ود المدني
02-02-2007, 14:05
كان استاذ حسب الرسول مشرف الفصل يدرس جميع المواد عدا مادة التربية الدينية .. في مدرسة ملكال الابتدائية .. بنيت المدرسة من الحجر في عهد الاستعمار الانجليزى .. تحفها الاشجار العالية الظليلة ..لا يوجد سور للمدرسة .. الطلاب من الشمال والجنوب الشماليون من ابناء التجار الجلابة وكبار الموظفين الحكوميون والجنوبيون من ابناء ضباط الجيش والشرطة وابناء السلاطين .. وبعض الطلاب من اهالي المنطقة .. في حصة التربية الدينية يتجه الطلاب الجنوبيون الي الكنيسة المقابلة للمدرسة .. وعند انتهاء الحصة يرجع الطلاب الجنوبيون بصحبة القسيس فرانسيس ..
يحرص الاستاذ حسب الرسول الذى يدعوه الطلاب باستاذ حسبو علي تقسيم التموين الحكومي الاسبوعي علي الطلاب فقيرهم وغنيهم .. قطعة من الصابون وقطعة من الظهرة لغسل الزى المدرسي الذى يصرف مجانا علي جميع الطلاب في بداية العام الدراسي .. يقوم بعض الطلاب الموسرين بتفصيل اطقم اضافية للزى المدرسي حيث كانت الامهات يكثرن الاعتراض علي الغسيل اليومي للزى ..
نشأت علاقة ودية بين الطلاب الشمالين و الانباء فرنسيس قسيس الكنيسة .. مازلت اذكر طعم الحلوي التي يقدمها الانباء فرنسيس لنا عند زيارة الكنيسة مع زملائنا الجنوبين .. حلوي لم اذق احلي منها .. وكثيرا ما سألت والدي ان يأتي لنا بمثلها .. شوكلاته بلجيكية لا تجدها الا لدي الانباء فرنسيس قسيس الكنيسة ..
كنا وقتها لا نميز الفرق بين الكنائس الكاثلويك او البروتستات ولا استطيع التأكيد علي اي مذهب كانت الكنيسة الا ان المؤكد لدي شكولاتة الانباء فرنسيس .. ومن ذلك الوقت المبكر اصبحت من مدمني الشكولاتة .. لم يعترض والدي يوما علي زيارتنا المتكررة للكنيسة فقد كنت احرص علي ان اطلعه علي كل تفاصيل اليوم الدراسي وزيارتنا للكنيسة بصحبة زملائنا الطلاب الجنوبين .. واذكر انه قال لي يوما : جاء في القرآن وبدأ يتلو ..قال تعالي : (( قل يا اياها الكافرون .. لا اعبد ما تعبدون .. ولا انتم عابدون ما اعبد .. ولا انا عابد ما عبدتم .. ولا انتم عابدون ما اعبد .. لكم دينكم ولي دين )) "صدق الله العظيم" عرفت المعني .يا ابني .. اصحاب الكنيسة لهم دينهم ونحن المسلمون اتباع سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم الذى خاطبه الله فى تلك الايات لنا ديننا الاسلامي الحنيف ..
لا امنعك من دخول الكنيسة مع زملائكم الطلاب احيانا .. علي ان تجلسوا في المقاعد الخلفية .. اذكر من تلك الدفعة من الاصدقاء عبد السلام وعزيز وعبد الرحمن وصغيرون وحافظ ومن الجنوبين لاكو جاتكور وجوزيف ..ومايكل وبيتر .. جميعهم يتحدث العربية بطلاقة ..
قررت المدرسة القيام برحلة ترفهية الي الغابة المجاورة .. لمن يرغب من الطلاب بعد موافقة اولياء الامور وسداد رسوم الباص .. كل الطلاب الشماليون ابدو موافقتهم علي الرحلة .. ومايكل وبيتر ولاكو من الجنوبين ابناء الضباط ..
في ذلك اليوم استيقظت مبكرا وجهزت الوالدة مستلزمات الرحلة بعض السندوتشات وحفاظة ماء .. الاستاذ حسبو يرافق الرحلة .. واقلع الباص في الثامنة والنصف صباحا من ساحة المدرسة .. بين زغاريد الامهات المتصاعدة.. اخذ الباص يشق طريقه داخل الغابة والاشجار العالية علي جانبى الطريق تعانق بعضها ويخيل اليك انك تشق نفقا داخل الجبال .. من كثافة الاغصان .. طريق غير مرصوف ..الباص يسير علي مهل .. وبين الفينة والاخري تأتي لمحة تعكس لك السهول المخضره خلف الاشجار علي مد البصر .. وبعد نحو 10 دقائق من المسير داخل الغابة فجأة .. سمعنا صوت انفجار بالجانب الايمن من الباص وانزلق الباص علي يسار الطريق وارتطم باحد الاشجار .. كان لغما ارضيا رديئا .. ازاح الباص عن مساره .. وأتكأ علي احد الاشجار دون ان ينقلب الباص ..
خرجنا من شبابيك الباص الذى مال الي اليسار واستقر علي جذع الشجرة علي جانب الطريق .. قفزنا من الشبابيك بمساعدة سائق الباص والاستاذ حسبو .. الا عبد السلام فقد كانت اصابته هي الخطيرة بين الطلاب .. لم يستطع ان يتحرك .. وباقي الطلاب كدمات وخدوش طفيفة .. اخذ استاذ حسبو يضمد جراح البعض.. بعد ان تم سحب عبد السلام من الباص .. كان يحمل صندوق اسعافات اولية .. ووقف مترقبا في امر عبد السلام الذي دخل في غيبوبة .. كنت لا اعاني الا من خدش دامي علي خدي الايمن .. مرت مجموعة من سيارات الجيش تم نقل عبد السلام الي المستشفي علي احداها برفقة الاستاذ حسبو .. وتوزع الطلاب علي باقي سيارات الجيش للعودة الي ذويهم .. يوم مشؤم.. خرج اهالي الحي انتظارا لعودة ابنائهم بعد ان ذاع امر انفجار الباص بلغم ارضي .. فبعد وداعهم بالزغاريد والفرح ها هم يستقبلونهم بالدموع ..
علمنا ان عبد السلام يعاني من كسر في الحوض وربما يأخذ العلاج وقت طويل للاستشفاء من الكسر ..
ذلك اخر عهدي بطلبة الدفعة شمالين وجنوبين .. وعبد السلام بعد انتقال والدي للعمل في الشمال وانقطعت اخبارهم ..
مضت السنوات .. وجاءت فتاة تبلغ 15 ربيعا تقريبا تطرق باب بيتنا .. وسألتني الوالدة هل عرفتها ؟؟ وقفت صامتا للحظات .. وقطعت صمتي الفتاة اذ قالت : انا سمية اخت عبد السلام .. اه لقد مضت 16 عاما بالتمام والكامل ما زلت اذكر يوم ميلادها .. جاءت لتدعونا لزواج اخوها منصور ..
اصبح لقاء عبد السلام ود الدفعة هو شغلي الشاغل .. بعد ان بلغنا من العمر 25 عاما .. فقد كنت متلهفا لهذا اللقاء فاستصحبت والدتي الي دارهم في اليوم التالي .. وطرقت الباب .. ويفتح شاب طويل القامة .. عبد السلام هو اكبر اخوته ومن بعده منصور وعمر وسلوي وسمية اخر العنقود .. مر هذا الشريط سريعا وانا اخمن من يكون الشخص الذى امامي .. فبادرته .. العريس منصور ؟ فاخذني معانقا وهو يسحبني الي الداخل وقال : انا عمر ..
تجمع للترحاب بنا حاجة عشة وابنائها وبناتها عدا عبد السلام .. فلم يكن بين الحضور .. ظللت متحفزا للقاء عبد السلام .. وكنت اود ان اقطع حديثهم لاسأل عنه ولكن فضلت التريس .. لم يظهر عبد السلام حتي الان .. بذلت جهدا لاحبس اشواقي بهدوء ونظراتي تبحث عنه في كل الابواب والمداخل ..
مع ارتفاع اصوات الوالدة وحاجة عشة وبناتها في الونسة .. استطعت ان اميز صوت صرير كانه مرجل يتحرك .. يقترب من جهة الممر المواجه للمجلس .. فتطاولت بناظري فاذا به عبد السلام يجلس علي كرسي متحرك .. استطعت ان اميز ملامحه دون ريب .. رغم ما اعتراه من تغيير بعد ان اطلق لحيته .. فعهدي به قبل البلوغ الا انه الان يبدو اكثر بدانة وهو يجلس علي الكرسي المتحرك .. لم استطع ان اميز مدى ما بلغه من طول .. سبقت الدموع الاكف وهي تتصافح فاخذته في عناق طويل .. اكاد ان ارفعه من مقعده .. والدموع تشرقني .. كانني غير مصدق انه مازال مقعدا .. تخيلت انه سيهب واقفا كما كنا نساوي الاكتاف ايهما اطول ونحن صغار .. ولكن هيهات .. فتركنا لدموعنا العنان .. وسلمنا بقضاء الله وقدره لتلك الاقدار الاليمة ..واخذ يبتسم وهو يمسح علي الخدش علي خدي .. وهو يقول : انت شلخوك ونحن كسرونا .. فعانقته بقوة ..
اه ..يا عبد السلام .. كنا قد ادمنا الشوكلاته .. فمتي سيدمنون السلام..
انتهت القصة ..
يحرص الاستاذ حسب الرسول الذى يدعوه الطلاب باستاذ حسبو علي تقسيم التموين الحكومي الاسبوعي علي الطلاب فقيرهم وغنيهم .. قطعة من الصابون وقطعة من الظهرة لغسل الزى المدرسي الذى يصرف مجانا علي جميع الطلاب في بداية العام الدراسي .. يقوم بعض الطلاب الموسرين بتفصيل اطقم اضافية للزى المدرسي حيث كانت الامهات يكثرن الاعتراض علي الغسيل اليومي للزى ..
نشأت علاقة ودية بين الطلاب الشمالين و الانباء فرنسيس قسيس الكنيسة .. مازلت اذكر طعم الحلوي التي يقدمها الانباء فرنسيس لنا عند زيارة الكنيسة مع زملائنا الجنوبين .. حلوي لم اذق احلي منها .. وكثيرا ما سألت والدي ان يأتي لنا بمثلها .. شوكلاته بلجيكية لا تجدها الا لدي الانباء فرنسيس قسيس الكنيسة ..
كنا وقتها لا نميز الفرق بين الكنائس الكاثلويك او البروتستات ولا استطيع التأكيد علي اي مذهب كانت الكنيسة الا ان المؤكد لدي شكولاتة الانباء فرنسيس .. ومن ذلك الوقت المبكر اصبحت من مدمني الشكولاتة .. لم يعترض والدي يوما علي زيارتنا المتكررة للكنيسة فقد كنت احرص علي ان اطلعه علي كل تفاصيل اليوم الدراسي وزيارتنا للكنيسة بصحبة زملائنا الطلاب الجنوبين .. واذكر انه قال لي يوما : جاء في القرآن وبدأ يتلو ..قال تعالي : (( قل يا اياها الكافرون .. لا اعبد ما تعبدون .. ولا انتم عابدون ما اعبد .. ولا انا عابد ما عبدتم .. ولا انتم عابدون ما اعبد .. لكم دينكم ولي دين )) "صدق الله العظيم" عرفت المعني .يا ابني .. اصحاب الكنيسة لهم دينهم ونحن المسلمون اتباع سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم الذى خاطبه الله فى تلك الايات لنا ديننا الاسلامي الحنيف ..
لا امنعك من دخول الكنيسة مع زملائكم الطلاب احيانا .. علي ان تجلسوا في المقاعد الخلفية .. اذكر من تلك الدفعة من الاصدقاء عبد السلام وعزيز وعبد الرحمن وصغيرون وحافظ ومن الجنوبين لاكو جاتكور وجوزيف ..ومايكل وبيتر .. جميعهم يتحدث العربية بطلاقة ..
قررت المدرسة القيام برحلة ترفهية الي الغابة المجاورة .. لمن يرغب من الطلاب بعد موافقة اولياء الامور وسداد رسوم الباص .. كل الطلاب الشماليون ابدو موافقتهم علي الرحلة .. ومايكل وبيتر ولاكو من الجنوبين ابناء الضباط ..
في ذلك اليوم استيقظت مبكرا وجهزت الوالدة مستلزمات الرحلة بعض السندوتشات وحفاظة ماء .. الاستاذ حسبو يرافق الرحلة .. واقلع الباص في الثامنة والنصف صباحا من ساحة المدرسة .. بين زغاريد الامهات المتصاعدة.. اخذ الباص يشق طريقه داخل الغابة والاشجار العالية علي جانبى الطريق تعانق بعضها ويخيل اليك انك تشق نفقا داخل الجبال .. من كثافة الاغصان .. طريق غير مرصوف ..الباص يسير علي مهل .. وبين الفينة والاخري تأتي لمحة تعكس لك السهول المخضره خلف الاشجار علي مد البصر .. وبعد نحو 10 دقائق من المسير داخل الغابة فجأة .. سمعنا صوت انفجار بالجانب الايمن من الباص وانزلق الباص علي يسار الطريق وارتطم باحد الاشجار .. كان لغما ارضيا رديئا .. ازاح الباص عن مساره .. وأتكأ علي احد الاشجار دون ان ينقلب الباص ..
خرجنا من شبابيك الباص الذى مال الي اليسار واستقر علي جذع الشجرة علي جانب الطريق .. قفزنا من الشبابيك بمساعدة سائق الباص والاستاذ حسبو .. الا عبد السلام فقد كانت اصابته هي الخطيرة بين الطلاب .. لم يستطع ان يتحرك .. وباقي الطلاب كدمات وخدوش طفيفة .. اخذ استاذ حسبو يضمد جراح البعض.. بعد ان تم سحب عبد السلام من الباص .. كان يحمل صندوق اسعافات اولية .. ووقف مترقبا في امر عبد السلام الذي دخل في غيبوبة .. كنت لا اعاني الا من خدش دامي علي خدي الايمن .. مرت مجموعة من سيارات الجيش تم نقل عبد السلام الي المستشفي علي احداها برفقة الاستاذ حسبو .. وتوزع الطلاب علي باقي سيارات الجيش للعودة الي ذويهم .. يوم مشؤم.. خرج اهالي الحي انتظارا لعودة ابنائهم بعد ان ذاع امر انفجار الباص بلغم ارضي .. فبعد وداعهم بالزغاريد والفرح ها هم يستقبلونهم بالدموع ..
علمنا ان عبد السلام يعاني من كسر في الحوض وربما يأخذ العلاج وقت طويل للاستشفاء من الكسر ..
ذلك اخر عهدي بطلبة الدفعة شمالين وجنوبين .. وعبد السلام بعد انتقال والدي للعمل في الشمال وانقطعت اخبارهم ..
مضت السنوات .. وجاءت فتاة تبلغ 15 ربيعا تقريبا تطرق باب بيتنا .. وسألتني الوالدة هل عرفتها ؟؟ وقفت صامتا للحظات .. وقطعت صمتي الفتاة اذ قالت : انا سمية اخت عبد السلام .. اه لقد مضت 16 عاما بالتمام والكامل ما زلت اذكر يوم ميلادها .. جاءت لتدعونا لزواج اخوها منصور ..
اصبح لقاء عبد السلام ود الدفعة هو شغلي الشاغل .. بعد ان بلغنا من العمر 25 عاما .. فقد كنت متلهفا لهذا اللقاء فاستصحبت والدتي الي دارهم في اليوم التالي .. وطرقت الباب .. ويفتح شاب طويل القامة .. عبد السلام هو اكبر اخوته ومن بعده منصور وعمر وسلوي وسمية اخر العنقود .. مر هذا الشريط سريعا وانا اخمن من يكون الشخص الذى امامي .. فبادرته .. العريس منصور ؟ فاخذني معانقا وهو يسحبني الي الداخل وقال : انا عمر ..
تجمع للترحاب بنا حاجة عشة وابنائها وبناتها عدا عبد السلام .. فلم يكن بين الحضور .. ظللت متحفزا للقاء عبد السلام .. وكنت اود ان اقطع حديثهم لاسأل عنه ولكن فضلت التريس .. لم يظهر عبد السلام حتي الان .. بذلت جهدا لاحبس اشواقي بهدوء ونظراتي تبحث عنه في كل الابواب والمداخل ..
مع ارتفاع اصوات الوالدة وحاجة عشة وبناتها في الونسة .. استطعت ان اميز صوت صرير كانه مرجل يتحرك .. يقترب من جهة الممر المواجه للمجلس .. فتطاولت بناظري فاذا به عبد السلام يجلس علي كرسي متحرك .. استطعت ان اميز ملامحه دون ريب .. رغم ما اعتراه من تغيير بعد ان اطلق لحيته .. فعهدي به قبل البلوغ الا انه الان يبدو اكثر بدانة وهو يجلس علي الكرسي المتحرك .. لم استطع ان اميز مدى ما بلغه من طول .. سبقت الدموع الاكف وهي تتصافح فاخذته في عناق طويل .. اكاد ان ارفعه من مقعده .. والدموع تشرقني .. كانني غير مصدق انه مازال مقعدا .. تخيلت انه سيهب واقفا كما كنا نساوي الاكتاف ايهما اطول ونحن صغار .. ولكن هيهات .. فتركنا لدموعنا العنان .. وسلمنا بقضاء الله وقدره لتلك الاقدار الاليمة ..واخذ يبتسم وهو يمسح علي الخدش علي خدي .. وهو يقول : انت شلخوك ونحن كسرونا .. فعانقته بقوة ..
اه ..يا عبد السلام .. كنا قد ادمنا الشوكلاته .. فمتي سيدمنون السلام..
انتهت القصة ..