، إنما هو حياة إنسانية، فهو محترم ومكرم إلى أبعد حد، ومن ثم فإن المساس بهذه الكتلة الصغيرة جدًا، وإعدامها لاستخدامها في تكنولوجيا 'الاستنساخ العلاجي' فيما يعرف بـ'علاجات الخلية' [Cells Therapeutics]، هو أمر يرفضه بقوة وبحزم فقهاء الإسلام.
وعلى هذا فإن إمكانية استخدام خلايا الأجنة البشرية المستنسخة، تحت مسمى: 'الاستنساخ العلاجي' لخدمة العلاج أو الإنسان، ما هي في الحقيقة إلا تجارب لقتل الأجنة البشرية التي لم يزد عمرها على 15 يومًا، ومن ثم تدميرها تحت غطاء العلاج أو الأدوية، للحصول على الخلايا الجذعية الجنينية، والتي يمكن أن تخصص وتتكاثر إلى أنواع خلايا الجسم المختلفة، مما قد يحتاج إليه أو يرغب فيه الآخرون.
6ـ إن إصرار علماء الأحياء والبيولوجيا على استخدام تقنية الاستنساخ الجيني البشري، للحصول على الأجنة البشرية المستنسخة، بوسائل الهندسة الجينية، ثم تدميرها لاستعمالات طبية وعلاجية محتملة كثيرة، هو معضلة أخلاقية ودينية حقيقية، وخاصة في ضوء انعدام البحث في البدائل، التي تبدو ممكنة في مجالات البحث هذه كلها. وخير دليل على هذا الإصرار أو التعنت، ما أعلنه العالم البيولوجي الأمريكي المشهور 'ريتشارد سيد' من شيكاغو، عن مواصلة أبحاثه وتجاربه في الاستنساخات البشرية للحصول على الأجنة البشرية على الرغم من معارضة الحكومة الأمريكية. كما أن 'لايام دونالدسون' [وهو المسؤول الطبي الأول في الحكومة البريطانية]، قد أوصى في أغسطس [آب] من عام 2000م، بالسماح للباحثين من أن يقوموا باستنساخ الأجنة البشرية لاستخدامها في تشكيلة أوسع من البحوث العلمية.
د. محمد عبد النبى
06-08-2006, 16:01
7ـ إن السماح بإجراء تجارب الاستنساخ الجيني 'العلاجي' تحت ما يعرف 'بالطب التجديدي' [Regenerative medicine]، بدعوى معالجة كثير من 'الأمراض التنكسية' [degenerative discases]، باستخدام الخلايا الجينية الجذعية، سيؤدي إلى مخاطر في مقدمتها اختلاط الأنساب، بما لا يتناسب مع الضوابط الشرعية في الإسلام، وسيفتح الباب أمام جرائم التزوير وانتحال شخصيات الآخرين، وأمراض جسدية ونفسيه لا عهد للإنسان بها، وظهور مجتمع عالمي مزور وبربري شكلاً ومضمونًا تسوده اليوجينية والجشع وفقدان القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية والحضارية.
وإنه إذا كان للعلم وجه مشرق مضيء، فإن ما يخشاه الفقهاء ها هنا، هو الوجه المظلم المخيف، الذي يقع عند الفصل بين العلم والأخلاق.
التعريف بأبحاث الخلايا الجذعية في البيولوجيا الجزيئية:
8ـ الخلايا الجذعية Stem Cells، وتعرف أيضًا بالخلايا متعددة القدرات Pluripotent stem cells، هي التي يتم الحصول عليها من أجنة يقاس عمرها بالأيام [فهي خلايا بدائية تظهر بعد 6 إلى 12 يومًا من الإخصاب]، وهي تملك القدرة أو القابلية في هذه المرحلة على التطور والنمو والانقسام من دون حدود، وإعطاء الخلايا المتخصصة كلها، ويمكنها أن تتحول إلى أي نوع من أنواع أعضاء أو أنسجة الجسم البشري تقريبًا، وهذا ما يجعلها شيئًا ثمينًا بالنسبة إلى العلماء والباحثين في العلوم الحيوية والبيولوجية.
وهذه الخلايا الجذعية الجنينية [Embryonic stem cells]، يمكن الحصول عليها من خلال إهلاك القليل من الأجنة البشرية التي لا يزيد عمرها على 15 يومًا، وهي ستؤدي إلى توليد خلايا وأنسجة يمكن استخدامها فيما يعرف بـ'علاجات الخلية' Therapeutics Cell. كما أنه بعد تحفيز هذه الخلايا حتى تصير خلايا متخصصة، فإنه يمكن أن تستخدم لتكوين الأنسجة، وحتى الأعضاء البشرية المختلفة، في الجسم، من عضلات، وعظام، وشعر، وغيرها مما يؤلف الجسم. فهي يمكن أن تتطور بسرعة إلى نسيج عصبي أو دموي أو عضلة قلب أو حتى خلايا للدماغ.
9ـ وقد أمكن للعلماء تحت ما يعرف 'بالطب التجديدي'، معالجة كثير من الأمراض 'التنكسية'، باستخدام الخلايا الجذعية الجنينية، ومنها: مرض الشلل [الرعاش] أو الباركنوسن [Parkinson]، ومرض 'ألزايمر' [Alzheimer]، وإصابات النخاع الشوكي [بأن تستخدم لإعادة بناء الأعصاب]، ومرض السكتة الدماغية، وأمراض القلب [يمكن للخلايا القلبية الجديدة إصلاح القلوب المعطوبة]، وأمراض السكري [بأن تستخدم للحصول على خلايا تنتج الأنسولين]، والحروق، والتهاب المفاصل العظمي، والتهاب المفاصل الريئاني [الروماتويد]، والسرطان، وغيرها مما لا يحصى من الأمراض.
10ـ فإنه من خلال التجارب العلمية والطبية، والأبحاث البيولوجية للسيطرة على الجينات، في مجال الخلايا الجذعية الجنينية متعددة القدرات [التي أطلق عليها اسم خلايا 'إي إس' [E.S]، يمكن الحصول على 'خلايا علاجية'، منها خلايا قلبية، وخلايا كبدية، وخلايا عصبية، وخلايا جزيرات البنكرياس، ونقي العظام [لمعالجة هشاشة العظام وأمراضها]. وهذا يتم باستخدام الهندسة الجينية، باستعمال تقنيات الاستنساخ الجيني العلاجي من طريق العلاج بالخلايا.
11ـ وهنا ظهرت المعضلة الدينية والأخلاقية لاستخدام الخلايا الجذعية الجنينية، المأخوذة من الأجنة البشرية، فلقد دلت البحوث البيولوجية الإضافية، أن الخلايا الجذعية البالغة المأخوذة من الدماغ أو من غيره، يمكن أن تصبح خلايا دم، وأنواعًا أخرى من الخلايا، يمكن استعمالها في علاجات طبية ثورية. فإن الخلايا الجذعية المأخوذة من البالغين، والتي يمكن أن تتخصص، تصبح مصدرًا لخلايا الجسم المختلفة، التي يحتاج إليها المرضى، حتى تحل محل الخلايا المريضة أو التالفة. ومنها تجارب الزراعة الذاتية لعضلات القلب، واستنباب أوعية دموية، والخلايا الجذعية الكبدية البالغة، والخلايا الجذعية من الحبل السري. وفي هذا الإطار، فإن الباحثين الذين عزلوا الخلايا الجزعية الجنينية [E.S.C]، يراكمون معرفتهم وخبراتهم، من خلال تجاربهم المخبرية، وهم يعتقدون بإمكانية 'إعادة برمجة' خلية بالغة، حتى لو كانت درجة تخصص الخلية تصل إلى تخصص الخلية الجلدية مثلاً، حتى تصبح أي نوع آخر من خلايا الجسم.
12ـ ويدخل في هذا المجال أيضًا، الإخصاب الصناعي، والعلاج الجيني أو المعالجة الجينية [Gene Therapy]، التي يمكن أن تساعد في تجنب الإصابة بمرض وراثي محدد، أو تصحيح عيب، أو نقص بالمعالجة الجينية. فقد أدخل في مخبر بيوتكنولوجي في 'أستراليا'، جين سوي [Gene] واحد في إحدى الخلايا الجذعية الجينية للفأر [E.C.S]، وتبين ظهور هذا الجين في الخلية المنسلية وإمكان توريثها للأجيال اللاحقة.
13ـ والجدير بالذكر هنا، بأن البيولوجي الأمريكي 'جيمس تومسون' [James Thomson]، من جامعة 'ويسكونسين' الأمريكية، هو الأول الذي قام بمحاولة ناجحة لتحضير وعزل الخلايا الجذعية الجنينية [E.C.S] في فبراير عام 1998.
كما أن مؤسسة 'روزلين' [Roslin] الشهيرة في 'إدنبرة' في [اسكتلندا]، التي توصلت إلى استنساخ الشاة 'دوللي' في عام 1997م، ما تزال تعمل بالتعاون مع مؤسسة 'جيرون' [Geron corp] في الولايات المتحدة، في مثل هذه 'البيتوتكنولوجيا' المتقدمة، في أبحاث الاستنساخ والهندسة الوراثية، وهندسة الأنسجة، والعلاج الجيني واستنساخ الأعضاء البشرية.
وقد توقع البروفيسور الأسترالي 'بيتر ماونتكورد'، إمكانية إنتاج أدوية من خلايا جذعية لأجنة بشرية [إي أس] [E.S]مستنسخة، وتجربتها في المستشفيات على المرضى خلال عامين، في معالجة أعضاء حساسة [كالقلب، والكبد، والجهاز العصبي، والمناعة، والشيخوخة وغيرها].
ومنذ سبتمبر عام 1990م، نجح العلم الأمريكي 'فرنش أندرسون'، من جامعة 'هارفارد ' في الولايات المتحدة، في علاج طفلة باستعمال العلاج الجيني، وذلك بإدخال الجين المسؤول عن تصنيع إنزيم [A.D.A] المهم لعمل الجهاز المناعي، وبذلك أنقذها من الموت بإذن الله, أو من علاج دائم لا يمكن أن توقفه مدى الحياة لإصابتها بمرض نقص المناعة الموروث'.
موقف التشريعات الدولية من بحوث الخلايا الجذعية:
14ـ إن اكشتاف الخلايا الجذعية [Stem Cells]، وإمكانية استعمال تقنية الاستنساخ لزراعة الخلايا الجذعية الجنينية [E.S.C] ما زال يثير جدلاً كبيرًا في العلوم والدين والأخلاق والقيم الإنسانية والحضارية، وما يزيد من شدة هذا الجدل الفراغ التصريحي الذي ما زال يحيط بهذا الاكتشاف البيولوجي المهم، والاستخدامات الطبية والعلاجية المحتملة له.
15ـ ومن ذلك، فإن المملكة المتحدة البريطانية، والولايات المتحدة الأمريكية، وأستراليا، وكندا، تناصر وتؤيد بحماس القيام بالبحوث على الأجنة، بما فيها تجارب الاستنساخ العلاجي على الإنسان، وتجارب العلاج بالخلايا الجذعية الجنينية.
وأن البرلمان البريطاني قد أجاز في عام 1990م القيام بالبحوث على الأجنة البشرية، كما أن تقرير هيئة الإخصاب والأجنة البشرية [HFEA] في 8/12/1998م، وتقرير مؤسسة 'روزلين' في 1/8/2000م، طالبًا بالموافقة على الاستنساخ البشري للأغراض العلاجية، وذلك باستخدام الخلايا الجذعية الجنينية، وهو ما تميل إليه الحكومة البريطانية، منذ سنة2000م، التي تنطلق من فكرة 'اللامحدودية' [No Limit] في البحث العلمي ومجالات المعرفة.
د. محمد عبد النبى
06-08-2006, 16:04
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، راحت المعاهد الوطنية للصحة [NIH]، في تقريرها الجديد بتاريخ 21/11/2000م، تجيز استخدام الخلايا الجذعية الجنينية البشرية لأغراض البحث في و.م.أ. وخاصة منها الخلايا الجذعية متعددة القدرات.
وفي أستراليا وافقت الحكومة الاتحادية في جوان 2001م على إذن موحد يسمح بالاستنساخ 'العلاجي' عن طريق استنساخ الخلايا الجذعية البشرية لأغراض البحوث الحيوية الطبية، وتستخلص الخلايا الجذعية من الأجنة المجهضة، ومن المشيمة، ومن أنسجة البالغين.
16ـ علمًا بأن هناك أصواتًا قوية [من رجال العلم والدين والسياسة والأخلاق]، في هذه البلدان تعارض بشدة تجارب قتل الأجنة البشرية، واستنساخها لاستخدامها في البحوث الطبية والبيولوجية تحت المسمى الجديد 'الاستنساخ العلاجي' [Clonage therapeutic]، أو العلاج بالخلايا Therapeuties Cells، حتى يلقى إذنًا، وترحيبًا وتأييدًا وتمويلاً.
ومن بين هذه الأصوات، عالم البيئة المشهور الأمريكي 'جون ريفكين' [J.Rifkin]، الذي يطالب باستصدار تشريعات على المستوى الدولي تحرم الاستنساخ الجيني البشري، التكاثري أو العلاجي، وضرورة وقف تجارب 'الموت' أو قتل الأجنة، لأنها ستؤدي إلى حضارة الزيف والتزوير، ولكونها تناقض القيم الأخلاقية والإنسانية والحضارة كلها.
كما أن العالم الفيزيائي البريطاني 'جوزيف روبلاط' Joseph Roblat الشهير، والحائز مؤخرًا على جائزة نوبل للعلوم، يتوقع بأن استنساخ الأجنة سيقوم عاجلاً أم آجلاً، إلى مجتمع عالمي مزور تسود فيه قيم مضادة لكل ما هو أخلاقي وخير، ويقلب الطبيعة البشرية رأسًا على عقب.
ونشير هنا إلى أن الكنيسة الكاثوليكية في هذه الدول تعارض بشدة تجارب قتل الأجنة البشرية، وهو ما أعلنه الكاردينال 'وليم كيلر' من 'بالتيمور'، أمام المجلس الوطني لأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة، بأن الكنيسة الكاثوليكية تعارض تجارب قتل الأجنة لأنها تمس حرمة وكرامة الإنسان.
17ـ ونلاحظ هنا أيضًا، بأن الدول الأوروبية في معظمها [الكاثوليكية وإيطاليا، وسويسرا، والنرويج، وإسبانيا، وسويسرا، والنرويج، وإسبانيا، والبرتغال، دون نسيان اليابان، والصين، والفاتيكان، وكذا البرلمان الأوروبي، ومنظمة الصحة العالمية [WHO]، ومنظمة الصحة العالمية [UNESCO]، والأمم المتحدة [ONU]، وكبار الحاخامات اليهود، كلها تعارض بشدة الاستنساخ لأغراض التكاثر البشري، وتحدد حقوق الإنسان من الأبحاث في هذا المجال البيوتكنولوجي.
فإن هذه الدول، وهذه المنظمات الدولية تحظر الاستنساخ 'التكاثري' [Reproductive cloning]، ولكنها تسمح بالاستنساخ 'العلاجي' [Therapeutic Cloning]، وذلك باستنساخ الأجنة البشرية لاستخدامها في البحوث والتجارب الطبية والحيوية والبيولوجية، متجاهلة إهلاك الجنين وتدميره، من أجل هذا الاستنساخ 'العلاجي'. وهي معضلة أخلاقية وإنسانية توجب وضع 'مدونة سلوك' للباحثين، وفقًا لإعلان الاتحاد الأوروبي في باريس بتاريخ 2 يناير 1998م، ولبيان الفاتيكان الصادر في شهر فبراير 1998م، ولإعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة [ONU] في 9 ديسمبر 1998م حول البنية الوراثية البشرية.
18ـ والجدير بالذكر أن القوانين الألمانية الصارمة، تعارض بشدة استنساخ الأجنة البشرية، ولأي سبب كان، وتحظر استنساخ الخلايا الجذعية البشرية لأغراض البحوث الطبية. وعلى الرغم من ذلك، فإن علماء ألمان خططوا لاستيراد الخلايا الجذعية الجنينية من الولايات المتحدة، لإجراء أبحاث عليها، استغلالاً لثغرة في التشريعات الألمانية الصارمة، لأن القانون لا يمنع استيراد خلايا الأجنة. فإنه في الولايات المتحدة الأمريكية، نظرًا للسماح باستنساخ الأجنة البشرية في العلاج الطبي، وقتل الأجنة من أجل القيام بالبحوث الطبية؛ ظهرت هناك عصابات تخصصت في تأجير الفتيات وجعلهن يحملن 'سفاحًا'، ثم يجهضونهن ليستغلوا أنسجة الجنين في العمليات الجراحية المختلفة، مثل أنسجة المخ لعلاج مرض 'الباركنسون' والبنكرياس لعلاج مرض السكر، وخلايا الدم لعلاج سرطانات الدم والأنيميا والثلاسيميا وغيرها. مما سيفتح أسواقًا عالمية، للإنجاز البغيض لخلايا وأنسجة وأعضاء الأجنة البشرية، لم يعرف تاريخ الرق مثيلاً لها، في عالم ملؤه الجشع والتزوير، على حساب الجنين الآدمي، أضعف المخلوقات على الأرض، [ومادته الأولى].
19ـ وعلى هذا الأساس، وافق مجلس الوزراء الياباني في شهر أكتوبر 2000م، على قانون يفرض أحكامًا بالسجن أقصاها عشر سنوات [أي من جرائم الجنايات]، وغرامات باهظة تصل إلى عشرة ملايين 'ين' على كل عالم أو باحث يقوم بأنشطة أو تجارب الاستنساخ البشري التكاثري، أو يستخدم الأجنة البشرية لأغراض تجارية أو يقوم بوضعها بعد استنساخها في رحم أنثى البشر أو الحيوان.
20ـ وعلى الرغم من هذا، يتشابه هذا التشريع الياباني، مع مثيله في الاتحاد الأوروبي الذي يحظر الاستنساخ التكاثري، ولكنه يسمح بما يعرف: 'بالاستنساخ العلاجي'، ويسعى إلى وضع قواعد للسماح بالأبحاث المعملية في مجال الأجنة المستنسخة، للحصول على خلايا جذعية جنينية علاجية، تستعمل أنسجتها وأعضاؤها كاحتياطي للزرع عند الضرورة، أو كقطع 'تبديل' في حالات المرض أو حادثة الحوادث الطارئة، للتعويض عن قلب أو كبد أو بنكرياس أو أعصاب مريضة أو معطوبة. وتستخلص الخلايا الجذعية من الأجنة المجهضة، أو الزائدة، ومن المشيمة ومن أنسجة البالغين، ومن الحبل السري.
موقف الفقه الإسلامي من العلاج بالخلايا الجذعية:
21ـ إن الإسلام لا يعادي البحث العلمي، ولا مانع لديه من الاستنساخ في مجال الحيوان والنبات، أما استنساخ الأجنة البشرية، ثم إهلاكها أو تدميرها، لاستخدامها في البحوث العلمية، والعلاجات الطبية 'الثورية' لاستعمال الخلايا الجذعية الجنينية، أو الخلايا الجزئية، هو أمر يرفضه بحزم، لقوله تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} [المائدة:32].
فاستخدام الخلايا الجذعية الجنينية [E.S.C] التي تؤخذ من الجنين الآدمي، في أول 14 يومًا من تكونه، لا يكون إلا بعد إنشاء الجنين ثم تدميره [أي قتله]، فهو ينطبق عليه شرعًا، ما ينطبق على الإجهاض الإجرامي الذي هو جريمة في حق الجنين البشري. فإن 'إسقاط الحمل' بدون عذر شرعي، هو محرم شرعًا، ويعد جناية تعاقب عليها الشريعة الإسلامية، لقوله سبحانه وتعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} [الإسراء:31].
22ـ وعلى هذا الأساس، فإن ما يسمى 'بالاستنساخ العلاجي' في العلوم الحيوية والبيولوجية، في تقنياتها الجديدة المتقدمة، ما هو إلا تجارب لتقل الأجنة البشرية، لاستخلاص الخلايا الجذعية الجنينية، ومنها الخلايا متعددة القدرات [P.S.C]، تحت غطاء خدمة 'العلاج' أو خدمة 'الإنسان'. فاستنساخ الأجنة، ثم تدميرها، تحت مسمى جديد، جلبًا لعاطفة الرأي العام وتأييده، هو تلاعب بالجنين الآدمي، وبهندسة الخلايا والجينات، ومعايير الموروثات، لا طائل من ورائه سوى تحقيق طموحات بعض العلماء، أو بعض المؤسسات الصحية المتخصصة لتحقيق مكاسب مادية [تجارية] أو شهرة زائفة.
23ـ إن الإسلام لا يسمح بإجراء بحوث تهدف إلى تغير الصفات الوراثية للخلايا الملقحة، أو التلاعب بها، أو اختيار جنس المولود، لأن ذلك تغيير لخلق الله تبارك وتعالى، لقوله عز وجل: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء:119] وقوله سبحانه: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} [الفرقان:2]، ثم يقول ناهيًا عن التلاعب بهذه المعايير: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا} [الأعراف:56].
وفي هذا الاتجاه فإن الإسلام يعارض بقوة، استخدام الخلايا الجذعية الجنينية [E.S.C]، المأخوذة من الأجنة البشرية، بعد إهلاكها عمدًا وقصدًا،وتحت أي ظرف، لأن ذلك يتناقض مع كرامة الجنين الإنسانية، وذلك حماية للجينات والموروثات البشرية. فإن استخدام الأجنة البشرية في البحوث العلمية، ثم تدميرها للحصول على الخلايا الجذعية متعددة القدرات، هو أمر لا يمكن تسويغه، للاعتبارات الدينية والأخلاقية والإنسانية.
24ـ والجدير بالذكر هنا، أن الشريعة الإسلامية الغراء تعد أول تشريع في العالم ينظم أحكام الجنين [بوصفه أصل الآدمي ومادته]، والحقوق المتعلقة به. وهذا منذ خمسة عشر قرنًا وقبل القوانين الوضعية والدولية، فأحاطته بالحماية الشرعية، وبسياج من الحقوق والضمانات، تضمن له البقاء والكرامة والحرمة، وعدم الاعتداء أو الإهانة، وتحريم العبث به أو التلاعب بجسده أو جثته.
ضرورة ترشيد نقل تكنولوجيا العلوم الحيوية والبيولوجية:
25ـ إن المطلوب هو ضرورة ترشيد نقل تكنولوجيا العلوم الحيوية والبيولوجية [البيوتكنولوجيا]، وهندسة الجينات، والاستنساخ الجيني البشري، لأن أكثرها لا أخلاقي، ويتعارض مع قواعد الفقه الإسلامي وأحكامه وأصوله ومقاصده الشرعية.
إن الإسلام يعارض بشدة إنهاء الحياة الإنسانية عن طريق الإجهاض، وتيسير الموت [Euthanasia]، وعمليات الاستنساخ، وتجارب قتل الأجنة البشرية، والتلاعب بهندسة الجينات، ومعايير الموروثات وعمليات الإخصاب والتكاثر، واستنساخ الأجنة 'العلاجي' تحت أي مبرر من المبررات، وإن الطبيب أو العالم أو الباحث، إذا قام بمثل هذه الممارسات، أيًا كانت صورتها، كان آثمًا وكسبه حرام، وعليه أن يقف عند الحد المباح.
26ـ إن أية محاولة لاستخدام تكنولوجيا الاستنساخ الجديدة، بما فيها تجارب الأجنة المستنسخة، للحصول على الخلايا الجذعية الجنينية، تحت مسمى 'الطب الثوري أو التجديدي'، وعلاجات الخلية، هي وسيلة غير مقبولة في الفقه الإسلامي، لأنها تقوم على إهلاك الأجنة البشرية. والبيولوجيا، بالتفرقة بين الاستنساخ 'العلاجي' واستنساخ 'الأجنة البشرية' للحصول على خلايا الجذعية [ومنها الخلايا متعددة القدرات]، هو شيء مزيف ومزور، لأن أحدهما يقود لا محالة إلى آخر، لإحلال ما يشاءون من الخلال والأنسجة والأعضاء.
27ـ ونلاحظ هنا، بأنه يستوجب على العلماء، مراعاة للنواحي الأخلاقية والدينية، ضرورة البحث في البدائل الممكنة مما يدخل في إطار التداوي. والتداوي قد أمر الإسلام به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، فتداووا'.
وقوله صلى الله عليه وسلم: 'تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد، قالوا: ما هو؟ قال: الهرم'.
28ـ يجب على علماء الطب والبيولوجيا، ضرورة البحث عن مسببات الأمراض التي ما زالت خافية، لأن هناك العلاج لكل داء، في إطار كرامة الإنسان واحترام حقوق الجنين البشري، في حياته وجسده وجثته. كما نهيب بضرورة استصدار قرارات، على المستويين المحلي والدولي ـ لأن التأكيد على الطابع الأخلاقي وحده لا يكفي ـ تحرم الاستنساخ الجيني البشري، وتمنع تجارب قتل الأجنة البشرية، التي تجاوزت الحد، والتي يمكن أن تتطور بسرعة وفي صورة يتعذر على الإنسانية إلغاؤها في المستقبل......
http://www.islammemo.cc/KASHAF/one_news.asp?IDnews=461